ذكرياتنا.. هل حدثت فعلاً؟

Surprised / shocked face expression of woman. Surprise and shock

يبدو أن تذكّرنا غير الدقيق للأحداث السابقة جزء مهم وحيوي في رواية القصص الإنسانية، كقول أحدنا: “أتذكر دائمًا الشعر الطويل المتموج الذي يتساقط عندما تميل أمي نحوي لتعطيني فرشاة الأسنان، لكنَّ شعر أمي لم يكن مجعدًا ولا طويلًا”.

وربما عانينا جميعاً ظاهرةَ الذاكرة الزائفة، ويحدث ذلك عندما نكتشف أنَّ ما نتذكره لم يكن ما حدث تمامًا، أو ربما لم يحدث قطّ. وأنا مذهول من هذا الانفصال الغريب في الطريقة التي نفكّر بها في حياتنا؛ وهذا موضوع مثير ويمثل تحديًّا كبيرًا للفنانين والكُتَّاب.

زرع الذكريات الوهمية

good_memories___by_edgarjaquez-d3cjoo9

معظم الناس يظنون أنَّ الذاكرة مثل شريط الفيديو؛ به آثار الخبرات التي يتم تخزينها واسترجاعها عند الطلب، ومع ذلك نحن نعلم أن الأمر ليس كذلك، لأنَّ علماء النفس في سبعينيات القرن الماضي درسوا ظاهرة الذاكرة الزائفة، وفي مقدمتهم عالمة النفس التجريبي الأمريكية إليزابيث لوفتس.

وعلى مرّ السنين، زرعت إليزابيث وزميلاتها، باستخدام التقنيات المتعلقة بقوة الإيحاء، عددًا كبيرًا من الذكريات الوهمية في أذهان المشاركين مثل الهواجس الشيطانية، وهجوم من الكلاب، ومقابلة باغز باني في ديزني لاند، وهذا أمر خيالي طبعًا لأن باغز باني هو شخصية ابتكرتها شركة وارنر براذرز، وفي نهاية هذه التجارب، كان العديد من المشاركين على قناعة تامة بأن هذه الذكريات حقيقية.

وكرر الباحثون في جميع أنحاء العالم هذا النموذج مئات المرات، وكانت النتيجة هي أن استدعاءنا للذكريات أكثر عُرضة للتأثيرات الخارجية، سواء كانت الأشياء التي كنا نحلم بها، أو التي شهدناها فعلاً، أو التي اكتسبناها من الأشقاء أو الآباء والأمهات ونحن في مرحلة النضج.

الشك الصحي

memories_will_never_fade_away__by_franzeyfragility

وإذا قبلنا أن استدعاءنا للذكريات يحتمل التفسيرات المختلفة وضمن أنصاف الحقائق، أمكننا إقامة علاقة خطيرة مع ماضينا.

وقد تبدو فكرة أنَّ الذاكرة عُرضة للخطأ مخيفة، ولكن ليس حتميًّا أن تكون كذلك، وهذا لا يعني إحداث ثقوب في وعينا أو إنكار كل ما عرفناه في الماضي، إنها مجرد عدسة جديدة يمكن من خلالها أن ننظر إلى الماضي، كما أنَّ بدء التعامل مع الماضي بقدر من الشك الصحي قد يكون محررًّا وشافيًا في بعض الأحيان، وبخلاف ذلك، تجعل بحوث لوفتس من السهل قبول أنك قد تكون مخطئًا بشأن شيء ما.

وهذا يعلّمنا درسًا واحدًا؛ وهو أنه من المهم أن نسأل: هل ما نتذكره قد حدث فعلًا أم لا؟، ولكن وجود ذاكرة زائفة يتطلب أيضًا النظر في الكيفية التي ننظر بها إلى المستقبل، إذ إنَّ قدرتنا على تخيل المستقبل هي أحد الأشياء التي تميّز البشر عن المخلوقات الأخرى، ولذلك ربما لو لم تكن ذاكرتنا عُرضة للتشويه، لكانت قدرتنا على تخيل المستقبل ناقصة أيضًا.

قلق محو الذاكرة

وفيما يلي اقتراح أقدمه لكم: ناقش خمس ذكريات حديثة لك مع عائلتك وأصدقائك، وتذكّر أن استدعاءهم لتلك الذكريات عُرضة للتشويه مثلك تمامًا، لأن مناقشة ذكريات شخص آخر لأحداث مرحلة الطفولة قد تغيّر ذكرياتك، وكل هذا يشكّل نسيج القصص الإنسانية: إلى أي مدى ستكون القصة مملة إذا رويناها كما حدثت تماماً؟

وعلى الرغم من كل شيء، فإنَّ ثمة حدوداً لمدى استعدادنا للتدخل في الذاكرة، فقد أرادت جيمس ماكجوه، من جامعة كاليفورنيا في ايرفين، معرفة ما إذا كانت العقاقير الطبية يمكن أن تضعف أو تقضي على الذكريات المؤلمة لمن يعانون اضطراباتِ ما بعد الصدمة، فوجدت أدلة على أن عقاقير بروبرانولول تكتم استجاباتنا العاطفية والفسيولوجية.

وأظهرت الدراسات أن معظم الناس يشعرون بالقلق بشأن أخلاقيات محو الذاكرة، كما ظهر في فيلم ” Eternal Sunshine of the Spotless Mind”، وثمة شعور أننا يمكن أن نعتز بذكرياتنا مهما كانت مؤلمة، وهي مفارقة فريدة من نوعها.

eternal-sunshine-of-the-spotless-mind-2004-28-g

المصدر: The Guardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.