كليشيهات الحرب السورية: ما حقيقة ما يقال في الإعلام؟

زياد حرب

مع اندلاع أي نزاع في دولة ما يبدأ معها بشكل مواز نزاع إعلامي يسعى لترسيخ جملة من “الكليشيهات” الاعلامية أو المفاهيم لدى المتلقي، إما محاولة لجره نحو تأييد معسكر محدد أو لتحييديه، و الأزمة السورية منذ اندلاعها كانت ولا تزال ساحة صراع إعلامية بين النظام السوري وحلفائه وإعلام المعارضة السورية وحلفائها -المتمثلين بالقنوات الاعلامية القريبة من النظام القطري والسعودي والتركي-، والملاحظ من خلال المتابعة للخطاب الاعلامي للطرفين أن كلاهما اعتمد هذه “الكليشيهات” في سرديته.

فمع بداية الأزمة كانت كليشيهات النظام السوري تبعث على التندر والاستهزاء لدى المتلقي، إذ كانت الكليشيهات السورية تنحصر بجمل مثل: “مجموعات ارهابية مدعومة من الخارج”، و”محاولات لضرب محور المقاومة والعمل المقاوم في المنطقة”، و”تطبيق عملي لمشروع الشرق الاوسط الجديد”، وقد أثبت المحور المناهض للنظام السوري – المعارضة السورية وداعميها في قطر والسعودية وتركيا والدول الأخرى-  حقيقة هذه الكليشيهات من خلال تعاطيه مع الأزمة السورية.

مع استمرار الازمة في سوريا و على الرغم من التقدم الملحوظ في الجانب العملي و النظري لإعلام النظام وحلفاؤه إلا أن إعلام المحور المعارض لا يزال أكثر سيطرة على وعي المتلقي بشكل أو بآخر، وتكمن خطورة كليشيهات هذا الاعلام على أنها تؤسس لجيل عدائي وطائفي بإمكانه اعادة انتاج الازمة في المستقبل. فما هي كليشيهات معارضوا النظام السوري؟ وما هي خطورة استخدامها؟

1- النظام السوري طائفي

syria hafez assad

تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي على أنه حزب “علماني” و قومي عابرا للمذاهب و الطوائف واستلم قيادته، منذ انقلابه عام 1963، عدد من القادة من مختلف الانتماءات المذهبية. إلا أن استلام حافظ الاسد (علوي) عام 1970 قيادة سوريا ومن ثم توريثه الحكم لابنه بشار قد أعطى مبررا لإضفاء طابع مذهبي للحرب في سوريا وحشد السوريين -من ابناء الطائفة السنيه تحديدا- ضد النظام.

يجهل الكثير من المتلقين -خصوصاً المغيبين منهم- أنiه لو كان النظام السوري طائفيا كما يزعم إعلام المحور الآخر، ما كان ليصمد طوال خمس سنوات في دمشق وهي المدينة “السنية” التي تحتضن المسجد الأموي، و ما كان قد انضم الكثير من سكان المحافظات الاخرى ذات الغالبية السنيه إلى ركب تأييد النظام، وهي ذات المناطق والمحافظات التي استقبلت الجيش السوري، كما يجهل العديد من المتابعين أن جزء من قيادات الجيش السوري هم من أبناء الطائفة السنية كما أشار الباحث خضر خضور في تحليل له على موقع مركز كارنيغي للشرق الاوسط، يقول فيه: 

“لقد تمت الإشارة غالبا إلى حقيقة أن غالبية الضباط يتحدرون من الطائفة العلوية السورية، كسبب رئيس، وربما وحيد، لتماسك هذا الجيش منذ العام 2011 . بيد أن هذا التفسير يغالي في تضخيم دور الانتماءات الطائفية. لدى ضباط الجيش مداخل الى نظام خدمات يربط تقريبا كل مجالات حياتهم المهنية والشخصية بالنظام”.  

ويذهب خضور إلى دراسة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم في السيطرة على الجيش. في ظل ذلك، لا يجب كذلك أن ننسى “جيش الوفاء” الذي شكله أهل ريف دمشق وغالبيتهم من السنة، أو الصحوات التي أسسها حازم الطائي في حلب، وأن نأخذ في الاعتبار المصالحات التي تمت بين بعض الفصائل المسلحة والنظام في العديد من المناطق، على الرغم من أن القضاء عليهم أسهل من دخول عملية التفاوض للمصالحة، من خلال ذلك يتبين لنا أن النظام لا يتعامل وفق المنطق الطائفي الضيق الذي يروج ضدة.

2- عقلية النظام العسكرية هي سبب عسكرة الحراك 

syrian army officer

يرى البعض أن العقلية العسكرية للنظام هي سبب تحول الحراك إلى المنحى العسكري، وفي الحقيقة فلا يمكن انكار الطبيعة العسكرية التي يقوم عليها النظام السوري منذ تأسيسه بصيغته الحالية كما أن اكتشاف صور “العسكرة” في الحياة اليومية ليست بالأمر الذي تصعب ملاحظته، بالتالي فإن مسألة العنف الذي قد يصدر منه تبقى حاضرة وبقوة، إلا أنه وبنفس الدرجة، فلا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبته التيارات الإسلامية في دول الخليج تحديدا بالحشد الإعلامي ذو الطابع الطائفي من خلال منابر المساجد والقنوات الطائفية، بل أن هذا الحشد وصل الى البرلمانات، ففي المجلس النيابي المبطل للعام 2012 في الكويت خصص جزء من أحد الجلسات لمناقشة الوضع السوري، وكما هي العادة كان النقاش أبعد ما يكون عن المنطق السياسي وكان الشحن الطائفي حاضرا فيه وبقوة، وكذلك بتبني ذات التيارات الطائفية العسكرة و دعوتها لإسقاط النظام ” النصيري”، وضخها الأموال لشراء السلاح و العتاد “للثوار”.

3- اسقاط النظام يعني تجنب سوريا لدوامة العنف

Syrian-President-Bashar-al-AssadCelebrity-800x1280

مع بداية الربيع العربي والنجاح المؤقت الذي حققته التجربة التونسية والمصرية في العبور نحو الديمقراطية والدولة المدنية، علت الأصوات آنذاك وانبرى المعارضون للنظام السوري بالقول بأنه لو قام النظام السوري بالتعاطي مع الأزمة كما فعل حسني مبارك وبن علي لجنّب شعبه كارثة القتل والتشريد. وقد غفلت مثل هذه الاصوات ما حصل ويحصل في ليبيا، على الرغم من أن “فصائل الثورة” كانت موحدة ضد الجبهة النظامية إلا أن العنف يستمر حتى كتابة هذه السطور. كما أن الانتقال السلمي للسلطة في تونس ومصر لم يجنبهما العنف، فآلاف التونسيين الذين ذهبوا للقتال في سوريا سيكون لفعلهم هذا تأثيره على واقع تونس في المرحلة المقبلة وقد ظهر ذلك على نحو أكبر في العمليات الإرهابية التي وقعت، ومن هنا قد يصح القول ماذا لو لم يكن هناك أزمة في سوريا ألن تعمل خلايا التنظيمات الارهابية في تونس على جعلها سوريا أخرى؟

أما مصر، ورغم ضربها مثالاً عظيماً في الثورات السلمية وكيفية إسقاط النظام دون ممارسة العنف، فإنها تواجه تحديات القتل والعنف في سيناء منذ انتخاب محمد مرسي ومن ثم الانقلاب عليه، فسيناء في وضعها الحالي محافظة شبه فاقدة لسيادة الدولة في عدد من مناطقها. من هنا يمكننا أن نستخلص، ومن واقع متابعة الأحداث في دول الربيع العربي، أن ما يحصل في سوريا حاليا كان سيحصل لو سقط النظام ولكن بسيناريوهات وشخصيات  مختلفة.

4- قوى خارجية تتدخل لمبررات طائفية

hezbollah-in-syria

لم تكن العلاقة بين حزب الله والنظام السوري مثالية على الدوام، فمع ظهور حزب الله كقوى مقاومة صاعدة في العام 82 ووجود حركة أمل كحركة شيعية في لبنان أنذاك، كان رهان النظام السوري على الاخيرة أن تكون ذراعها في لبنان، إذ دعم النظام السوري حركة أمل في معركتها ضد حزب الله عام 82، إلا أنه وبعد اتفاق الطائف وتحرير أراضي الجنوب عام 2000 الذي كان فيه حزب الله اللاعب الرئيسي ومن ثم وفاة حافظ الأسد وتولي الأسد الإبن سدة الحكم في سوريا، كان اعتماد النظام السوري شبه كلي على حزب الله خصوصا بعد انتصار يوليو/تموز 2006 وانسحاب القوات السورية من لبنان، إذ كان الحزب حليفاً “سياسياً” لسوريا وليس بالضرورة حليفاً “طائفياً” خصوصاً أن نظام البعث لا يقوم على أساس ديني كما ذكرنا سابقاً.

هذا التحالف بين الحزب والنظام كان لابد من أن يكون له ثمن يدفعه الحزب بالدرجة الأولى، فمنذ بداية الأحداث حاولت المعارضة السورية تقديم بعض “أوراق اعتماد” لدى الغرب، ففي الثاني من ديسمبر عام 2011 أعلن رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون قائلاً: “اذا تمكن المجلس الوطني السوري من تشكيل حكومة جديدة فانه سيقطع علاقات دمشق العسكرية مع إيران و يوقف توريدات الأسلحة لحماس وحزب الله”.

وفي برنامج آخر قال المستشار السياسي للجيش السوري الحر بسام الدادا: “إذا تجرأ النظام على استخدام السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري فإن قيادات كتائب الداخل قد اجتمعت وقررت على أن تدخل لبنان و تهاجم كل قواعد حزب الله” و مع سؤال مقدمة البرنامج  ” ما دخل لبنان في هذا الموضوع ؟”، رد مبرراً: “لأن اذا تجرأ النظام بإستخدام الكيماوي فإنه سيكون باستشارة إيرانية مباشرة وحزب الله آداة إيرانية”.

من خلال المعطيات السابقة و التعبئة الطائفية ضد حزب الله التي بدأت مع الأزمة، بدأت ترجمة هذه العدوانية عسكريا في البداية بالاعتداءات على القرى اللبنانية في الداخل السوري و مع دخول الحزب معركة القصير واتخاذ السلسلة الشرقية والقلمون  قاعدة لانطلاق السيارات المفخخة التي ضربت جمهور الحزب في الضاحية الجنوبية من بيروت، من خلال هذا السياق يتبين لنا أن الحزب أعتبر هذه المعركة معركة بقاء ووجود سياسي، متجاوزاً للحالة الطائفية التي رسخها المعسكر الآخر.

في الواقع فإن تدخل إيران و حزب الله في سوريا هو تدخل سياسي بالدرجة الأولى، وإن اتخذ غطاءً دينياً وطائفياً، ولعل الوجه الديني لهذا التدخل هو ما قد يقلق النظام السوري الذي لن يقبل بهذه الأجندة لأن تستمر لما قد يشكله ذلك من خطر حقيقي على هيكلية النظام في المستقبل، فهو نظام براغماتي يسعى للبقاء مهمى كلف الأمر، لكن الدين لا يشكل أولوية بالنسبة له، ولعل هذا ما دفع النظام السوري للاستعانة بروسيا، وقد خفف التدخل الروسي من الهيمنة الايرانية في سوريا وأصبحت روسيا من تقود العمليات السياسية والعسكرية بشكل أوسع من الإيرانيين وقد يكون مقتل عدد من قادة الحرس الثوري الإيراني بشكل متلاحق بعد التدخل الروسي مباشرة و بأسابيع قليلة مؤشر على ذلك.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن