موت اللغة: ما هي اللغة؟ وكيف تنتهي؟

communication-group-1940x900_35361


عبدالله عيسى
– الكويت

ما اللغة؟

اللغة إشارات أو رموز و أصوات أو جميع ذلك يتواصل بها وتواطأ عليها جمع من الناس. و إن يكن التعريف يصدق على الرسم و الإشاراة و الأصوات، فإنا هنا نحد اللغة بمفهومها الأشهر: أصوات يعبرعنها برموز وضعت لمعنى و اتفق عليها مجتمع ليخرج من ذلك التعريف لغة الأشارة واللغات غير المنطوقة.

فإن توافقنا على أن اللغة أداة تواصل، فالأجدى بما وضع لغير واحد أن تكون أطراف اتصاله أعم و أشمل، و هل يتأتى ذلك إلا بأقل عدد من جنس أداة التواصل؟

 فعلام كل هذا الفزع إن فنت لغة أو نسيت أخرى؟

يجيب عن ذلك ديفِد كرِستَل في كتابه موت اللغة Language Death فيجمع علل الخوف من موت اللغة بخمس حجج. أما الحجة الأولى فالحاجة للتعدد منال في ذاتها و مطلب. ألا ترى أن المعنى المجرد قد يظهر بصور مختلفة بلغات متباينة لتعكس في مجموعها المعنى المجرد في أقرب صورة؟ وهي في تنوعها تظهر التبسيط تارة و التعقيد تارة كالتنوع الحيوي، جدلية تقدح الذهن و تستحيي الخيال.

أما الحجة الثانية فهي أن اللغة هوية. فلكي يتصل المرء بسواه، لابد أن يتفق هو و الآخر على أصل معرفي هو ذلك المحقون في لغة ما، و يرى أيما مرأى في مجازاتها وأمثالها كما بينت ذلك دراسات تظرية المجاز المعرفي عن لاكوف وجونسن في ثمانينيات القرن العشرين.

Vector businessman online communicatiion connection business

و الحجة الثالثة التي يسوقها كرستل هي حفظ اللغة تاريخاً قد لا يعرف إلا بها. فكما تعكس اللغة هوية قومها و بناء عقلهم المعرفي، تحفظ تاريخهم بصور مختلفة سواء برموزها وسبب اختيارها، كما سنرى لاحقاً باللغة السوغديانية، أو بأمثالها فيكون ذلك بأٌقل حجب وأسرع للباصرة والبصيرة.

خصوصة اللغة المتمايزة قد تسهم في المعرفة الإنسانية حتى في مباحث العلوم الأخرى. و انظر إلى ما ساق كرستل عن إيفان من أن إحدى لغات أستراليا اصطلح فيها على اسم نبت هو أدق تعريفاً مما سكه العلماء في الستينيات أولاً. فلما فهموا ما كان من نلك اللغة الأصلية انضاف إلى علمهم ما لم يكونوا يعلمون. فكانت رابع الحجج.

أما خامستها فهي أن في ذاتها تثير اهتمام الباحث عن التنوع و فهم العقل البشري. انظر إلى لغة نوغوبويو الأسترالية، فبضمير مخاطب واحد تفرق به بين الذكرين و الأنثيين، بما نستعمل له “نحن”. بل في لغة توك بيسين تدرك بالضمير إذا وعى المتكلم المخاطب للجماعة أو استثناه. وصوتياً، بتنوع اللغات بلغتنا أصوات نقرية لم نكن لنتصور استطاعة الجهاز الصوتي البشري اختراعها كما في بعض لغات جنوب أفريقيا.

فإن كان ذلك كذلك، فما يميتها؟

midieval

الإجابة عن هذا السؤال تنقسم لاعتبار زمني. فقديماً كان الغزو العسكري و الفتوحات العامل الأكبر في موت اللغة. فالملوك إما دخلوا بلداً أنزلوا فيها كل ما يعرفهم حتى يلقوا عليها سلطانهم لتنفك عن السكان الأصليين كل رابطة لهم مخصوصة بثقافتهم وارتباطهم بوطنهم. كما كان في الفتوحات العربية الإسلامية في شمال إفريقية، وإن وجد استثناء لذلك كما هو الحال في فارس وما يليها.

أما حديثاً فسلطة الاقتصاد ألزمت الأمم الضعيفة التخلي عن جوانب من ثقافتها وما اللغة إلا إحداها. وإن كان للاقتصاد قوة غاصبة، فللإعلام والبهرجة قوة ناعمة تحدو بالأمم إلى التشبه بالمثل الإعلامية بكل صورها و من تلك اللغة، حتى تضعف فتموت.

و لكن ما موت اللغة؟

اللغة الميتة هي التي فقدت متحدثيها الطبيعيين. و يكون ذلك بموت المتحدث قبل الأخير، فلا يجد الأخير من يخاطبه بها، أو بموت الأخير بحسب بعض التعريفات. فحتى إن كانت تلك اللغة لغة مناسبات دينية مثلاً كاللاتينية، فهي مازالت ميتة باعتبار الشرط السابق.

هل من مثال؟

اللاتينية

أشهر أمثلة اللغات الميتة التي إن يتحدث بها اليوم في عدة محافل، بل هي لغة رسمية لدولة الفاتكان، إلا أنها ماتت بانقراض تواجدها في الحياة الطبيعية. و برغم الدراسات و محاولات إحياء منطقها، فإن علماء اللغة يشككون بالنظام الصوتي المعتمد لنطقها اليوم. كانت اللاتينية لغة الدولة الرومانية و ما تحتها من البقاع. و استمرت على هذه الحال حتى سقطت الإمبراطورية الرومانية و تفرقت فتعززت اللهجات المختلفة لتحل محل اللغة شيئاً فشيئاً لتموت أخيراً في القرن السادس عشر.

الأكدية

Cuneiform_script

كانت لغة الشرق الأوسط المسيطرة منذ القرن ٢٤ قبل الميلاد حتى القرن ٩ قبل الميلاد. بل إنها لغة المراسلات الدبلوماسية بين الأمم آنئذ بين حضارات ما بين النهرين و مصر و الحثيين و عيلام . كتبت الأكدية بالخط المسماري، و هذا الذي سهل على الكتابة الآرامية غزوها حتى غزتها الآرامية بشتى أشكالها و قد يعود ذلك إلى أن كليهما من المجموعة السامية. و برغم موتها، ظلت الأكدية تنقش على المنصات التذكارية ٣٠٠ سنة بعد فنائها.

و ضاعت الأكدية تماماً منذ القرن التاسع حتى القرن التاسع عشر حين اكتشف هنكس و راولسن مكتبة آشور بانيبال التي تحوي كتباّ مدرسية ساعدت على فهم اللغة الأكدية. و بذلك استطاع العالم التعرف على ملحمة غلغامش العظيمة.

تشبتشا

sogamoso-arch-huts

في كولومبيا كان لغة حضارات حتى أفنتها أيدي الغزاة الإسبان على يد خيميس دي كويسادا عام ١٥٣٦م. برغم ذلك ظلت تدرس لغة تشبتشا في المراكز العلمية مما حافظ على نحوها. و في عام ١٥٧٧م أرسل البطريرك بوغوتا للملك يهاجم فيه هذا التنوع اللغوي الذي يأثر برأيه على فهم الدين، فحظرت اللغة. و يأرخ موتها تماماً في حوالي ١٧٧٠م.

سوغديان

ancient language manuscript

لغة تسيدت طريق الحرير. هي أقرب إلى الفارسية لكنها كتبت بأربع نظم كتابية باعتبار دين متحدثيها. فكان الخط الآرامي- وهو الأعم لسهولته – للمسيحين، و البراهمي للهندوس، و المانوي للمانيين، و الوغدياني للبوذيين. و قضي على السوغديانية بالغزوات فتناهبتها الفارسية و العربية و الهندية و الصينية و المغولية.

الماساشوتيستية

wampanoag

قبل اكتشاف أميركا كانت اللغة المتحدث بها في ما  يسمى اليوم بوسطن و ما حولها. و قد درسها و درَسها القس جون إليوت بل و وعظ بها في عام ١٦٤٦م. و في عام ١٦٦٣م ترجم الكتاب المقدس و عام ١٦٦٦ كتب كتاباً نحوياُ يشرح به نحو اللغة الماساشوتستية. إلا أن حرب الملك فيليب ١٦٧٥-١٦٧٦م أفنت جل متحدثيها فبدأت بالاضمحلال حتى فنت في القرن التاسع عشر.

أوبيخ

TevfikE_82

في ٧ أكتوبر ١٩٩٢ مات توفيق اسنيتش آخر متحدث بهذه اللغة فماتت معه. كانت أوبيخ لغة يتحدث بها في سوتشي على البحر الأسود. بعد قرن من الحروب غزت روسيا القيصرية سوتشي في ١٨٦٤ فنزح خمسون ألفاً إلى الدولة العثمانية. و تلاشت هناك لغتهم حتى لم يبق إلا اسنيتش متحدثاً بها وانقضت به. ما يميزها أن فيها ٨٣ حرفاً صامتاً و حرفين صائتين فقط.

يبقى السؤال هل يمكن أن نحيي لغة ماتت؟

أوضح مثال على ذلك العبرية. فقد كانت لغة ميتة حتى قيام إسرائيل، حيث قام علماء اللغة العبرية بإعادة بنائها و نشرها لغة حياة يومية. و إن كانت العبرية الحديثة ذات اختلاف عن العبرية القديمة متأثرة بلغات اليهود المهاجرين لا سيما اليدِش، إلا أنها أعيد بناؤها على أصولها القديمة فاعتبر ذلك بعثاً من الأجداث.

و لذلك حكاية يطول بها الحديث.

old arabic writing caligraphy

مراجع:

Austin. K peter, 1000 Languages: The Worldwide History of Living and Lost Tongue, (London: Thames and Hudson, 2008).

Crystal. David, Language Death, (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن

There are 3 comments

  1. فهد الفاضل

    موضوع جميل لكن الكاتب لديه مشكلة في اللغة للأسف… يقوم باختيار كلمات خارجة عن العادة مما يبعد القارئ عن المغزى والهدف… ولديه مشكلة واضحة في الهمزة وغيرها حيث إن في فقرة واحدة أخطأ مرتين وأحدهما كانت كلمة يؤثر وكتبها “يأثر”

    Like

  2. طالب علم

    الموقع غني بالمعلومات المفيده بس لو تربط الموقع بالفيس بوك عشان نقدر نتابع المعلومات اول باول لان في وايد مواقع علميه مربوطه بالفيس بوك وله متابعين

    Like

  3. سمية بوحمامة

    جميل جدا .. لغة راقية جدا “قد يصعب فهمها أحيانا من قبل العامة”. أتفق معك فيما ذكرته.. موجز و معبر
    ماذا عن وضع اللغة العربية في الوقت الراهن ؟ هل ستموت كما توقع العديد من المستشرقين؟ نعلم جميعا أنها لن تندثر أبدا و ستبقى لغة حية

    Like

Comments are closed.