عشرة أشقاء سوريين يحاربون الأسد في حلب يروون قصص الأمل والخيبة

5237

في مرحلة ما، قرر “رضا” وإخوته التسعة الذهاب إلى الحرب، ومن البيت الذي حوّلوه فيما بعد إلى قاعدة لهم في الضاحية الجنوبية بمدينة حلب، كانوا يحمّلون الشاحنة في معظم الأيام ويتجهون إلى الخطوط الأمامية خارج حدود المدينة لقتال قوات بشار الأسد.

كانت الأمور بسيطة حينئذ؛ وكان الإخوة العشرة المقاتلون يميزون بين أصدقائهم وأعدائهم بوضوح، لكن الآن، لا يبدو أن أحدًا منهم متأكد بشأن أي شيء باستثناء السبب الذي قرروا التضحية بحياتهم من أجله.

البحث عن السلاح

يقول رضا، أصغر الأشقاء وهو لاجئ حاليًا في ألمانيا: “ليس ثمة حلّ للصراع السوري، ولا أحد يريد المساعدة، وعندما بدأ القصف الروسي أصبح الأمر أكثر صعوبة من أي وقت مضى”.

في بداية عام 2013، نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية تقريرًا عن هؤلاء الإخوة، وصفتهم فيه بأنهم من أشهر المقاتلين في صفوف المعارضة المسلّحة غرب حلب، وهم واقعون في أسر أولئك الذين يحاولون إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد.

وكغيرهم من مقاتلي المعارضة في ثاني أكبر المدن السورية، كان الأشقاء ينتمون إلى الريف، قبل أن ينتقلوا إلى المدينة للمشاركة في الحرب قبل ثمانية أشهر، عندما بدأت قبضة النظام تتراخى بعد أن كانت حازمة طوال عقود من الزمان.

وكانت حلب بالنسبة لهم مدينة نائية، ومركزًا للمال والسلطة وبعيدة عن متناول فقراء الريف، لكنَّ الصراع الحالي أتاح لهم الفرصة لتغيير هذا الواقع، فغادروا مدينة سرمدا الريفية بالقرب من إدلب بحثًا عن السلاح والدعم.

وبعد وصولهم إلى حلب، التحق الأشقاء سريعًا بمجموعات المعارضة التي انتشرت في المناطق الحضرية بالمدينة، وسط مشهد غير مألوف بالنسبة لهم، ولاحظوا أنَّ الكثير من المناطق خالية من سكانها؛ الذين تركوا وراءهم أواني الطهي على المواقد والملابس معلقة على الحبال وهربوا من ويلات الحرب.

في فبراير من العام الماضي، حمل 9 من الأشقاء العشرة أسلحة خاصة بهم، وكانت الإثارة واضحة جدًا عليهم؛ فقد حصلوا على الأسلحة التي كانوا يبحثون عنها وسرعان ما أصبحوا جزءًا من مجموعات المعارضة، التي استطاعت الانتصار على قوات النظام في المدينة، ومهدت الطريق لخطوة اعتقدوا أن من شأنها إطاحة بشار الأسد ونظامه وإعادة تقويم السلطة في سورية، تتويجًا للثورة الشعبية التي بدأت في درعا عام 2011.

خيبة الأمل

AP_syria_conflict_jt_140510_22x15_1600

وبعد مرور خمس سنوات على الصراع السوري، يستمر ثلاثة من الإخوة فقط في القتال، وقد قُتل أحدهم، في حين يعمل اثنان آخران في مراكز طبية بحلب، وقرر البقية – مثل رضا – التوقف عن القتال.

يقول رضا إن خيبة الأمل تسللت إليهم تدريجيًا بسبب عدة عوامل، بدأت مع إدراكهم أن الجبهة الأمامية التي كانت تبدو هشة وغير مستقرة في بداية عام 2013، أصبحت أكثر ركودًا في نهاية العام نفسه.

ومنذ ذلك الوقت، استطاعت الجماعات الإسلامية المقاتلة التي استجمعت قوتها تدريجيًا منذ النصف الثاني من عام 2012، الانتقال إلى غرب حلب، وبدأ الأمر بجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، ثمّ بعد ذلك دخل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأضاف دخول تلك القوى المزيد من التعقيد على صراع لم يكن متعلقًا في البداية بالنزاعات الأيديولوجية والإقليمية.

يقول رضا: “لقد استطعنا تجنب تلك الجماعات، لكنَّ المشكلة الكبرى بدأت مع نهاية 2013 وبداية 2014، عندما انضم أحد المقاتلين إلى مجموعتنا، ووثقنا به، إلّا أنه كان جاسوسًا يتبع النظام السوري، وتمكن من الاستيلاء على جميع الأسلحة والأموال التي نملكها، كنا نملك 15 سلاحًا بين بنادق كلاشينكوف ورشاشات، وذهبنا إلى لواء التوحيد (الذي ينسق بين معارضي حلب)، لكنهم لم يفعلوا شيئاً، وتخلوا عنّا”.

لكنَ الأسوأ للأشقاء لم يكن قد حدث بعد، ففي عام 2014، قبضت إحدى مجموعات المعارضة على 4 من الأشقاء العشرة، ويقول رضا: “لم أكن أنا وإخوتي أنس ورأفت وأحمد بالمنزل في ذلك الوقت، لقد أخذوا ما تبقى من الأسلحة التي كنا نستخدمها لحماية أنفسنا، وحاصروا الموجودين بالداخل”.

وأضاف: “لقد أرادوا فعل شيء ما، وربما أرادوا قتلنا، لكنهم أدركوا أننا من إدلب وأن لدينا الكثير من أبناء العم الذين لن يتركوا حقنا وسيلاحقونهم، كما عرفوا أننا لسنا فاسدين، إلّا أن الطريقة الوحيدة التي كانت أمامهم لإنقاذ ماء الوجه هي محاكمتنا، واتهموا إخوتي بالانتماء إلى قوات النظام، ثمّ ألقوا بهم في السجن شهرًا قبل أن يدفعوا كفالة للخروج”.

وأردف رضا قائلًا: “لدينا الكثير من الأعداء، أقسم لك على ذلك، لقد قاتلنا بشار الأسد لأنه اقترف الكثير من الجرائم الوحشية، والآن هم يفعلون الأمر نفسه”.

وقال شقيقه رأفت، الذي بقي في حلب، إنه أيضًا فقد الأمل في أن تحقق الحرب أهدافها كما تخيلتها العائلة، وأضاف: “الأمر صعب جدًا في الوقت الحالي، خاصةً منذ تدخل الروس في سورية”.

حطام القصف

1280x960

تحولت منطقة الفردوس التي يسكنها الأشقاء إلى أطلال بعد عامين من القصف المكثّف من قبل قوات النظام في البداية، وطمست البراميل المتفجرة التي تسقطها طائرات الهليكوبتر التابعة للنظام معالم المدينة، ثمّ بعد ذلك الضربات الجوية الروسية، التي استمرت شهرًا قبيل وقف إطلاق النار الجزئي الحالي، وحوّلت المدينة إلى أنقاض ممزقة.

بالنسبة لرضا، كان قرار الرحيل سريعًا، وقال: “في إحدى الليالي، عدتُ إلى المنزل ووجدت خطابًا معلقًا على باب منزلي يحمل تهديدًا من مقاتلي القاعدة”، وتابع: “بعد ذلك أصبح الأمر أكثر جدية، فقد كان أخي رأفت هناك قبل ذلك الوقت بــ 15 دقيقة ولم يلحظ وجود أي شيء، وأخبرنا والدي بأنه فقد أنس ولا يريد أن يفقد بقيتنا، لذلك غادرت البلاد متجهًا إلى تركيا في تلك الليلة”.

وتابع رضا: “لم أقاتل معهم، وأنا بالأساس ناشط سياسي واضطررت إلى حمل السلاح بعض الوقت بغرض الحماية”.

رحلة رضا كانت طويلة؛ فقد سافر من إسطنبول إلى أحد السجون البلغارية، حتى وصوله إلى ألمانيا حيث يحاول تخفيف الضغط عن نفسه، واستقر هناك منذ ما يقرب من 18 شهرًا.

وأوضح: “مازلت أتواصل مع أفراد أسرتي في أغلب الأيام، وهم يشعرون بما أشعر به، ولا يرغبون في مزيد من المشاركة في تلك الحرب، لقد أدركنا أننا نسير في الاتجاه الخاطئ”.

مستمرون في القتال

1317

على الرغم من تقلص عددهم، مازال بعض الإخوة يقاتلون في حلب مع بعض مجموعات المعارضة الأخرى، لكنَّ الأوضاع الحالية على حدود المدينة وخارجها لا تبشر بالخير على الإطلاق؛ فمصير هذه المدينة هو الذي سيحدد نهاية الصراع في سورية.

وعلى بُعد 15 ميلًا غرب الجماعات المتبقية، تتمركز قوات “داعش”، في حين تقف مجموعات متحالفة من حزب الله والميليشيات العراقية وبعض العناصر من الجيش السوري والقوات الكردية في الشمال، وهو ما أدى إلى حصار المدينة وقطع أي طريق للهروب نحو تركيا.

وفي النهاية، قال رضا: “الجميع يقاتل من أجل سورية الآن باستثناء من حاربوا في البداية”.

المصدر: The Guardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.