المتعة المرعبة: كيف تغسل الأدمغة؟

صورة لمعتز فاضل

مؤيد حسن - الكويت

هل من الممكن أن تتحول المتعة إلى فلم رعب؟

نعم، ممكن، فعندما تملك عقلا ناقدا يرى ما هو أبعد من الظاهر قد ترعبك المتعة التي ترى الآخرين منغمسين فيها… للأسف! هو ليس دائما إحساس جيد، لكن وجود هذا الصوت المزعج بداخلنا أمر ضروري، هو دليل على عدم اقتناع بالواقع ورغبة في تغييره.

ذلك الصوت علا ليزعجني مؤخرا، ليلة السبت ٥ مارس ٢٠١٦… حوالي الساعة الثامنة والنصف مساء، أثناء مشاهدتي لنقل تلفزيون الكويت للألعاب النارية احتفالا بمناسبة وطنية ما. على وجه التحديد، بينما كنت أشاهد منظر جمهور الاحتفال الكبير بشاشات هواتفهم البارقة في ظلام الساحة المقابلة لأبراج الكويت، فلم يغب عن بالي أحد مشاهد فيلم ١٩٨٤ المقتبس عن قصة جورج أورويل الشهيرة!

لا أود هنا أن أقدم مراجعة لرواية أورويل، لكني أود أن أشير إلى مدى التطابق المخيف الذي لاحظته بين الدستوبيا الكئيبة التي قدمت لنا من خلال الرواية وبين واقع مجتمعنا. لا، هي ليست دعوة للتشاؤم، لكن واحدة من وظائف القراءة النقدية لأي عمل أدبي أو فني هي محاولة تفكيكه وإعادة فهمه حسب معطيات الواقع. بمعنى آخر، أن نمرر رواية أورويل عبر فلتر ثقافتنا ونحلل ما يمر من خلال ثقوبها الدقيقة. فمالذي مر من خلال هذا الفلتر وأصابني بالرعب؟

1984-orwell

في رواية ١٩٨٤ هناك حرب قائمة بين دولة “أوشينيا”، التي ينتمي لها بطل القصة وتدور الأحداث فيها، ودولة “إيستيشيا” العدوة. حليفة أوشينيا في هذه الحرب هي دولة “يوريشيا”. تدور رحى هذه الحرب غير المنتهية بين تلك الدول العظمى الشمولية الثلاث، والتي تكونت بعد حرب نووية قلبت موازين القوى في العالم.

وطبعا الدعاية الإعلامية في أوشينيا لا تنفك تهاجم عدوتها إيستيشيا بكل ضراوة وتحرض الناس عليها! وتتخذ هذه الحرب وسيلة لجمع الشعوب وتوحيدها ضد أعدائها… الخارجيين والداخليين أيضا. في المشهد الذي أوردته في الصورة أعلاه نرى فلما دعائيا يعرض أمام جمهور غفير من شعب أوشانيا، يبين الإنجازات والبطولات الأوشيانية ويدعو الأوشيانيين للتوحد والالتفاف حول قيادتهم الرشيدة لتفويت الفرصة على الأعداء والمندسين ممن يحاولون خلق فتنة بين الجماهير، فتعلوا أصوات الجماهير المتسمرة أمام الشاشات بالهتاف والابتهاج بهذه المشاهد والكلمات المدغدغة للمشاعر… بغض النظر عن ما إذا كان هذا الابتهاج حقيقيا أم مصطنعا.

kuwait fireworks

بطل القصة، الذي يعمل بوزارة الحقيقة (ما يعادل وزارة الإعلام والتعليم والثقافة)، يبدأ تدريجيا بالتذكر بأن دولة إستيشيا، العدوة، كانت قبل سنوات قليلة حليفة لهم… بينما يوريشيا، الحليفة الحالية، هي من كانت تحاربهم! لكن السيطرة الإعلامية والفكرية والأمنية لحكام أوشينيا استطاعت أن تغسل أدمغة الشعب حتى استطاعت من خلال سيطرتها التامة على التعليم والإعلام المدعومين بالقمع العسكري الشديد أن تغير “التاريخ” لتستبدل العدو بالصديق والصديق بالعدو!

حتى بطل القصة لم يكن ليستطيع أن يصرح بالمعلومة التي تذكرها (بفضل عمله الحساس) لأي أحد… فكان من المستحيل عليه أن يخالف رأي الحكومة وتاريخها! فهو من ناحية لا يمكنه إثبات كلامه لأن كل الأدلة المكتوبة والمسجلة الموجودة في أوشينيا قد تم تحريفها لتشير إلى أن أوشينيا دائما ما كانت في حرب مع إستيشيا! وفي نفس الوقت فإن أي تحرك يقوم به لاستنهاض ذاكرة الشعب ذاته حول هذه القضية سيجعل منه “مجرم فكر”… وهي جريمة لها عقوبات وخيمة جدا لا يتهاون فيها أعضاء وزارة الحب (ما يعادل وزارة الداخلية والأمن الداخلي) الذين يراقبون ويلاحظون ويسجلون كل صغيرة وكبيرة يقوم بها الناس، ويترصدون لكل من يشكّون بمخالفته للأعراف والقوانين، ويردعون ويقمعون بكل حزم وصرامة!

عندما يضبط البطل لاحقا بجريمة الفكر، ويتم التحقيق معه وتعذيبه، كان يرغم على أن يردد عبارة… وأن يجبر على أن يقتنع بها! وهي عبارة:

We’ve always been at war with Eastasia

كنا دائما في حرب مع إيستيشيا!

