لماذا نشعر بالألم عندما نخطئ أو عندما ينتقدنا الآخرون؟

2067

لماذا يفقد العديد من العقلاء القدرة على التصرف بحكمة وعقلانية عندما يمرون بصراع؟ ما الذي يُحدث الشقاق داخل بعض الأسر بسبب مشاحنات قد تبدو للغرباء تافهة، ولكنها تؤدي إلى انفصال أفراد الأسرة عن بعضهم البعض لسنوات؟ ما الذي يدفع الجيران لإفساد حياتهم اليومية بسبب نزاعات بغيضة ومريرة؟ وكيف يتحول أصحاب الطباع الهادئة المنضبطين نفسيًا إلى شخصيات مختلفة تمامًا عندما ينخرطون في مشاحنات على الطرق العامة، أو حتى الغضب في محلات السوبر ماركت؟

الخوف من الإهانة

يكمن الجواب على كل هذه الأسئلة في ظاهرة نفسية واحدة: (احترام/تقدير الذات)؛ وهي ظاهرة من أقوى العوامل المحفزة في النزاع والتي تولد مشاعر قوية، كلنا نحترم كينونتنا وذواتنا، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، كلنا بحاجة لأن ننظر لأنفسنا بصورة جيدة، وأن يرانا الآخرون بصورة إيجابية أيضاً، لذلك يحكم احترام الذات العديد من القرارات التي نتخذها يوميًا، ونحن نمضي الكثير من الوقت ونبذل المزيد من الجهد لحماية صورتنا الذاتية.

الجانب الثاني من رغبتنا في الحصول على قبول واستحسان الآخر لنا هو النفور من الرفض، أو ما هو أسوأ من ذلك كخوفنا من الإهانة، ومثال على ذلك الخوف من التحدث أمام الجمهور، وهي رهبة يمكن أن تكون أكبر من رهبة الطيران أو حتى الموت، ويمكننا تفسير ذلك من خلال حقيقة أن عدم الاستحسان والتقبل من كل شخص في الجمهور يشكّل هجومًا محتملًا على صورتنا الذاتية، وكلما كان الجمهور كبيرًا، سيطر علينا احتمال الشعور بالعار والإهانة.

ثمة أدلة مرتبطة بالجهاز العصبي تثبت تأثير انتقاد الذات على الدماغ، حيث أظهرت إحدى الدراسات أن “الألم الاجتماعي” يعمل على تنشيط ذات الدوائر في المخ التي ترتبط بالألم الجسدي، وبناءً على ذلك يتم تفسير أي هجوم على صورتنا الذاتية من قِبل الدماغ على أنه هجوم يؤدي إلى ألم جسدي.

وعندما نتحدث عن المشاعر “الأليمة”، فإن ذلك يعني بأن أي شكل من أشكال اللوم والتوبيخ – بدايةً من انتقاد بسيط إلى إدانة صريحة أو رفض – فهو يؤثر على ثقتنا بأنفسنا ويجعلنا نشعر بألم جسدي، ومن هنا يأتي كرهنا للاعتراف بالخطأ أو قبول المسؤولية.

كلمة “آسف” هي واحدة من أكثر الكلمات صعوبة على الإنسان، على الرغم من كونها الأسرع والأسهل والأكثر فعالية في حل أي نزاع، ولكن أدمغتنا تبيّن لنا أن قول “آسف” سيكون مؤلمًا كما لو أننا نضع أيدينا في النار.

قدرتنا على السيطرة

إنَّ القدرة على رصد المسارات العصبية في الدماغ تساعدنا على معرفة كيف يعمل الدماغ في حالات الصراع. فعلى سبيل المثال، لدينا الآن تفسيرًا عصبيًا لغريزة تسمى “المحاربة أو الفرار” (أن نواجه الموقف أو نهرب منه)، ويخضع هذا الانعكاس لما يسمى اللوزة الدماغية أو اللوزة العصبية، وهي بنية صغيرة في الدماغ تتحكم في استجاباتنا الغرائزية السريعة، وهناك حاجة إليها كجزء من تطورنا البشري، حيث يمكننا هذا الجزء من الدماغ من التحرك بسرعة وبصورة غريزية في مواجهة الاعتداءات الجسدية عندما كان الإنسان يعيش في البريّة.

اليوم، يمكن استثارة اللوزة الدماغية من قِبل أي هجوم على احترامنا لذاتنا، عندما يلاحظ الدماغ التهديد، سواء التهديد الجسديّ أو مهاجمة صورتنا الذاتية، تسيطر اللوزة الدماغية من خلال تحويل الإشارات بعيدًا عن قشرة الدماغ، وجزء “التفكير” في الدماغ، وتمنعنا هذه “السيطرة ” من اللوزة الدماغية من الانخراط في التفكير المنطقي أو التحليلي، وبدلًا من ذلك تخلق ردود فعل دفاعية على الفور.

شعور الـ “أنا”

هذا هو السبب في أننا نتراجع في أي ادّعاء علينا بأننا أخطأنا، سواء في مجال العمل، أو داخل الأسرة، أو وراء عجلة القيادة في السيارة أو حتى في السوبر ماركت، إنّه اعتداء على احترامنا لذاتنا، وهو أمر مؤلم للغاية، وفي هذه اللحظات تبرز الحاجة إلى تقليص الـ “أنا” بداخلنا، فنقول لأنفسنا إنَّ احترامنا لذواتنا بات يقف كحجر عثرة أمامنا دون حاجة إلى ذلك، وأنَّ محاولة رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخر هو أمر أكثر فاعلية وإيجابية من منظورنا الضيق للأشياء، منظور الـ “أنا”، فاحترامنا لذواتنا نابع منا ولا يجب أن يقلل أي فعل من هذا الاحترام أو أن يشكل تهديداً له، فنتذكر مجدداً أن كلمة “آسف” هي في الواقع من أكثر الكلمات سهولة متى ما نزعنا عن أنفسنا هذا الشعور الزائف بأن الذات تحصل على احترامها من الآخرين.

المصدر: The Guardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.