هل يجب أن نقلق على السينما المصرية من “الخلطة السُبكية”؟

274562

يحاول المجتمع تبرير فشله في القيام بدوره بإلقاء المسؤولية على السينما

السبكي يغرد منفردًا بـ: راقصة + بلطجي + أغان شعبية = أعلى الإيرادات

السينما ليست منهج دراسي يلقنك درساً لتعود إلى بيتك وتفعله.. إنها حياة

مع ظهور جيل شبابي واعد يصنع أفلامه بكاميرات رقمية.. لا تقلقوا على السينما

محمود جمعة العريني - القاهرة

كثر الحديث عن أزمة السينما المصرية، لذا دعونا نلج إلى الموضوع مباشرة بطرح أهم سؤال على الإطلاق: هل الأزمة الحالية تكمن في تدني الأخلاق ورداءة المحتوى؟ أم في الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي أجبرت المُنتجين على العزوف عن ضخ أموالهم في سوق محفوف بالمخاطر، لاسيما في ظل اتهامات بأنها المسؤول الأول عن كل خطايا المجتمع!

في غرفة مظلمة ومغلقة جيداً، ذات أربعة جدران، عازلة للصوت، يتمنى أغلب الشعب المصري أن يُخبئ مشاكله ويحفظها بعيداً عن الجميع، وبعيداً عن نفسه كي لا يواجه عيوبه ومشكلاته فكرية كانت أم ثقافية أم دينية، ليظل المرء كإطار خاوٍ بلا ملامح أو هوية.

هل أفلام السبكي “زي الزفت” فعلاً؟

الناقد الفني طارق الشناوي

الناقد الفني طارق الشناوي

في حوار له ببرنامج “ممكن” على قناة “سي بي سي”، كشف الناقد الفني طارق الشناوي أن المجتمع المصري أصبح يبحث عن كبش فداء لكل الإحباطات والمشكلات التي يضج بها كالفساد والتحرش والاغتصاب والإدمان، وكبش الفداء يتمثل في الشاشة دائماً، لأن الجميع يعتقدون أن الأعمال السينمائية والدرامية هي المسؤولة عما يحدث في الواقع.

وتابع الشناوي: “علينا أن نعترف أن هناك أزمات كثيرة لا يُمكن حصرها في الإنتاج أو المحتوى أو ثقافة المتفرج وتقاعس الدولة عن مد يد العون لانتشال صناعة السينما من انهيار وشيك، فأغلب الأفلام التي تم إنتاجها في الفترة الأخيرة من إنتاج شركات السُّبكي، التي تحدت وحدها كل المعوقات، وتعاملت مع ظروف السوق بشكل عملي جداً، حتى يكاد يكون السبكي هو الوحيد الذي ينتج أفلاما بانتظام الآن في ظل تخوّف كل شركات الإنتاج الأخرى من المجازفة بأعمال لا تضمن حتى إمكانية عرضها في ظل الظروف التي تشهدها مصر”.

وتساءل الشناوي: “هل كل أفلام السبكي ذات قيمة فنية جيدة؟ بالتأكيد لا، وأيضاً لا يُمكننا القول إن كل أفلام السبكي ليست جيدة، فهناك أفلام مهمة تم إنتاجها مثل “الفرح”، و”كباريه”، و”واحد صحيح” وغيرها من النماذج الناجحة التي صُنعت بحرفية شديدة”.

تبرير الفشل المجتمعي!

egyptian film

وبعيدًا عن تقييم الشناوي، نجد أنفسنا الآن أمام نوعية واحدة من الأفلام ليست من إنتاج السبكي لكنها تحمل نفس “الخلطة السُّبكية” في صناعة فيلم يغزو أي موسم سينمائي في مصر، حيث الراقصة والبلطجي والأغاني الشعبية مع إعلان جيد للفيلم يجمع هذه التوليفة بإتقان، وبهذه الطريقة يُضمن بشكل كبير النجاح وتحقيق أعلى الإيرادات. وأتفهم جيداً أن معظم الناس منزعجون من هذه النوعية من الأفلام، لكن في النهاية لها جمهورها الذي يدفع ثمن التذكرة بكامل إرادته ليشاهدها. لا أتحدث عن العامة لكن عن الفئة البسيطة المهمشة التي تسكن العشوائيات أو ذات المستوى التعليمي المنخفض نسبياً، هؤلاء يجدون أنفسهم أبطالاً في شخصية “عبده موتة” أو “إبراهيم الأبيض” وغيرهما من النماذج التي نشاهدها ودأبت السينما المصرية على تقديمها خلال سنوات أزمتها.

وبين الواقع ومحاكاته في السينما، تكمن المشكلة والصراع الدائم، فبعيداً عن تدني مستوى التعليم والثقافة والوعي والأخلاق في الشارع المصري وكذلك التدين الظاهري الذي يغلب على معظم المجتمع، فإن الجميع يحاول أن يُبرر عجزه في تربية جيل مثقف وواعٍ باتهامه لسينما السبكي وغيرها بإفساد هذا الجيل وتنشئته على مفاهيم خاطئة، وكأنهم ينتظرون أن تُربي السينما أبناءهم!

