عالسريع: ما الذي تقلص من صلاحيات “الأمر بالمعروف”؟ وما هي تبعات ذلك؟

o-11-facebook

اشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي على إثر قرار مجلس الوزراء السعودي بتنظيم عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاء هذا القرار صادماً للجميع من مؤيدين ومعارضين.

أتى القرار المفاجيء ليشذب، بشكل واضح لا مجال فيه للتأويل، الأجنحة التنفيذية للهيئة، وهي الأجنحة التي كانت تمارس الهيئة أعمالها من خلالها والتي تسببت بالعديد من المشكلات والإحراجات الدولية للمملكة من خلال إعتداء اعضائها على بعض السعوديين  والأجانب على حد سواء.

تقليص الاختصاصات والصلاحيات

طالما تمتعت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسلطة كبيرة في السعودية، حيث يجوب أعضاءها الشوارع للتأكد من التزام الجميع بالزي الإسلامي وبفصل الرجال عن النساء والتأكد من إغلاق المحال أثناء الصلاة وأداء الجميع للصلوات في مواعيدها. وقد أثارت الهيئة الكثير من الجدل طوال تاريخها على المستويين المحلي والدولي، وقد ساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة بتسليط الضوء على ما تقوم به الهيئة من انتهاكات لخصوصيات الأفراد أو التضييق على حرياتهم في إطار اختصاصاتها.

حملت المواد 5 و6 و7 من القرار أهم بنوده، والتي حددت مواصفات العاملين في الهيئة وحدّت من اختصاصاتها وسلطاتها. إذ نصت المادة الخامسة على أن تتوفر في أعضاء الهيئة الصفات التالية:

“1 – أن يكون من ذوي المؤهلات العلمية ، التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا التنظيم.

2 – أن يكون مؤهلاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3 – أن يكون حسن السيرة والسلوك المشهود لهم بحسن السمعة.

4 – ألا يكون قد سبق أن صدر في حقه حكم بحد شرعي أو بالسجن لمدة تزيد على سنة أو أدين في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة.”

وهو ما يعالج انتقادات عديدة تثار حول الهيئة، إذ يشير الناشط الحقوقي د. أسعد البراك لموقع “العربي الجديد” إلى توظيف الهيئة أشخاصاً من أصحاب السوابق التائبين مما شوه صورتها وأضعف ثقة الناس بها، كما أشار تقرير نشرته صحيفة “عكاظ” في يناير 2015 إلى فشل 70 بالمئة من منتسبي هيئة الأمر بالمعروف في تجاوز اختبار الدبلوم الذي تقيمه الهيئة لأعضائها.

كما حدد القرار في مادته السادسة صلاحيات الهيئة في مسألة الدعوة ومحاربة المخدرات فقط، مع التركيز على أسلوب الدعوة “باللين”، وذلك بعد أن كانت الهيئة تتدخل في سلوكيات المواطنين والمقيمين في حوادث وصلت إلى حد التعدي والضرب، وكان لافتاً تشديد المادة على ضرورة الدعوة “باللين” إذ نصت على:

تختص الهيئة وفقاً لهذا التنظيم بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إليه بالرفق واللين، مقتدية في ذلك بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين من بعده مع استهداف المقاصد الشرعية، والإسهام مع الجهات المختصة في مكافحة المخدرات وبيان أضرارها على الأسرة والمجتمع.

3338

وفي مادتها السابعة حدت المادة من السلطات الواسعة التي كانت للهيئة في الضبط والمطاردة والإيقاف والاستجواب والتثبت والتحقيق والقبض، وذلك على عكس ما كان سابقاً من حرية مطلقة لها في هذه المجالات، إذ سمح القرار لها فقط إبلاغ السلطات المختصة (وهي الشرطة أو الإدارة العامة لمكافحة المخدرات) حول ما تراه من “شبهات”، وهو ما أشعل ردود الفعل عليه إذ شكل مفاجأة للجميع، ونصّت المادة السابعة على:

“1 – تتولى الهيئة تقديم البلاغات في شأن ما يظهر لها من مخالفات أثناء مزاولتها لاختصاصها المنصوص عليه في المادة (السادسة) من هذا التنظيم بمذكرات إبلاغ رسمية إلى الشرطة أو الإدارة العامة لمكافحة المخدرات / بحسب الاختصاص / وهما وحدهما الجهتان المختصتان / بموجب الأحكام المقررة نظاماً / بجميع الإجراءات اللاحقة لتلك البلاغات بما في ذلك إجراءات الضبط الجنائي والإداري والتحفظ والمتابعة والمطاردة والايقاف والاستجواب والتثبت من الهوية والتحقيق والقبض في أي بلاغ ذي صلة باختصاص الهيئة.

2 – يباشر أعضاء الهيئة الاختصاص المنصوص عليه في المادة ( السادسة ) من هذا التنظيم في الأسواق والشوارع والأماكن العامة ، وذلك خلال ساعات عملهم الرسمي المرتبة والمجدولة بشكل رسمي من قبل إدارة كل مركز. وليس لرؤساء المراكز أو أعضاء الهيئة إيقاف الأشخاص أو التحفظ عليهم أو مطاردتهم أو طلب وثائقهم أو التثبت من هوياتهم أو متابعتهم والتي تعد من اختصاص الشرطة والإدارة العامة لمكافحة المخدرات وفقاً للفقرة (واحد) من هذه المادة.”

ردود الفعل ومستقبل الهيئة

8358584584

سحب القانون كافة الاختصاصات التي كانت لدى الهيئة وجعلت دورها دوراً توعوياً واستشارياً مساعداً لعمل الدولة، وهو ما حدا بأستاذ الإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور صالح الربيعان ‏أن يكتب:

“بعد تنظيم عمل الهيئة أصبحت جهازا لا حاجة له، فوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد تتولى المهام التي حددها نظام الهيئة الجديد”، مشيراً إلى أن مايسمى “تنظيم الهيئة” ما هو إلا تعليق للهيئة وقتل لها.

ويتمحور الجدل الدائر بعد صدور القرار حول أمر مهم وهو حرية الأفراد وأخلاقياتهم، فهناك من يرى أن الهيئة هي حامي حريات الأفراد خاصة النساء اللاتي يتعرضن للتحرشات في شوارع المملكة ولا سبيل لحمايتهم إلا بوجود هيئة تصد هذه التصرفات من بعض المخلين بالآداب والمتحرشين، كما أنهم يرون أن عدم وجود جهاز رسمي يحمي الفضيلة العامة في الدولة بمثابة خطوة شيطانية نحو فتح الفرصة للانحلال الأخلاقي في المملكة حيث لا وجود لضابط له مما ينبئ بانتشار الفساد والرذيلة، وذهب بعض المتدينين على وسائل التواصل الاجتماعي ممن أزعجهم القرار إلى حد وصف هذه الخطوة بأنها “بوابة لانتشار اللقطاء”.

Image-3

أما المؤيدين للقرار على وسائل التواصل الاجتماعي فقد عمت بينهم أجواء فرحة بسبب تقليص صلاحيات الهيئة، فوصفوها على أنها خطوة كبير نحو الحرية في السعودية، ووصفها الكاتب أحمد ابو دهمان بانها يوم وطني جديد.

Image2

وبعد هيمنة دينية استمرت لسنوات جراء تقارب رجال الدين مع السلطة الحاكمة في المملكة، أنتجت نظاماً يعد من أكثر الأنظمة المتشددة دينياً في العالم، تأتي التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين السلطة والسلفية الوهابية في السعودية، إذ شكلت السنوات الماضية ومع تصاعد الإرهاب الإسلامي تحدياً للمملكة التي باتت تعاني من آثار التعصب على هيئة أعمال إرهابية ومشاركة مواطنين سعوديين في القتال مع “داعش” في سوريا والعراق، ولعل ما يغذي ذلك هو بعض عوامل التيار الديني في المملكة والمناهج الدراسية، إلا أن الخطوة التي أقدم عليها مجلس الوزراء قد تغير من هوية المملكة في المستقبل إلى مجتمع أكثر تقبلاً وانفتاحاً وتسامحاً. لا شك أن القرار سيستمر في حصد المؤيدين والمعارضين، لكن مما لا شك فيه هو أن هناك العديد من الناس ممن عانوا من تسلط الهيئة وتدخلهم في شؤونهم،  وليست حادثة ضرب المواطن البريطاني من قبل رجل هيئة بحادثة فردية فقد تعرض الكثيرون لمثل هذه الحوادث منها ما اثارها الرأي العام ومنها ما تحدث عنها أصحابها بعد صدور القرار لخوفهم من إفشائها في وقت كان للهيئة قوة تنفيذية و إجرائية.

Image-1

فهل فعلاً يؤثر هذا القرار في تحقيق المزيد من الحريات الفردية في السعودية، كما هو الوضع في سائر البلدان حولها؟ وهل يأتي هذا القرار ضمن سياق توجهات جديدة للدولة تنعكس على سياستها الخارجية كذلك ومساهمتها في نشر الدعوة السلفية في الخارج؟ أم أنه مجرد إجراء لتخفيف حدة الاحتقان وامتصاص غضب الناس على بعض تصرفات الهيئة بينما لن يتغير الوضع كثيراً على أرض الواقع؟

من المرجح أن يكون لكل فريق من المؤيدين والمعارضين إجابة مختلفة، بينما سيكشف الزمن في الأسابيع والشهور والسنوات القادمة حقيقة ذلك.

الهيئة-016