هل يجب أن يتبع الإنسان قلبه أم عقله؟

x3m28

أنت تعيش ممزقًا بين خيارين، أحدهما محفوف بالمخاطر، والآخر آمن، الخيار المحفوف بالمخاطر يغريك -على سبيل المثال- للقيام بعملية شراء سريعة على الإنترنت، حتى لو كنت تعرف أنها أكثر مما تستطيع أو ينبغي أن تنفق، لكن الوقت ينفد على توافر هذه القطعة من الملابس، والموقع يخبرك العدد المتبقي من هذه القطعة.

أنت لست متأكدًا تمامًا ما إذا كانت القطعة ستتناسب مع خزانة ملابسك، ولكن لأن هناك قطعتين متبقيتين فقط، فأنت تدرك أنك بحاجة إلى شراء تلك القطعة في أسرع وقت ممكن، حيث قلبك يقول لك بوضوح تام “نعم”، ويخبرك كم ستبدو أنيقًا وسعيدًا إذا اشتريت تلك القطعة، لكن عقلك يصرخ بصوت عالٍ “لا”، ويوجهك بأن تفوّت تلك الفرصة وتوفر نقودك.

الأمر الأكثر تعقيدًا من قرارات التسوق عبر الإنترنت هي تلك التي نتخذها في العلاقات الإنسانية، كما هو الحال عندما تنجذب لشخص لا يناسبك ولكنه يروق لك رُغم كل شيء، وأنت تتصفح الملفات الشخصية على أحد مواقع التعارف، أو تحضر إحدى الحفلات، تنجذب على الفور لشخص غريب.

عواقب اتباع العاطفة

وعلى عكس قرار شراء شنطة يد أو زوج من القمصان، يمكن أن يؤثر قرار الانجذاب لشخص ليس فقط على حافظة نقودك، ولكن على سعادتك بشكل عام، وقد يؤثر أيضًا على بقية حياتك، إذا اتضح أنه الشخص المثالي لك، وفي هذه الحالة، يطالبك قلبك مرة أخرى بالانتباه له، ويشجعك للحديث مع هذا الشخص، لكن عقلك لديه بعض الأسئلة قبل أن يسمح لك بالدخول في هذه العلاقة التي ربما تكون جيدة أو كارثية.

ومن المرجح أن يقول لك الأهل والأصدقاء: “استمع إلى قلبك”، بحجة أنه “يعرف ما هو الأفضل لك”، بينما تقترح أوبرا وينفري أيضًا اتباع ميولك العاطفية بدلًا مما قد يقترحه المنطق، ولكن هل هذه نصيحة جيدة حقًا؟ عُد بذاكرتك إلى الأوقات التي لم تتبع فيها قلبك، كيف سارت الأمور حينها؟ ربما كانت هناك مناسبات عندما تخليت عن حذرك وتركت عواطفك تقودك في اتخاذ القرارات، والأمور سارت على ما يرام، ولكن من المرجح أن هناك على الأقل مرات عديدة أخرى جاءت فيها قراراتك بنتائج عكسية.

ولسوء الحظ، تكون حساباتنا دائمًا خاطئة عندما يتعلق الأمر بتقييم التجارب السابقة الخاصة بنا؛ إذ تشير الدراسات النفسية حول موضوع “الذكريات” أننا نميل إلى تذكر الأحداث المميزة في حياتنا، وخاصة تلك الأحداث الممتعة، وبالنسبة لمعظم الناس، فإنَّ الذكريات المؤلمة تتلاشى مع مرور الوقت، ونتيجة لذلك، فإننا مبرمجون تقريبًا للذهاب مع قلوبنا لأننا نتذكر الأوقات التي أرشدتنا فيها قلوبنا إلى المسار الصحيح.

العقلانية وتوابعها

أما الجانب الآخر من هذا النقاش هو حقيقة أن عمليات صنع القرار العقلاني الخاص بك يمكن أن يكون لها سجل جيد من القرارات الصائبة، فأنت ربما لا تستطيع تذكر الأوقات التي اتبعت فيها المنطق رُغم أنها قد تكون ذكريات لا تنسى، ومن الممكن أيضًا أنه عندما يسود العقل، يقول لك ألّا تفعل أي شيء على الإطلاق، ومن ثمّ لا يكون لديك الكثير من الأشياء لتتذكرها.

فكّر مرة أخرى في إغراء التسوق عبر الإنترنت؛ فأنت تتذكر الأحذية الغريبة التي اشتريتها سابقًا لأنها مازالت لديك حتى الآن (إن لم تكن تتذكر المال الذي أنفقته في شرائها)، لكنك لا تذكر الأشياء التي لم تمتلكها، وأنت أيضًا لا تفكر كثيرًا في الأموال التي كان من الممكن أن تنفقها على السلع التي قررت عدم شرائها، لأنها ليست موجودة.

ماذا عن “الأشياء التي لم تحصل عليها؟”، ألن تشعر بالندم دائمًا لعدم اتباع نصيحة قلبك بالذهاب وراء هذا الشخص الغريب الجذاب، بدلًا من اتباع نهج الانتظار والترقب الأكثر “عقلانية”؟

مرة أخرى، تذكّر أن إحصائياتنا عن أنفسنا عادة ما تكون خاطئة؛ فأنت تتذكر الخيارات التي لم تقم بها، لأنك لا تعرف نتيجة تلك الخيارات، وأفضل ما يمكنك القيام به هو تخمين ما كان من الممكن أن يحدث، لكن الأمور التي لم تحدث -وهي أمور لا يمكنك تذكرها لأنها لم تحدث- هي النتائج السيئة التي كان من الممكن أن تأتي بعد اتخاذ القرار الخاطئ، فنحن لا نفكر بهذه النتائج، بل نرى الفرص الضائعة، بالتالي لا يمكننا أن نعلم ما كان يمكن أن يكون.

التجربة خير دليل

ومن خلال أخذ كل هذه العوامل بعين الاعتبار، يظل السؤال: ما الذي تخبرنا به البحوث بشأن ما إذا كنت ستكون أفضل حالًا من خلال الثقة بمشاعرك مقابل أفكارك؟

عالج “يى شين” هو وزملائه الباحثين من جامعة شرق الصين هذه المشكلة في تجربة مبتكرة؛ حيث طلبوا من 72 مشاركًا في سن الجامعة اتخاذ قرارات حول ما إذا كان يمكنهم قبول المخاطرة أم لا، وقد صُممت الظروف لتشبه حالات واقع الحياة التي تنطوي على عوامل ضيق الوقت والإثارة العاطفية.

في حالة ضيق الوقت؛ اضطر المشاركون إلى اتخاذ قراراتهم بسرعة، بينما في حالة الاسترخاء، كان لديهم وقت غير محدود، وضمن هاتين الفئتين، تلاعب فريق البحث بالحالة العاطفية للمشاركين من خلال عرض مقاطع حزينة أو كوميدية أو مقاطع عادية من الأفلام، وقد كانت مهمة المشاركين هي الاختيار بين البدائل المحفوفة بالمخاطر أو البدائل الآمنة في مهمة متعددة الخيارات، وكان السؤال الذي يجري استكشافه هو تحت أي مجموعة من الظروف سيكون المشاركين أكثر استعدادًا للمخاطرة.

وأظهرت النتائج أنه في ظل حالة ضيق الوقت، كان الطلاب أكثر ميلًا نحو اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر عندما كانوا يشعرون بالسعادة، وأقل عرضة لاتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر عندما كانوا يشعرون بالحزن، ولكن مع وقت غير محدود للتفكير في المخاطر، لم تُحدث العاطفة أي فارق على الإطلاق في قرارات المخاطرة.

خذ وقتك

يمكن أن نفكر في تأثير الحالة العاطفية على الخطورة في ظل انعكاس التفكير السريع مقابل التفكير البطيء والمفترض أن يحدث في عقولنا، وذلك وفقًا للخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دانيال كانيمان، الذي يرى أن التفكير السريع يتأثر بالحالة العاطفية الخاصة بك أكثر من التفكير البطيء.

وإذا كان القرار المحفوف بالمخاطر من شأنه أن ينفعك، إذن يمكن أن تضيع منك العديد من الفرص في حالة كنت في مزاج سيء، ومع ذلك، لأن القرارات المحفوفة بالمخاطر، بحكم التعريف، من غير المرجح أن تؤدي إلى نتيجة مرضية، فإنَّ مزاجك الجيد سيقودك إلى الخيار الخاطئ.

الخلاصة، الاستماع إلى قلبك من المحتمل أن يؤذيك، وخاصة إذا كنت تحت ضغط الوقت، وبمجرد أن يكون لديك المزيد من الوقت لمراجعة جميع العوامل، سواء العقلانية أو اللاعقلانية، سيكون حكمك أكثر وضوحًا، إنَّ قرارات أخذ المخاطر قد تنفعك، ولكن خذ وقتك قدر الإمكان للحصول على أكبر قدر من النتائج الإيجابية لتلك القرارات.

المصدر: Psychology Today

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.