المغزى مما مضى هو أن من يملك زمام القوة والسيطرة، ويجيد أصول غسيل الأدمغة، يمكنه أن يغير قناعات الناس… بل وحتى تاريخهم وذاكرتهم! وسيجد أن الناس لا يملكون سوى أن ينصاعون له ويصدقونه مهما ألقى عليهم من حقائق أو أكاذيب!

فكرة أورويل تلك فكرة حقيقية وتطبق علينا جميعنا -بدرجات متفاوتة- دون أن ندري، عقولنا تغسل وتاريخنا يتلاعب به دون أن نشعر، لا أحد منا محصن من ذلك! وعندما أقول “علينا” فلا أقصد على شعوب العالم المضطهد والمغلوب على أمره فقط كما يصور لنا أورويل، بل تطبق حتى على الشعوب المتقدمة والديموقراطية والليبرالية والمتعلمة. هي طبيعة بشرية، فكتابة التاريخ صنعة بشرية، وكذلك قراءته، من يتقنها ويقدر عليها هو من يُخرج ذلك التاريخ أقرب لما يبغي. صاحب السلطة (الراعي)، سواء كان حاكما أم معلما أم مؤسسة اجتماعية أم أبا أم أخا أكبر هو من يفرض ذاكرته وتاريخه على رعيته.

نعم يمكننا أن نقاوم محاولات التلاعب بعقولنا وذاكرتنا، لكن ذلك يحتاج منا لوعي ولمجهود كبير، لا يقوى عليه جماعة “مالي خلق!”، ولا يقوى عليه جماعة “هذا ما وجدنا عليه آباؤنا” ولا جماعة “أعط الخبز لخبازه”! فإدراك “الحقيقة” يحتاج تحريرا للعقل وكسراً للجمود وتحديا للواقع وروح مغامرة ومجازفة عالية وصبرا على ويلات محتملة قد يواجهها المرء في سعيه وقدرة واستعدادا لأن يغير نفسه ويبدل أفكاره مهما كان مصدرها السابق.

والآن عليك أن تسأل نفسك السؤال الافتراضي:

هل حربنا مع إيستاشيا أم مع يوريشيا؟

بالمرة القادمة التي تتصفح فيها الجريدة او تستمع للأخبار ستجد كما هائلا من المعلومات “الرسمية” التي تقدم لك كحقائق لها مصدر “مسؤول”، أو آراء لخبراء ومختصين وعلماء وقياديين وشخصيات “بارزة”، فهل ستأخذ هذه الحقائق والآراء كما هي؟ ماذا لو بعد فترة، قد تطول وقد تقصر، رأيت ذات المصدر الخبير المسؤول يحاول إقناعك بحقائق تخالف الحقائق الأولية… أو تعدلها… وتبرر تلك المخالفة بشتى الطرق… المقنعة غالبا، هل سترضخ لتلك التغييرات وتبدل قناعتك وتقول بأننا كنا دائما في حرب مع إيستيشيا!؟

بمعنى آخر، وعلى بلاطة، هل الدولة “س” عدوتنا اللعينة أم أن شعبها طيبون لكن حكامها هم من خانونا؟ أو العكس، هل النظام “ش” صديقنا وحليفنا الذي وقف معنا وقت الشدة أم أنه نظام دكتاتوري ظالم؟ هل الحزب “ص” بطل مجاهد يدافع عن قضايا الأمة أم أنه حزب مجرم إرهابي؟ لنخفف الوتيرة قليلا ونسأل، هل لدينا عجز بالميزانية وعلينا أن نسلم جيوبنا لتمس ونشارك الوطن في محنته الاقتصادية؟ أم علينا ألا نبالي بذلك ونبتهج ونتنفس ونشعل الألعاب النارية ونقيم الحفلات فرحا، ولا بأس من صرف ملايين الدولارات على خلق “تجربة وطنية” تجمع الناس بالفرحة على قلب واحد؟!

إذا تعاملت مع الأسئلة السابقة بوضع علامة “صح ✔️” أمام الإجابة الصحيحة فأنت لم تفهم كلامي، اقرأه مرة أخرى لو سمحت!

الجواب الصحيح هو أن تؤمن بعدم وجود جواب واحد صحيح! فتسليمك بأن الحل يكمن بالاستسلام لرأي دون الآخر هو هزيمة لفكرك… تعادل هزيمة بطل ١٩٨٤!

المغزى من كل ما كتبت هو فقط أن تكون “واعٍ” لكل ما يقدم إليك، لا تشرب الـ”Kool Aid” كما يقال، لا تتجرع السم المقدم إليك مخلوطا بالعسل فقط لأنك تثق أو تحب أو تحترم أو تخاف ممن يقدمه لك… أو لأن الجميع ممن حولك يتجرعون من نفس الكأس. نعم، مقاومة هذا المشروب المنعش البارد أمر صعب… خاصة إن كنت قد نشأت على حب ما “ينعش” من مشروبات ولا تطيق شرب مرّها مهما كان ذلك المر مفيدا. شرب المر المفيد هو ما سيسبب لك شعور الرعب غير المريح، لكنك مع التعود على مرورته ستبدأ تستلذ بها، وعندها ستدرك مدى ضحالة من يتمتعون بشرب السموم.

kuwait 1984* الصورة الرئيسية لمعتز فاضل

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن