الجذور النفسية: لماذا ينضم العديد من الشباب والمراهقين للجماعات الإرهابية؟

مع تزايد الهجمات الإرهابية المروعة في مدن عدة حول العالم، يبحث الكثير منا عن تفسيرات لتلك الهجمات، إذ يبرز التساؤل: ما الذي يجعل الإنسان يتصرف بمثل هذه الوحشية والعنف؟

من السهل إرجاع السلوك الإرهابي إلى “الشر” الفطري الكامن في الإنسان أو القول بأنهم حفنة من المجانين، ولكن لابد من النظر إلى العوامل النفسية التي تؤدي إلى الإرهاب.

من وجهة نظر البعض، فإنَّ الحقيقة الأبرز عن الإرهابيين الذين نفذوا هجمات باريس -على سبيل المثال-، وهو الأمر الذي ينطبق على الإرهابيين عمومًا، هو أنهم أشخاص لديهم مشاكل مع التكامل والهوية ويشعرون بالغربة والحرمان في مجتمعاتهم. فقصص حياة مرتكبي هجمات باريس التي تمّ نشرها تبيّن لمحة عامة عن أناس تائهين، لا يشعرون بالمعنى في هذه الحياة وليس لديهم أي هدف في حياتهم؛ إنهم أناس لم ينجحوا في العثور على مكان لأنفسهم داخل المجتمع، وقد وجدوا أنفسهم عالقين بين ثقافتين؛ ثقافة المهاجرين والثقافة التي أتوا إليها ويعيشون فيها، ولا يشعرون بأنهم ينتمون لأيٍ منهما، إنهم أناس عاديون قضوا سنوات المراهقة ولديهم شعور قوي بعدم الاستقرار الوجوديّ، والاضطراب، والارتباك.

مثل هؤلاء الأشخاص معرضون بشكل خاص للأيديولوجية التسويقية للدينيين، لأنهم يتوقون للشعور باليقين والهدف الذي يوفره الدين، إذ تروق لهم نظم المعتقدات الدينية لأنها تجعل العالم يبدو منطقيًا، فيأتي المتدينين ليطرحون فكرة عامة تعطي مكانًا لكل شيء، بما في ذلك الشخص الذي يؤمن بها، إذ توفر النظم العقائدية الدينية تفسيرًا لكل حدث ودافعًا لكل عمل، بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من عدم الاستقرار الوجوديّ، فإنَّ هذا اليقين يفقدهم صوابهم ويقودهم للتعصب تجاهه بقوة لأنه الإجابة الوحيدة والجامعة على كل تساؤلاتهم.

كما توفر الديانات الأصولية شعورًا قويًا بالانتماء يفتقر إليه هؤلاء الأشخاص على الدوام، ففكر الجماعات الأصولية وأهدافها المشتركة تربط بعضهم ببعض، إلى جانب يقينهم بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وأنَّ تفسيرهم للواقع هو التفسير الصحيح دون غيره.

مثل هؤلاء الناس يسمحون لأنفسهم بأن يصبحوا مرضى نفسيين؛ فهم لا يتعاطفون ولا يشعرون بالشفقة تجاه غيرهم من البشر ممن هم خارج جماعاتهم، حيث يحوّل الإطار المفاهيمي لفكرهم الأشخاص الآخرين إلى كيانات مجردة ليس لديهم أية علاقة عاطفية معهم، ويرون العالم من خلال الجهاز المفاهيمي الخاص بعقيدتهم، وليس من خلال الممارسة والخبرة المباشرة، بل إن شعورهم المسمّم بالانتماء والهوية واليقين يمكّنهم من فصل أنفسهم عن كل الجماعات الأخرى، وجميع الأشخاص الآخرين.

البحث عن هوية: لماذا تستهدف الجماعات الجهادية صغار السن؟

الارهاب

ومن المهم ملاحظة أنَّ معظم الناس الذين ينخرطون في الإرهاب هم من الشباب الذكور، قليلاً ما تفوق أعمارهم سن الثلاثين، بل أن الكثير منهم في مراحل الشباب الأولى، حيث أنَّ مرحلة المراهقة والبلوغ المبكر هي مرحلة صعبة في حياة الإنسان، إنها فترة يشعر فيها الفرد بالاستقلال، إذ يعيش في الفضاء العقلي الخاص به، وهذا يخلق شعورًا بالضعف وانعدام الأمن، بل يمكن أن يخلق إحساساً بالانفصال والشعور بالقلق والعزلة، وهذا هو السبب في أنَّ المراهقين حساسون جدًا تجاه ضغط الأقران، ويحرصون على الانتماء واتباع الموضة السائدة أو الفرق الموسيقية الجديدة أو الانضمام إلى مجموعات فرعية ثقافية، حيث يسعى المراهقون نحو القبول المجتمعي والانتماء للهروب من عزلتهم.

ويبدو أنَّ هذا الشعور بالعزلة والضعف مرتفع بصورة خاصة بين الذكور، حيث لا يبدو أنَّ الإناث تعاني من “انفصال الأنا” بنفس الدرجة، ومن غير الواضح ما إذا كان هذا يرجع إلى العوامل البيئية أو الآثار النفسية والبيولوجية الفطرية، ولكن الإناث تبدو أكثر علائقية من الذكور، ويجدنّ من السهل التواصل وإيجاد الدعم العاطفي.

هذا هو أحد الأسباب التي تجعل معدل الانتحار مرتفع بين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا بسبب شعورهم بالعزلة، ومعاناتهم من صعوبة في العثور على الدعم العاطفي وتبادل مشاكلهم مع الآخرين، كما أنه السبب في أنَّ الغالبية العظمى من أفراد العصابات هم من الذكور الشباب، حيث توفر العصابات شعورًا قويًا بالانتماء والهوية.

وهذا ينطبق أيضًا على الإرهابيين؛ إذ يمكن رؤية عقلية الإرهابي باعتبارها شكل من أشكال المرض النفسي المتجذر في قلق وجودي عميق وحالة من الارتباك ورغبة في الانتماء، وهي حالة حادة بشكل خاص خلال فترة المراهقة والبلوغ المبكر.

o-PSYCHOLOGY-EXPERIMENT-facebook-1024x512

المصدر: Highexistence

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.