الصراع الطائفي في المنطقة: كيف يعيش السنة في إيران؟

حصار واضطهاد للأقلية السُنة في إيران

على الرغم من أنَّ السُنة يشكّلون الغالبية العظمى من المسلمين في جميع أنحاء العالم، لكنهم يرون إنهم أقلية مضطهدة في أكبر بلد شيعي بالمنطقة، فما حقيقة ذلك؟

أثار إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية اهتمامًا جديدًا بالحالة الغامضة وغير المستقرة للشيعة في المملكة العربية السعودية، ولكن ماذا عن السُنة في إيران؟ فمثلما تعتبر المملكة العربية السعودية مرادفًا للسُنة الوهابية، فإنَّ إيران هي أكبر بلد شيعي في العالم؛ فهي المركز الديموغرافي لأبناء هذه الطائفة ويحكمها نظام إسلامي ذو مرجعية شيعية، ومع ذلك، فإنَّ حوالي 9 بالمئة من سكّان إيران هم من السُنة.

الصراع السعودي – الإيراني

Mideast Bahrain Saudi Arabia

تتواصل حدّة الصراعات المتزايدة بين المملكة العربية السعودية وإيران في التصاعد، وأتى إعدام النمر مطلع العام الجاري ليزيد إشعالها. وبالرغم من رؤية البعض أنَّ هذا يُعدّ أحدث تصعيد للعنف في معركة عمرها 1400 بين السُنة والشيعة، إلاّ أنَّ القضية الأكثر إقناعًا، كما يشير مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، هي أن المعركة في الواقع هي بين اثنين من القوى الإقليمية المتنافسة يتم خلالها استغلال الخلافات الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية، فقد كتب لينش:

“إنَّ التلاعب المشين بسياسة الهويّات من قِبل الأنظمة التي تسعى إلى تعزيز المصالح السياسية الداخلية والخارجية أدى إلى اشتعال الطائفية اليوم، ولكن هذا كله بسبب السياسة”.

وبغض النظر عن الأسباب، يضع التوتر المزيد من الضغوط على طوائف الأقلية في كل بلد.

في البداية، لنأخذ لمحة عن تاريخ إيران: كيف أصبحت إيران دولة شيعية؟

حتى القرن السادس عشر، كانت بلاد فارس أغلبية سُنية، وفي مطلع ذلك القرن، غزت السلالة الصفوية أجزاء كثيرة مما أصبحت الآن تُعرف بدولة إيران، وجعلت من المذهب الشيعي المذهب الرسمي للبلاد، وقد صاحب هذا التحوّل حملة واسعة النطاق ضد السُنة، حتى أنه مع مرور الوقت أصبح الكثير من السكّان شيعة، واليوم، أصبح معظم أهل السُنة من الأقليات العرقية — العرب والتركمان والأكراد والبلوش — لا من الفرس، وهذا ما يجعل من الصعب فصل التمييز على أساس الدين عن التمييز العِرقي، وذلك وفقًا لوزارة الخارجية الأمريكية، حيث يعيش العديد من هؤلاء السُنة في مناطق نائية، فقيرة، مما يجعل من الصعب معرفة ما إذا كان سوء الخدمات الحكومية هو نتيجة للتمييز الطائفي أم لا.

قمع الحريات الدينية

iran religion prison

إن حالة الحريات الدينية في إيران ليست جيدة، إذ تصنف مؤسسة فريدوم هاوس هذه الحالة بأنها “غير حرة”، حيث حصلت إيران على أدنى تقدير في تقريرها السنوي، (وهذا لا يزال كافيًا للتفوق على المملكة العربية السعودية، التي وضعتها المؤسسة ضمن أسوأ الدول في الحريات الدينية)، وبالإضافة إلى السُنة، هناك العديد من الجماعات الصغيرة من غير المسلمين، لا سيما البهائيين واليهود والمسيحيين والزرادشتيين، وبالمقارنة مع تلك الجماعات، فإنَّ السنة لديهم قدر أكبر من الحماية القانونية، كما يتمّ الاعتراف بالمدارس السُنية في الفقه الإسلامي رسميًا في الدستور كأحد المصادر لقوانين الأسرة والتربية الدينية، ويمكن أن يترشح السُنة في البرلمان، على الرغم من أنهم لا يُمنحوا سوى عدد قليل من المقاعد بالنظر إلى أقليات دينية أخرى.

ولكن من الناحية العملية، فإنَّ وضع السُنة يبدو أكثر خطورة، فمنذ نهاية عام 2015، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إنَّ هناك مئات من الأقليات الدينية في المعتقلات، بما في ذلك السُنة، ويشتكي السُنة أنّه على الرغم من أنَّ هناك ما يقدر بمليون سُني في طهران، إلا أنه لا توجد مساجد سُنية في العاصمة، وبالإضافة إلى ذلك، لاحظت وزارة الخارجية الأمريكية في تقرير الحرية الدينية السنوي الأخير بأنَّ بعض رجال الدين  قد قالوا إنه تمّ حظر الكتب السُنية في المدارس العامة، وحظر بناء مساجد ومدارس سُنية جديدة.