فيديو: محامٍ يقوم برفع دعوى قضائية على السبكى بسبب فيديو رقص طفلة بالسنجة

 

لا أحد يأخذ السينما على محمل الجد

في المقابل، تبرر جهات رسمية كغرفة صناعة السينما عزوف شركات الإنتاج السينمائي بعدة أسباب، منها قرصنة الأفلام والبيروقراطية في منح تصاريح التصوير وتنظيم العملية الرقابية، لكنها لا تفعل شيئاً ولا تقدم للصناعة أي نوع من أنواع الدعم، لذا من الطبيعي أن تنهار صناعة السينما في مصر، فلن يقدم مستثمر على دفع مبالغ ضخمة في إنتاج فيلم، وهو على يقين أنه في خلال 24 ساعة من عرضه سينمائيًا سيكون متاحًا على شبكة الإنترنت بدون قانون أو عقاب فعال يحمي حقوق ملكيته الفكرية، إضافة إلى صعوبة الحصول على تصاريح تصوير في الشوارع، أو في المؤسسات الرسمية، وفي النهاية لا يجد المنتج أمامه سوى العقبات، ولذلك يبتعد ويرفض المغامرة.. حتى فرص التصوير الضئيلة التي تأتي إلى مصر من دول أجنبية يتعامل معها المسؤولون بلا مبالاة وعدم اهتمام شديدين، متجاهلين ما يمكن أن تحدثه من انتعاشة في كثير من القطاعات المرتبطة بصناعة السينما، لكن يبدو أن المسؤولين لا يهتمون بمثل هذه التفاهات، ولا بالسينما كلها.

كيف نشاهد الأفلام؟

f25478789d2cb98ec3727c679b5b752e_123872546_147

ومع استمرار الأزمة يطرح البعض مفهوم السينما النظيفة، فحينما تجتمع الأسرة لمشاهدة فيلم تم إنتاجه مؤخراً، تسمع أذناك دائماً مقارنة بين سينما زمان وطرب زمان من جهة وسينما وطرب اليوم من جهة أخرى، وأن الجيل السينمائي الحالي فاشل، ولا يُقدِّر الفن، وأن كل ما يشغله بعض الإيحاءات الجنسية والقصص الضعيفة التي تأتي له بالإيرادات، لكن مع مقارنة ذلك بمشاهدة فيلم أبيض وأسود، تجد التركيز والتوحد، حيث تُستثنى القُبلة التي يطبعها البطل على شفاه حبيبته في صدق يؤكد مشاعره، لندرك بيقين تام أنه يحبها ولا أحد يشغل باله بمايوه أو ضحكة أو رقصة معينة.

لكن ما هي السينما النظيفة؟ وهل مفهومها عند البعض هو عدم وجود قُبلات ومشاهد ساخنة؟ حقيقة لا أعرف، كل ما أعرفه أن الفيلم المصنوع بشكل جيد هو ما يعجبني ويجذب انتباهي.

يتوقع معظم الناس عادة هدفاً ما من الأفلام ويتساءلون ما رسالة هذا الفيلم؟ وبماذا ينفع البشرية؟ ما الذي يريد الصُّناع قوله؟ أريد أن أذكر لهم أن السينما أعظم وأعمق بكثير من أن تترقب وتبحث لها عن رسالة فقط، نجد في الفيلم دائماً (بداية – وسط – نهاية)، تسلسل يُحاكي مسار حياتك بمنتهي الدقة (ولادة – حياة – موت) لكن في الحياة دائماً الموت هو النهاية، على عكس السينما حيث توجد نهايات كثيرة كالموت أو غيره. باختصار شديد السينما تمنحك الفرصة التي لن تنالها أبداً من الحياة، فرصة رؤية النهايات وتأملها جيداً.

السينما عالم آخر تدخله بكامل إرادتك لتعيش تجربة إنسانية مُختلفة مع شخصيات أخرى لا تعرفها لتُثري عالمك المحدود وحواسك وأفكارك. ربما تجد الرسالة في جملة حوارية، أو من خلال تعاطفك مع البطل، أو كُرهك له ولطباعه، وربما تجد نفسك أنت البطل وهذه أعظم رسالة، وقد تحلم معه في كوكب آخر وتُقيّم أفعاله، أو تضحك وتبكي مع الشخصيات كأنها أنت، فالسينما ليست منهجاً دراسياً سُيلقنك درساً لتعود إلي بيتك وتفعله، السينما حياة، والحياة تساؤل.

لا داعي للقلق على السينما

cinema theatre

 

وأخيراً. السينما صناعة بشرية، والبشر مُختلفون، ولكل منهم تجربته التي قرر أن يكتبها ويشاركها معك، فلا تُصر على أن يُنهي لك تجربته بنصيحة لأنك تكره من ينصحك أو يوجهك، لكنك تستمع لمن يحكي لك شيئاً، لذا اترك الحكاية تُحكى كما يشاء راويها، وكل ما عليك الآن هو أن تقرر بدء رحلة سينمائية جديدة برؤية مختلفة، اترك قدمك تسير إلى أقرب دار عرض، واحصل على تذكرة دخول لأي فيلم، واترك كل مشاهده وصوره تقتحمك، استمع لشخصياته جيداً وتذوّق كل شيء، اجعل روحك تجول مع الموسيقى في القاعة وتُحلق بعيداً عن مقعدك، لا تشغل بالك بالعودة، فالمهم الآن أن ترحل بعيداً، بعيداً جداً عن هنا.

وعن أزمة السينما في مصر، لا داعي للقلق، فهناك جيل واعد من الشباب يُشاهد عدداً كبيراً من الأفلام يومياً بفضل الإنترنت، ويصنع أفلاماً بكاميرات رقمية ولا يحتاج إلى الدولة في أي شيء ليصنع ذاته برؤية جديدة.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن