تزامنا مع ذكرى “خليج الخنازير” كاسترو لأوباما: لسنا بحاجة لأن تهدينا أي شيء

11083

ترجمة: مايا سليمانمراجعة الترجمة: صالح علماني

نشرالرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو رسالة تحت عنوان “الأخ أوباما”، قام بنشرها في الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي في كوبا إثر زيارة الرئيس الأمريكي إلى العاصمة الكوبية هافانا قبل أسابيع. أتت تلك الزيارة ضمن سلسلة من المبادرات لإعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين بعد انقطاع دام أكثر من خمسين عامًأ.

هذه الرسالة، التي ننشرها اليوم تزامناً مع ذكرى غزو “خليج الخنازير” من قبل متمردين كوبيين عام 1961 والذي دعمته الولايات، قد تبدو للوهلة الأولى محض تعبير عن امتعاض كاسترو من زيارة الرئيس الأمريكي للأراضي الكوبية، الا أنها في واقع الأمر تحمل عدة رسائل الى القيادة الكوبية نفسها ومعها الشعب الكوبي، رسائل أصبحت ملحة في ضوء الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي يقوده الرئيس الحالي رؤول كاسترو. فيحرص كاسترو في رسالته على تذكير الشعب الكوبي بالخسائر التي تكبدها نتيجة الممارسات الامبريالية للولايات المتحدة، وبتضحيات هذا الشعب وقادته التي سمحت لكوبا بإدراك ثمار ثورتها بالرغم من هذه الممارسات.

رسالة فيديل

havana-cuba

الأخ أوباما،

لقد جلب لنا ملوك اسبانيا الغزوات والأسياد الذين مازالت آثارهم في قطع الأراضي الدائرية التي خُصصت للباحثين عن الذهب في رمال الأنهار، إنه أسلوب متعسف ومخز من الاستغلال، يمكن رؤية آثاره من الجو في أماكن كثيرة من البلاد.

السياحة اليوم، بمعظمها، تتلخص في عرض متع المناظر الطبيعية وتذوق لذائذ مأكولات بحارنا، وكلما جرت مشاركتها مع رأس المال الخاص للشركات الأجنبية الكبرى، تكون أرباحها غير جديرة بأي اهتمام ما لم تصل إلى آلاف ملايين الدولارات للفرد.

ولأني وجدت نفسي مضطراً إلى ذكر الموضوع، يجب أن أضيف– من أجل الشباب بصورة أساسية – أن أشخاصاً قليلين يدركون أهمية مثل هذا الشرط/الظرف في هذه اللحظة الفريدة من التاريخ البشري. لن أقول إن الوقت قد فات، لكني لا أتردد عن التأكيد أننا غير مطلعين بصورة كافية ــ لا أنتم ولا نحن ــ على المعارف والوعي الذي يجب علينا امتلاكه من أجل مجابهة الوقائع التي تتحدانا. أول ما يجب أخذه في الحسبان هو أن حيواتنا ما هي إلا جزء تاريخي من الثانية، لا بد من تقاسمها فوق ذلك مع الاحتياجات الحيوية لكل كائن بشري. وإحدى خصائص هذا الكائن الميل إلى تضخيم تقويمه لدوره، وهو ما يتناقض من جانب آخر مع العدد الاستثنائي من الأشخاص الذين يجسدون أسمى الأحلام.

ومع ذلك، ليس هنالك من هو طيب أو خبيث بذاته. لا أحد منا مُصَمَّم للدور الذي عليه توليه في المجتمع الثوري. لقد كان لنا، نحن الكوبيون، امتياز امتلاك نموذج خوسيه مارتي. حتى إنني أتساءل إن كان عليه أن يموت في دوس ريوس، حين قال: “بالنسبة لي، لقد حان الوقت” واندفع مهاجماً القوات الاسبانية المتحصنة في خط ناري متين. لم يكن يريد العودة الى الولايات المتحدة ولم يكن هناك من يجعله يفعل ذلك. قام أحدهم بانتزاع بعض الأوراق من مذكراته. من يتحمل مسؤولية هذه الخيانة التي هي، دون شك، من فعل متآمر عديم الضمير؟

إن الإختلافات بين القادة أمر معروف، ولكن ليس عدم الانضباط. “من يحاول الاستيلاء على كوبا لن يأخذ إلا تراب أرضها المضمخ بالدماء، إن لم يفنَ في الصراع”، هذا ما أعلنه القائد الكوبي المجيد أنطونيو ماثيو. وما يُعرف أيضاً عن ماكسيمو غوميث، القائد العسكري الأكثر انضباطاً وتكتماً في تاريخنا.