وكانت هناك تقارير أخرى عن الاعتقالات والمضايقات التي يتعرض لها السُنة، إذ نقلت الحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران (ICHRI) تقارير بعض الناشطين التي أشارت إلى أن السلطات في الأحواز اعتقلت 20 عربيّ إيرانيّ في 26 فبراير 2015 لارتدادهم عن المذهب الشيعي إلى المذهب السُني، وألقت القبض عليهم من خلال مداهمة منازلهم دون أمر قضائي ومن ثمّ احتجازهم في مكتب وزارة المخابرات الإيرانية، وحُكم على محمد كيفان كريمي، وأمجد صالحي، وأوميد بافاند بالإعدام في 4 مايو 2015 بتهمة “محاربة الله من خلال نشر الدعاية ضد النظام”، ووفقًا لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، نشط هؤلاء الثلاثة في الدعوة إلى المذهب السُني.

وبالإضافة إلى ذلك، تحدث السُنة في إيران عن شنّ غارات على دور العبادة السُنية، ومنعهم من الاحتفال بعيد الأضحى في عام 2014، وفي صيف 2015 تمّ تدمير ساحات العبادة السرية للسنة في طهران.

نمو تبني السلفية

Salafis women

 

ثمة طريقة واحدة استجاب من خلالها السُنة والجماعات الأخرى لهذه البيئة العدائية؛ وهي تبني السلفية، وذلك وفقًا لمهدي خلجي، زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لقد اتاح الإنترنت للسلفيين نشر أفكارهم وإنشاء شبكاتهم في جميع أنحاء البلاد، وكتب خلجي في عام 2013:

“هذا أحد الأسباب التي تجعل النظام الإيراني لا يسمح للسُنة ببناء مساجد في طهران أو غيرها من المدن الكبرى، إذ يشعر النظام بقلق عميق من أن تستخدمها الجماعات السلفية لتجنيد الشباب الشيعة الذين يشعرون بالإحباط من أيديولوجية الجمهورية الإسلامية، كما أن السلفيين تربطهم علاقات قوية مع خصوم إيران الإقليميين، وخاصة المملكة العربية السعودية، ونظرًا لهذه العوامل وتزايد الاستياء بين العرب الإيرانيين، والأكراد، والبلوش، فإنَّ نمو السلفية هو تهديد أمني واضح للنظام الإيراني”.

ومع ذلك، وعدَ الرئيس حسن روحاني خلال حملته الانتخابية عام 2013 بتحسين الحريات الدينية والتسامح، وقد أبلى في تلك الانتخابات بلاءً حسناً خصوصاً في التصويت بالمناطق ذات التمثيل السُني الكبير، ومنذ ذلك الحين، كرر روحاني رغبته في تحسين العلاقات بين السُنة والشيعة، وأشادت الحكومة بتلك الحملة، ومع ذلك، خلص التقرير السنوي لعام 2015 من اللجنة الأمريكية بشأن الحريات الدينية الدولية إلى أنَّ “الرئيس حسن روحاني لم يفِ بوعوده التي قطعها في حملته الانتخابية لتعزيز الحريات المدنية للأقليات الدينية”، وأشار التقرير، من بين أمور أخرى، إلى النمو في عدد المسلمين السُنة المعتقلين بسبب معتقداتهم الدينية.

ولا يشير صعود تنظيم داعش، وهو تنظيم سُني، إلى انفراجة قريبة بين النظام الإيراني والسُنة، خصوصاً مع الشعور بالخوف من تنامي السلفية داخل البلاد، بالتزامن مع اعتقاد واسع الانتشار (ولكنه غير مؤكد) في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط أن السلطة في السعودية تموّل الجماعات السنية المتطرفة، وفي نوفمبر الماضي، قالت السلطات الإيرانية أنها فككت خلية داعشيّة في غرب إيران، في محافظة سُنية كردية.

وبالإضافة إلى التوترات المستمرة مع المملكة العربية السعودية، تشير كل هذه النقاط إلى الحياة الصعبة التي سيعيشها أهل السُنة في إيران في المستقبل القريب، ربما تدفع بالمزيد منهم نحو السلفية أيضًا، وهي قصة تتشابه مع الأقليات الشيعية على الضفة الأخرى من الخليج، إذ يؤدي الرفض المجتمعي وإهمال الدولة بالعديدين منهم نحو التطرف، وهذه هي المشكلة التي تواجه السعودية وإيران في إذكاءهم للتوترات بالمنطقة بهدف مكاسب جيوسياسية صرفة لا علاقة لها بالدين، ففي الوقت الذي قد تكون فيه دوافع الصراع عقلانية واستراتيجية إلا أن الشحن الطائفي الذي يتم تعزيزه من قبلهما في المنطقة لن ينتهي بسهولة.

kaaba mecca islam

مصادر معلومات الموضوع: The Atlantic

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.