الجمال صنيعة الحب: مجتمعاتنا الأقل حباً والأكثر خيبة

dff

أسيل عبدالحميد أمين - الكويت

نعم، نحن المجتمعات المتراكمة في أعماقها أكوام الغضب والسخط والكراهية تجاه كل مختلف وجديد، نحن المجتمعات التي تمتنع عن فتح أبواب التفكير وتوصد نوافذ عقولها وقلوبها ولا تسمح لهواء نقي بالدخول ليجدد جواً راكداً وممتلئاً بالغبار، في الواقع يحدث ذلك لأننا مجتمعات أقل حباً وقبولاً لنفسها أولاً، لأننا مجتمعات تتمسك بتلابيب ماض عتيق بكل أسماله وإرثه الألق والرث على السواء، لأننا مجتمعات تتوه في أزقة الأوهام التي لا ظل لها، وتقبل بالرزوح تحت وطأة الاستعباد الفكري والانضغاط داخل إطار المجموعة، لأننا مجتمعات ترضخ طوعاً للعيش في صندوق الجدّات الراحلات بين طيات الأشياء القديمة والأحلام التي لا تصير إلى واقع ولا تصلح للحياة في يومنا هذا، فتنسى تماماً أن خارج هذه الغرفة المعتمة القابعة فيها يوجد شمس وغيم وأجمة، تترك ثوب الحاضر ينسلّ من بين أيديها لتركن بذلك المستقبل متخشب الأوصال على رف الغفلة والنسيان عارياً في شتاء بارد وقارس.

ماذا لو تفتح مجتمعاتنا أقفاص صدورها وتطلق عصافير الحب في سماء هذا العالم الشاسعة؟.. أن تنتف ريش الغربان عن أجنحتها الكسيرة وبحب الحياة والقبول والتقبل تضمدها وتجبرها؟.. أن تتوقف عن الاقتتات على جيف الأفكار الميتة منذ سنين؟.. وأن نتوقف نحن أفرادها عن الحملقة في زاوية واحدة من غرفتها الحجرية الرطبة والمعتمة؟.. ليس مهماً الاستدارة للإمعان بالنظر في زواياها الأربع، بل الخروج إلى المروج والحقول الخضراء الفسيحة، وأن ندرك أننا كمجتمعات لسنا وحدنا في هذا العالم، أن نعي أن الانغلاق بكل أشكاله وصوره لا يؤدي إلا إلى اختناق يفضي إلى موت!

فها نحن نتناقص تدريجياً، نموت اختناقاً بعد أن أوصدنا أبواب عقولنا وغلفنا رؤوسنا بأكياس الكراهية البلاستيكية. وبعد أن أمعنا في تفريغ رئات مجتمعاتنا من الأكسجين النقي نشهق ناحبين على الموت اختناقاً، ثم نطلق رصاص اتهاماتنا لكل من حولنا بسبب جرائم موتاتنا المتكررة والتي ارتكبناها نحن بحق أنفسنا.

في الحقيقة نحن مجتمعات بارعة في تعليق خيباتها على الشماعة الأكذوبة وهي كره العالم قاطبة لنا، ذلك لأننا عاجزون عن رؤية كم الكراهية المتراكم في أعماقنا. ليس من مؤامرات تحاك لنا وما من فخاخ تنصب حولنا، بل هو النجاح الذي لا يفسر ضداً للفشل بل رديفه، هناك آخرون ناجحون لأننا الفاشلون في هذا العالم، ولأننا أقل واقعية.. وأقل تفكيراً وتجديداً للهواء الذي فسد وظل ماكثاً في رئاتنا، تاركين بذلك الأفكار التي عطبت عناكبا تنسج بيوتها في عقولنا.

نعم، نحن المجتمعات الأقل حباً.. والأكثر خيبة في هذا العالم !

* سبق نشرها في القبس الكويتية

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.