وإن نظرنا للأمر من زاوية أخرى، كيف يسعنا أن لا نجل سخط بونيفاسيو برن عندما رأى، من على قارب كان يعيده الى كوبا، علمًا آخر بجانب العلم ذو النجمة الواحدة، فأعلن: “علمي هو ذاك الذي لم يكن يومًا مرتزقًا…”، ليضيف على الفور واحدة من أجمل العبارات التي سمعتها على الإطلاق: “إذا ما تمزق علمي ذات يوم إلى قطع صغيرة… سيعرف موتانا كيف يدافعون عنه أيضاً وهم يرفعون أذرعهم”. ولن انسى كذلك كلمات كاميليو سينفويغوس النارية في تلك الليلة، عندما كانت، على بُعد عشرات الأمتار، قواذفُ بازوكا ورشاشات أمريكية المصدر بأيدي معادين للثورة، يصوبونها نحو الشرفة التي كنا نقف عليها.

castro cuba

ولد أوباما في أغسطس من عام 1961، كما أوضح هو نفسه. وقد انقضى أكثر من نصف قرن منذ ذلك الوقت.

فلنر كيف يفكر اليوم ضيفنا البارز:

“لقد جئت هنا لنخلّف وراءنا آخر بقايا الحرب الباردة في الأمريكيتين. جئت هنا وأنا أمد يد الصداقة إلى الشعب الكوبي”.

ويتبع ذلك فوراً بطوفان من المفاهيم، وهي مفاهيم جديدة بالكامل بالنسبة لمعظمنا.

“كلانا يعيش اليوم في عالم جديد استوطنه الأوروبيون”. هكذا واصل الرئيس الأمريكي كلامه، وأضاف: “لقد تشكلت كوبا، مثلها مثل الولايات المتحدة، على يد عبيد جيء بهم من افريقيا. وكالولايات المتحدة، لدى الشعب الكوبي إرث من العبيد والنخاسين”.

السكان الأصليون لا وجود لهم بأي حال في ذهن أوباما. وهو لا يذكر أن الثورة قد كنست التمييز العنصري، وأن معاشات تقاعد الكوبيين جميعاً وأجورهم قد أقرت الثورة مراسيمها قبل أن يبلغ السيد أوباما العاشرة من عمره. التقليد البرجوازي العنصري البغيض للتعاقد مع حراس من أجل طرد المواطنين السود من المراكز الترفيهية قد كنسته الثورة الكوبية. وستدخل هذه الثورة التاريخ بفعل المعركة التي خاضتها في أنغولا ضد نظام الفصل العنصري (الأبارثايد)، واضعة حداً لوجود أسلحة نووية في قارة يزيد عدد سكانها عن ألف مليون نسمة. لم يكن هذا هو هدف تضامننا، بل كان هدفنا مساعدة شعوب أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وشعوب أخرى من سيطرة البرتغال الاستعمارية الفاشية.

obama cuba

في العام 1961، بعد سنتين وثلاثة شهور من انتصار الثورة، قامت قوة مرتزقة، مسلحة بمدافع وقوات مشاة مدرعة، ومزودة بطائرات، جرى تدريبها ومرافقتها بسفن حربية وحاملات طائرات من الولايات المتحدة، قامت بهجوم مفاجئ على بلدنا. لا يمكن بأي حال تبرير ذلك الهجوم الغادر الذي كلف بلدنا مئات الإصابات بين قتلى وجرحى. عن لواء الهجوم الموالي لليانكيين (الأمريكان)، لا يوجد أي دليل على أنه أمكن إجلاء ولو شخص واحد من المرتزقة. لقد عُرضت أمام الأمم المتحدة طائرات يانكية مقاتلة على أنها طائرات كوبية متمردة.

من المعروف على نطاق واسع قوة هذه البلاد وخبرتها العسكرية. ففي افريقيا ظنوا أيضاً أنه سيكون من السهل إخراج كوبا الثورية من الصراع. الهجوم الذي حصل عبر جنوب أنغولا من جانب الألوية الآلية التابعة لجنوب افريقيا العنصرية وصل إلى تخوم لواندا، عاصمة أنغولا. وبدأ هناك قتال استمر لما لا يقل عن خمسة عشر عاماً. ما كنت لأتكلم عن هذا الأمر لو لم يكن واجبي الأساسي الرد على خطاب أوباما في مسرح أليسيا ألونسو الكبير بهافانا.

