ربيع السينما: “ذيب” ونهضة الأفلام العربية الحديثة

على مدى العقد الماضي، شهدت صناعة السينما طفرة كبيرة في الشرق الأوسط في ظل ثورة ثقافية تعيشها المنطقة، وذلك رُغم التحديات المجتمعية.

وعلى الرغم من الوضع الجيوسياسي غير المستقر، أصبحت الأردن وجهة صانعي الأفلام الغربية التي تجري أحداثها في الشرق الأوسط، أو بعض المناطق القاحلة الأخرى، ففي المنطقة العربية هناك ما يكفي من الرمال والمناطق الصحراوية التي تتناسب مع النصوص التي تحتاج إلى بيئات غريبة، دون تعرض طاقم الممثلين وفريق العمل للخطر.

وفي الماضي، حظيت الأفلام التي تمّ تصويرها في الأردن باهتمام واسع في حفل الأوسكار مثل فيلم Zero Dark Thirty وفيلم The Hurt Locker وحتى فيلم The Martian، ولكن هذه هي السنة الأولى التي يترشح فيها الفيلم الأردني “ذيب” لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.

ويحكي الفيلم قصة بسيطة حول صبي من البدو وشقيقه الأكبر، يعملان كمرشدين لجندي بريطاني خلال الثورات العربية، وفي بعض النواحي يبدو الفيلم مثل إعادة رواية فيلم Lawrence of Arabia الذي تدور أحداثه في مرحلة نشوء الدول العربية ونيل استقلالها، ولكنه يحكي لنا القصة من منظور عربي، وقد وصفته مجلة Variety بأنه “مغامرة كلاسيكية من طراز فريد، نادرًا ما نرى مثلها في هذه الأيام”.

بينما أشادت صحيفة نيويورك تايمز بالأداء التمثيلي “الذي قام به ممثلون محليون”، وعندما دخل الفيلم، الذي أخرجه المخرج البريطاني الأردني ناجي أبو نوار، ضمن ترشيحات الأوسكار، انتشرالخبر في الأردن وبقية دول المنطقة بسرعة وحماس كبيرين.

لا تزال صناعة السينما في الأردن في مرحلة النهوض؛ حيث كان فيلم “كابتن أبو رائد” أول فيلم روائي مستقل في البلاد منذ 50 عامًا، وأتى فيلم “ذيب” ليشكل نموذجاً للفيلم الصغير الذي يمكن تصويره بميزانية صغيرة ويكون أبطاله مجموعة من البدو الذين يرتجلون على الشاشة ليقدموا بذلك أحد أكثر الأفلام الأردنية أصالة.

عصر ذهبي للسينما العربية؟

ومع ذلك، فإن “ذيب” هو الأحدث في سلسلة من الأفلام المعقدة والمتقنة التي ظهرت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العقد الماضي، وقد ساعد الوصول السهل نسبياً إلى أدوات الإنتاج والتوزيع الرقمي على تحفيز ما وصفه بعض العلماء وصانعي الأفلام بأنه بداية العصر الذهبي في السينما العربية. ففي السنوات الأخيرة، برز التطور في أساليب صناعة الأفلام وأساليب الإنتاج في الشرق الأوسط، كما شهدت -وتشهد- المنطقة حراكاً وتغييراً اجتماعيين خلال السنوات العشر الماضية وهو ما -فضلاً عن الدور الذي لعبته الأفلام تاريخيًا في بناء الهوية العربية- لعب دوراً كبيراً في النجاح الحالي لفيلم “ذيب”. وعلى الرغم من أنَّ السينما العربية لا تزال تواجه الكثير من التحديات، بما في ذلك محدودية قنوات التمويل، وقلة مدارس السينما، وانخفاض فرص عرض الأفلام، إلّا أنَّ الكثير من المخرجين المستقلين يصنعون أفلامًا مثل “ذيب”، تعكس المنطقة وسكّانها بطرق جديدة تدفع بحدود التعبير.

وبطبيعة الحال، ليس ثمة تجانس داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ إذ أنها منطقة تضم مجموعة متنوعة من الشعوب والدول والثقافات، وتنقسم اللغة العربية نفسها إلى العديد من اللهجات، ولكن من أجل تقييم صناعة السينما الناطقة باللغة العربية، فمن من المفيد أن ننظر إلى الهوية العربية كهوية متجانسة.

تحدي الهيمنة الغربية

theeb_jacir-eid-as-theebhussein-salameh-as-hussein_final-2

تدور أحداث “ذيب” عن مرحلة ما بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، عندما تم تقسيم العالم العربي كله بين بريطانيا وفرنسا من خلال اتفاقية سايكس بيكو، ونتيجة لذلك، فإنَّ معظم الدول العربية لم تصنع الأفلام قبل استقلالها من الحكم الاستعماري في القرن العشرين، وفي الفترة بين عشرينات وستينات القرن المنصرم، أصبحت صناعة السينما وسيلة قوية لخلق هوية وطنية وثقافية متميزة، وفي كتابها Arab Cinema: History and Cultural Identity، كتبت خبيرة صناعة الأفلام فيولا شفيق:

“إنَّ الدخول في صناعة إنتاج الأفلام كان يُعدّ إنجازًا وطنيًا في المستعمرات والمحميات العربية السابقة، وكان اكتساب التقنيات السينمائية علامة على التقدّم الذي منح فرصة حقيقية للتوسّع الاقتصادي، وعلى الصعيد السياسي، كان ثمة اعتقاد بأنَّ السينما خلقت منصة تقدم تمثيلاً بديلاً لما يجري للواقع، وإعطاء الدولة المستعمََرة سابقًا فرصة لتحدي الهيمنة الغربية، على الأقل على الشاشة”.

وكانت مصر في مقدمة الإنتاج السينمائي، وكانت الفترة الزمنية بين أربعينات وستينات القرن الماضي مثمرة على نحوٍ خاص، حيث استمتع الكثير من المشاهدين والمستمعين خارج مصر بالسينما المصرية، وخاصة الأفلام الغنائية والدراما التي كانت رائجة في ذلك الوقت.

ولذلك، اتخذت صناعة السينما في دول عربية أخرى من مصر نموذجًا لها، وكانت شركات الإنتاج سبّاقة في تبني نموذج التمويل وتكرار الأساليب والأنواع الشائعة التي كانت رمزًا للأفلام المصرية، ولكن في فترة الستينات، تحوّلت السيطرة على صناعة الأفلام من القطاع الخاص إلى الحكومة، الأمر الذي أدى إلى تراجع جودة وعدد الأفلام التي تمّ إنتاجها.

قيود أمام صناعة السينما

 

وكان الإنتاج السينمائي في السبعينات حتى بداية الألفية الجديدة صعباً في جميع أنحاء العالم العربي، تحيط به الأزمات المتكررة بالقطاع العام وتضيق عليه قيود رقابة الدولة، تقول فيولا شفيق: “جميع الحكومات العربية، سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية، ضيّقت نطاق حرية التعبير من خلال القيود القانونية”.

وعلى الرغم من العقبات المالية والبيروقراطية التي لا تزال تعيق قيام صناعة سينما عربية حرة ومستقلة، فإنّه قبل 15 عامًا لم تكن صناعة الأفلام في العالم العربي في المستوى الذي وصلت إليه اليوم، حيث تقول رشا السلطي، وهي منسقة أفلام من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمهرجانات عالمية: “منذ أواخر الأربعينات عندما بدأت الدول العربية المستقلة ذات السيادة في الظهور، كانت القوى الاجتماعية المحافظة قوية للغاية، وكانت الحكومات قمعية تعمل على عرقلة حرية التعبير، ولم يكن هناك الكثير من الاستثمارات في صناعة الأفلام، ولكن في الوقت نفسه ازدهر المجال”.

وعلى مدار العشر سنوات الأخيرة، ظهر صانعو الأفلام الأكثر إثارة للجدل مع أفلام مثيرة حقًا، حتى في حالة الدمار الاجتماعي والسياسي الذي شكل جزء كبير من التاريخ الحديث للشرق الأوسط.

كسر المحرمات

في عام 2006، أثار الفيلم المصري “عمارة يعقوبيان” الكثير من المشاكل لتصويره شخصية “الشاذ جنسيًا” بصورة معلنة، وطالب البرلمان المصري بأن يتم حذف المشاهد الجنسية، وانتقد الفيلم بتهمة “نشر الفحش والفجور”. وفي عام 2007، صدر الفيلم اللبناني “سكر بنات“، الذي تطرق إلى موضوعات المثلية الجنسية في واحدة من الشخصيات النسائية الأوليّة في الفيلم. ولكن بغض النظر عن الأعراف الاجتماعية التي يتم كسرها، أصبحت الأفلام أكثر جرأة على الصعيد السياسيّ أيضًا، ومثال ذلك الفيلم المغربي “جوّع كلبك” الذي بحث في الحملات القمعية لوزير الداخلية إدريس البصري ضد حرية التعبير في فترة السبعينات والثمانينات.

وتتحدث السلطي عن مدى براعة هذا النوع من العرض، قائلة: “إذا نظرتم إلى السينما العربية في الثمانينات والتسعينات وفي مطلع الألفية الجديدة، ستلاحظون أننا لم نجرؤ على مساءلة الناس الذين عذبونا بهذه الطريقة، ومن أجل التعبير عما فعله البصري في صورة شخص يجسّد شخصيته، فهذا أمر لا يصدق، لقد كسر المحرمات وتحدى الصمت والخنوع الذي لا يزال يعاني منه جيل معين في المغرب”.

الهوية: ما الذي يعنيه أن تكون عربياً؟

مع بداية الألفية الجديدة، كان هناك تحول ملحوظ نحو صناعة الأفلام الأكثر استفزازية، ورغبة متعمدة للتعامل مع الصراعات داخل الثقافة العربية. إنه حوار يتجاوز صناعة السينما وقد ازداد وجود هذا الحوار في الأفلام قبل وأثناء وبعد الربيع العربي. وبأكثر من طريقة، فإن السينما العربية تعكس هذا السؤال المعقد في مسألة الهوية، فيحاول الإجابة على ما الذي يعنيه أن تكون عربياً. ويمكن أن يشعر المرء بحالة أيديولوجية متقلبة، حالةٌ تتراوح بين مطالب القيام بثورة ثقافية وأخرى تطالب بتعزيز القيم المحافظة، وفي فيلم “ذيب”، أظهر ناصر كلجي المنتج المشارك هذا الشعور.

يقول كلجي:

“قبل أن نشرح ثقافتنا إلى الغرب، نحن بحاجة لشرحها لبعضنا البعض، مَن نحن؟ هل نحن عرب تقدميون يريدون أن يعيشوا في مجتمع مدني أو في مجتمع علماني يشجع الفن والموسيقى والثقافة؟ أم أننا نعيش في مجتمع يريد أن يكون دينيًا ويطبق الشريعة الإسلامية والعقيدة الدينية؟”.

مثل غيرها من أشكال الفن، تعمل السينما كأداة لاكتشاف الهوية، إما من خلال تعزيز أو هدم “الثوابت” الثقافية في المجتمع. وتصف نادين طوقان، المنتج المنفذ لفيلم “ذيب” والتي ساهمت بقوة في تمويل وإنتاج أفلام عربية في العقدين الماضيين، الطفرة الأخيرة في رواية القصص المعقدة بأنها “فرصة رائعة لجيل كامل من العرب لإعادة هندسة البيئة العربية والتعاون في مجال الفنون، وهناك جيل من رواة القصص العربية الذين ضاقوا ذرعًا من عدم تمثيلهم أو إساءة فهمهم من الطرف الآخر”.

استمرار مقص الرقيب

2192

وعلى الرغم من الهالة المحيطة بالفيلم وغيره من الأفلام العربية الأخرى، لا تزال هناك تحديات ضخمة تواجه السينما العربية؛ فمشهد التوزيع الفني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مازال قاتمًا، وهناك عدد قليل من دور السينما في المنطقة، وبالتالي فإنَّ العديد من الأفلام التي حظيت بالثناء في الخارج لن يشاهدها الجمهور العربي.

كما أنَّ معظم المحطات التلفزيونية تديرها الدولة أو قوى مرتبطة بالدولة، فإما أن تُرفض الأفلام غير التقليدية أو تخضع لرقابة مشددة، لكنَّ إنتاج الفيديو حسب الطلب يمنحنا بعض الأمل، كما تفعل التجارة غير الشرعية لأقراص الـ DVD للأفلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ أتاحت المزيد من الأفلام لجمهور أوسع بالرغم من رقابة الدولة أو سلطة الإعلام. وفي خطوة تقدميّة مثيرة، يحظى فيلم Theeb بانتشار غير مسبوق دور السينما بالمنطقة، وهو أمر لصالح السينما العربية الجديدة.

وتقول فيولا شفيق إنَّ هذا النوع من الأفلام العربية مثل فيلم ذيب، وسكر بنات، وجوّع كلبك، التي ظهرت في العقود الماضية، هو نوع فريد فيما يتعلق باستخدامه للتراث الثقافي في السرد الروائي، مما يشير إلى بحث جديد عن الهوية الثقافية. ومع ذلك، فإنَّ نجاح هذه الأفلام في التوفيق بين المُثل المتضاربة في العالم العربي -الماضي والحاضر، التقاليد مقابل الحداثة، الشرق والغرب- يقتصر على قدرة هذه الأفلام في الانتشار بالمنطقة. تقول فيولا شفيق: “لقد وُجّهت الجهود الفكرية لهذا النوع من الأفلام إلى الجمهور الغربي في المقام الأول، ولذلك ظلّ نجاحها في شباك التذاكر العربي محدودًا للغاية”.

ربيع السينما العربية؟

3

إنَّ الأمر لا يتعلق بمشاكل التوزيع فحسب؛ فأموال الإنتاج محدودة إلى جانب ارتفاع عبء أن يضع نفسه في الواجهة لتمثيل فكرة معينة أو تقديمها ويزداد مع ذلك عدد المشككين في قيام صناعة السينما العربية، وهناك برامج تدريبية قليلة لصنّاع السينما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبرنامج التدريب الوحيد في مجال الفنون السينمائية بالمنطقة أغلق أبوابه في عام 2013، وبالإضافة إلى ذلك، تبدو الرقابة صارمة للغاية، كما أن هناك عواقب وخيمة ضد صناعة الأفلام المناهضة للثقافة السائدة (لقد تعرض المخرج والممثلون في الفيلم المغربي “الزين اللي فيك” إلى تهديدات بالقتل، وتمّ حظر الفيلم في المغرب). فمثلما تزداد مستويات الابتكار والمخاطرة في الإبداع، كلما ازدادت كذلك العوائق التي تحول دون انتشار هذا الابتكار والإبداع.

وبالرغم من عدم فوز فيلم “ذيب” بجائزة الأوسكار هذا العام، لكنَّ وجوده بين المرشحين وحقيقة أنه يمثل الأردن التي لم تنتج أي أفلام أصلية إلا منذ 10 سنوات، هو شيء عظيم يستحق الفخر، إنه يشير إلى زيادة الاهتمام والاستثمار في مجال الفنون، والرغبة الجريئة لتغيير النظرة المتوقعة حول منطقة الشرق الأوسط الحديثة.

معظم هذه القصص ليست للرد على أي عقيدة غربية؛ إنها موجودة بالكامل باعتبارها أعمالًا أصلية، لقد عكست فكرة هذه الحركة البدايات الحماسية للربيع العربي قبل بضع سنوات، ووهج التفاؤل واهتمام العالم، ولكن هذه المرة، النتيجة غير واضحة، إذ أنَّ قوة الاندفاع إلى الأمام والنجاح الرمزي هي أمور لا يمكن إنكارها عند كثير من المخرجين، ولذلك، تقول نادين طوقان: “الوضع المثالي لن يقدّم نفسه للفنون السينمائية العربية. لذلك كل ما علينا فعله هو الإصرار على إدخاله إلى حيز الوجود”.

المصدر: The Atlantic

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.