كيف ترافق تطوّر عقل الإنسان مع تطوّر فكّه ونظامه الغذائي؟

B2WN3T Skull of the skeleton known as Turkana Boy, Nairobi National Museum, Kenya. The boy was 12 years old when he died. He was a Homo

في عام 2009، نشر ريتشارد رانغام، عالم الأنثروبولوجيا بجامعة هارفارد، أطروحة مثيرة للاهتمام، حاول فيها الإجابة على السؤال الذي حيّر العاملين في مجال تخصصه: كيف تطور العقل البشري، هذا العضو الذي يحتاج إلى طاقة كبيرة ومكلفة للحفاظ عليه؟

قبل أطروحة الدكتور رانغام، كانت الإجابة التقليدية هي أن العقل البشري تطور بفضل أكل اللحوم، أما الأدلة الأثرية فإنها لا تشير إلى وجود علامات لآلات حادة على عظام الحيوانات، مما يبين أنَّ أسلاف البشرية (الأسترالوبيثيكوس) كانوا في غالبيتهم نباتيين، وعلى النقيض منهم أتى الإنسان المنتصب، أول نسل بشري واسع الانتشار، ليتناول اللحوم على نطاق واسع، لأنها المصدر الأكثر احتواءً على السعرات الحرارية من معظم المواد النباتية، وبالتالي توفر التغذية اللازمة للدماغ.

كيف غير الطهي تطور الإنسان؟

ومع ذلك، كان للدكتور رانغام إجابة مختلفة: “الطهي”، لقد أوضح أنَّ سهولة الهضم والقيمة الغذائية الإضافية التي تتوفر من خلال تعريض المواد الغذائية للنار (التي تغيّر جزيئات النشا والبروتين بطرق تجعل من السهل هضمها)، مما يعزز قيمتها الحرارية بدرجة كافية لتناول معتدل يوميًا وإمداد الدماغ والجسم بالطاقة، لدرجة أن البشر المعاصرين الذين يحاولون أن يعيشوا فقط على المواد الغذائية الطازجة غير المطهية يواجهون صعوبة كبيرة في التمتع بتغذية جيدة، وعلاوة على ذلك، فإنَّ التليين الذي يأتي مع الطهي يمكن أن يفسّر هذا الاتجاه التطوري الثاني، نحو أسنان صغيرة وفكين أقل قوة.

متى بدأ الإنسان المنتصب في الطهي، هو أمر مثير للجدل؛ حيث يعود أقدم دليل قاطع إلى ما قبل 500 ألف سنة، على الرغم من أن الأجناس البشرية تطورت منذ 1.9 مليون سنة، ولكن أطروحة رانغام لا تعتمد فقط على بداية طهي الإنسان للطعام، بل تشمل أيضًا إعداد الطعام باستخدام أدوات لتقطيع أو دق اللحوم والخضروات، وهذا يفترض أن يجعلها أسهل في الهضم والمضغ، وقد يفسّر ذلك انخفاض حجم الفك والأسنان.

وهناك ورقة بحثية نُشرت في مجلة “نيتشر” قبل أسابيع للباحثة كاثرين زنك والباحث دانيال ليبرمان، وهما من زملاء الدكتور رانغام في جامعة هارفارد، تذكر بعض الأدلة التي تتعلق بهذه المسألة، لا سيما المضغ، حيث تستخدم الدكتورة كاثرين زنك والدكتور ليبرمان نسخ طبق الأصل من الأدوات الحجرية التي كانت متاحة للإنسان المنتصب لطهي الطعام، والنظر إلى نتائج ذلك على أولئك الذين حاولوا مضغ الطعام الناتج عن هذه العملية.

وقد وجدت الدكتورة زنك والدكتور ليبرمان، تمشيًا مع أطروحة الدكتور رانغام الأصلية، أن مضغ الخضروات واللحوم المطبوخة يتطلب قوة أقل من مضغ كمية مساوية من الخضروات الطازجة غير المطبوخة، وقد خلص الباحثان إلى أن اتباع نظام غذائي من تقطيع ثلث اللحم إلى شرائح وطحن ثلثي الخضروات، وهو الاستهلاك المتوقع للإنسان المنتصب حتى في حالة عدم وجود النار، إذ كان يحتاج إلى جهد في المضغ أقل27٪ من النظام الغذائي الذي يعتمد على الخضروات غير المطحونة فقط.

بالتأكيد هذا يمكن أن يفسّر تقلص حجم الفكين والأسنان الذي اعترى الإنسان المنتصب ترافقاً مع تطور عقل الإنسان وتغيّر طريقة استهلاكه للطعام، أما فيما يتعلق بنتائج ذلك على الجهاز الهضمي، فهذا يبقى مجالًا لمزيد من البحث في المستقبل.

cook1 ancient

المصدر: Economist