لن أحاول تقديم تفاصيل، سأكتفي بالتأكيد على أن صفحة مشرِّفة من النضال من أجل تحرير الانسان قد كتبت هناك. لقد تمنيت، بطريقة ما، لو أن سلوك أوباما كان صحيحاً. أصله المتواضع وذكائه الفطري كانا واضحين. لقد أمضى مانديلا حياته سجيناً وقد تحول الى أحد عمالقة النضال من أجل الكرامة الانسانية. وفي أحد الأيام، وقعت في يدي نسخة من كتاب يروي شطراً من سيرة حياة مانديلا – ويا للمفاجأة!: من كتب المقدمة هو باراك أوباما. تصفحت الكتاب على عجل. بدا مثيراً للدهشة صغر حجم الخط الذي يحدد به مانديلا المعلومات. معرفة أناس مثله كان أمراً يستحق العناء.

castro_3ef7a5bbb4f236cb41c6538d7450ad64

حول مسألة جنوب افريقيا لا بد لي من الاشارة الى تجربة أخرى. لقد كنت مهتماً بالفعل بمعرفة مزيد من التفاصيل عن الطريقة التي حصلت بها جنوب افريقيا على أسلحة نووية. لم أحصل على معلومات دقيقة جداً إلا بشأن أن ما تملكه لا يزيد عن عشر أو اثنتي عشرة قنبلة. أحد المصادر الموثوقة كان البروفيسور والباحث بييرو غليجيسيس الذي كان قد حرر نص “مهام في نزاع: هافانا، واشنطن، وافريقيا، 1959- 1976” وهو عمل ممتاز. كنت أعرف أنه المصدر الأكثر ثقة حول ما حصل، وهذا ما أوصلته إليه؛ فرد عليّ بأنه لم يعد يتحدث في الأمر، لأنه ردّ في النص على أسئلة الرفيق خورخي ريسكيت الذي كان سفيراً أو متعاوناً كوبياً في أنغولا، وصديقاً حميماً له. عرفت مكان تواجد ريسكيت، كان في مشاغل مهمة أخرى، وينهي دورة تدريبية مازالت بحاجة إلى عدة أسابيع أخرى. وقد تزامنت هذه المهمة مع زيارة قريبة لبيرو الى بلدنا؛ كنت قد نبهته إلى أن ريسكيت قد تقدم في السن وصحته ليست في حالة جيدة. بعد أيام قليلة، وقع ما كنت أخشاه. تدهورت حالة ريسكيت وتوفى. وعندما جاء بيرو لم يعد هنالك ما يمكن عمله باستثناء الوعود، ولكني كنت قد توصلت إلى معلومات حول تلك الأسلحة النووية والمساعدة التي تلقتها جنوب افريقيا العنصرية من ريغان واسرائيل.

لا أدري ما الذي على أوباما أن يقوله الآن حول هذه القصة. ولا علم لي إن كان يعرف أو لا يعرف، وإن كنت أشك كثيراً أن يكون غير عارف بأي شيء على الإطلاق. اقتراحي المتواضع هو أن يتأمل وألا يحاول الآن صياغة نظريات حول السياسة الكوبية.

هناك قضية مهمة:

لقد ألقى أوباما خطاباً استخدم فيه أشد الكلمات زخرفة في قوله: “لقد حان الوقت لننسى الماضي، فلنترك الماضي، ولننظر إلى المستقبل، فلننظر معاً مستقبلاً واعداً بالأمل. ولن يكون ذلك سهلًا، ستواجهنا تحدياتٌ، ولسوف نمنحها وقتاً، ولكن وجودي هنا يمنحني مزيداً من الأمل عما يمكن أن نحققه سوية كأصدقاء، كعائلة، كجيران، سوية”.

أفترض أن كل واحد منا كان معرضًا للاصابة بنوبة قلبية عند سماعه هذه الكلمات من رئيس الولايات المتحدة. بعد حصار قاس لما يقارب الستين عاماً، وماذا عمن ماتوا في هجمات المرتزقة على سفن ومرافئ كوبية، وطائرة مدنية ممتلئة بالركاب فُجرت وهي في الجو، واجتياحات المرتزقة وأعمال العنف القوة الكثيرة؟

لا يتوهمن أحد أن شعب هذا البلد النبيل والمنكر للذات سيتخلى عن المجد والحقوق، وعن الثروة الروحية التي اكتسبها مع تطوير التعليم والعلوم والثقافة.

إنني أحذر أيضاً من أننا قادرون على انتاج الغذاء والثروات المادية التي نحتاجها بجهد وذكاء شعبنا. لسنا بحاجة لأن تهدي إلينا الامبراطورية أي شيء. ستكون جهودنا شرعية وسلمية، لأن التزامنا هو السلام وأُخوَّة جميع بني البشرالذين يعيشون على هذا الكوكب.

فيديل كاسترو روس

Screen Shot 2015-08-16 at 14.44.37

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن