من هو بيرني ساندرز؟ ولماذا تلقى رسالته الاشتراكية رواجاً في أمريكا؟

bernie

ماجد الهملان - الكويت

بدأ العد التنازلي لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقرر عقدها في نوفمبر المقبل، وسط صخب المرشحين ومحاولة كلٍ منهم نيل ثقة الناخبين للفوز بأهم منصب سياسي على مستوى العالم؛ إذ يتنافس على هذا المقعد عدة مرشحين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أبرزهم تيد كروز، ودونالد ترامب، وماركو روبيو من الجمهوريين، وهيلاري كلينتون، وبيرني ساندرز من الديموقراطيين، ومع احتدام المنافسة الانتخابية في الولايات الأمريكية؛ لا تزال الصورة غير واضحة عمن سيتنافس في الانتخابات النهائية بعد فوز مرشح واحد من كل حزب.

تصدّع الحزب الجمهوري

trump cruz rubio

في انتخابات الحزب الجمهوري التمهيدية، يسيطر المرشح المثير للجدل دونالد ترامب على المراكز الأولى؛ إذ لا تزال شعبية ترامب تتفوق على منافسيه من الحزب، ويرجع ذلك إلى خطاباته التي وصفها منافسوه بالعنصرية والمثيرة للكراهية على حساب الأقليات، حيث استطاع ترامب أن يستقطب عدة مؤيدين له، وقد ثبت ذلك جلياً بعد نتائج انتخابات الولايات التمهيدية حتى الآن، إذ حقق ترمب نجاحات بفارق كبير عن أقرب منافسيه من الحزب.

ولعل ما يجري على الجانب الجمهوري يعكس تصدّع الحزب خلال السنوات الثمانية السابقة؛ إذ خفت حدة سيطرة القيادة التقليدية للحزب بعد نهاية ولاية الرئيس جورج بوش الابن، وصعد تيار جديد في الحزب زعزع من تماسكه، وهو ما يُعرف باسم الـ”تي بارتي”، وهو تيار شعبوي جمهوري يهدف إلى الحد من الضرائب ورفع يد الحكومة الفيدرالية عن حياة المواطنين، وقد تاهت هوية الحزب خلال السنوات الماضية نتيجة صراع القيادة التقليدية مع تيار “حزب الشاي”، كما يسمى في بعض الأحيان.

ساندرز يعرقل تقدم كلينتون

Bernie Sanders, Hillary Clinton

 

إلا أن المثير في هذه الانتخابات هو ما يجري على ساحة الحزب الديموقراطي، الذي كان أعضاؤه يعدون العُدة لتزكية وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون للمنافسة على الرئاسة ممثلة للحزب، إلا أن الرياح قد سارت بما لا تشتهي كلينتون؛ إذ برز نجم الرجل العجوز بيرني ساندرز في هذه الانتخابات بعد أن حقق تقدماً جيداً وصل إلى زعزعة موقف كلينتون، بعد أن كانت مطمئنة لكونها المرشحة الأقرب لنيل تزكية الحزب الديمقراطي حتى منتصف العام الماضي، فقد فاجأ عضو الكونجرس ساندرزالجميع بدخوله سباق المنافسة مع كلينتون وحصوله على نتائج متقاربة في انتخابات ولايتي آيوا ونيفادا، وكذلك الفوز بانتخابات ولاية نيوهامبشر.

التقدم الملحوظ والمفاجئ لساندرز طرح عدة تساؤلات حوله؛ فكيف استطاع ساندرز التفوق على كلينتون بهذه السرعة وهي تفوقه بالشهرة والشعبية إذ سبق لها الترشح للرئاسة، بالإضافة إلي كونها وزيرة سابقة للخارجية بإدارة الرئيس باراك أوباما؟ ومن هو بيرني ساندرز المرشح الذي استطاع بفترة وجيزة اللحاق بكلينتون، بل وشكّل لها تهديداً حقيقياً بالفوز كمرشح للحزب الديمقراطي؟

من هو بيرني؟

young bernie sanders

ولد بيرنارد ساندرز بحي بروكلين بولاية نيويورك عام 1941، وهو ما يجعله مرشح الرئاسة الأكبر سنًا في تاريخ الولايات المتحدة، وقد نشأ بأسرة فقيرة حيث كان والده مهاجرًا من بولندا أتى للولايات المتحدة بعد أن قُتلت أسرته في الحملة النازية ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية.

بدأ “بيرني”، كما يلقبه مؤيدوه، حياته السياسية كناشط اجتماعي لحقوق الأقليات حتى ترشحه كمستقل وفوزه بعضوية مجلس الشيوخ ممثلاً عن ولاية فيرمونت، ويعتبر ساندرز العضو المستقل الأقدم في تاريخ الكونغرس الأمريكي؛ إذ يمثل ناخبيه في واشنطن منذ عام 1991 كنائب مستقل لا يتبع لأي حزب، رغم تنسيقه وارتباطه في بعض المواقف مع الديموقراطيين.

كما استطاع ساندرز خلال فترة وجيزة في هذه الانتخابات التمهيدية للرئاسة أن يلقى شهرة وشعبية واسعة بالولايات المتحدة، بالرغم من أفكاره التي تعتبر جديدة على المجتمع الأمريكي؛ إذ يُصنف ساندرز نفسه كاشتراكي ديمقراطي في دولة رأسمالية حاربت الأنظمة الاشتراكية والشيوعية طوال القرن الماضي.

برنامج طموح

image7

وهنا يتجدد التساؤل، كيف استطاع بيرني ساندرز ذو التوجه الاشتراكي الحصول على شعبية واسعة في دولة رائدة في الاقتصاد الرأسمالي؟

ركز ساندرز في حملته الانتخابية على عدة قضايا لاقت تأييدًا كبيرًا، وخصوصًا بين فئة الشباب، وذلك من خلال رسالة واضحة ومحددة مفادها:

الأغنياء يسيطرون على مفاصل الولايات المتحدة ويرسمون السياسة بما يوافق مصالحهم، تاركين الطبقة الوسطى تتآكل وتصبح أكثر فقراً، بينما تزداد أرباح الأغنياء، وقد حان الوقت لأن تخدم الحكومة كافة الشعب لا مجموعة صغيرة من النافذين.

ويرى ساندرز أن الحل لمواجهة ذلك هو إيجاد دور أكبر للحكومة في تنظيم الأسواق، وتصحيح النظام الضريبي بما يسمح للأغنياء بدفع المزيد من الضرائب للمساهمة في تمويل الدولة، فضلاً عن خلق برامج اقتصادية تساهم في إعادة بناء الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل.

كما يرى ساندرز ضرورة إعادة النظر بطرق تمويل الحملات الانتخابية، وتقليص تأثير البنوك والشركات الأمريكية الكبرى على السياسة، بالإضافة إلى معالجة قضية التفاوت الطبقي بين الأقلية الغنية والأغلبية الفقيرة، كما يشمل برنامجه ضمان مجانية التعليم الجامعي في الجامعات الحكومية وتوفير الرعاية الصحية للمواطنين الأمريكيين دون مقابل، أسوة ببقية الدول الصناعية الكبرى.

واجه ساندرز العديد من الانتقادات بسبب بعض أفكاره التي يصفها خصومه بأنها غير واقعية، لا سيما فيما يتعلق بمجانية التعليم والصحة، إذ يطالب ساندرز أن يتم تمويل هذه الخدمات من خلال رفع معدل الضرائب على الأغنياء الذين “لا يدفعون حصّتهم العادلة من الضرائب”، حسب قوله.

ولكن في الوقت نفسه، لاقت تلك الأفكار تأييد العديد من الأمريكيين، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي مرت بها الولايات المتحدة بعد الأزمة الاقتصادية من ارتفاع في معدلات البطالة، علاوة على ارتفاع مؤشرات الفقر والتفاوت الطبقي بشكل ملحوظ في العقود الثلاث الأخيرة، إذ تبين المؤشرات أن الطبقة الأكثر ثراءً ازداد ثراؤها بينما ازداد الفقراء فقراً خلال السنوات الماضية خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببت بها البنوك والشركات الكبرى.

الخط الأزرق يبين معدل دخل الواحد بالمئة الأغنى في الولايات المتحدة مقارنة ببقية الطبقات الأخرى منذ عام 1979

الخط الأزرق يبين معدل دخل الواحد بالمئة الأغنى في الولايات المتحدة مقارنة ببقية الطبقات الأخرى منذ عام 1979

ما مدى واقعية أفكار ساندرز؟

Bernie Sanders

لم يكن المرشح بيرني ساندرز هو أول من طرح تلك القضايا على الساحة السياسية الأمريكية، فبعد أزمة الكساد الكبير في عام 1929 وما لحقها من تبعات في العقود اللاحقة، أقر الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت رزمة إصلاحات اقتصادية سميت “بالعهد الجديد“، تتلخص بإيجاد دور أكبر للحكومة في تنظيم السوق الأمريكي وتوفير فرص عمل وحفظ لحقوق العمال، بالإضافة إلى فرض قانون الضريبة التصاعدية ووضع مستويات التدرج المالي لأول مرة بتاريخ الولايات المتحدة. وقد ترتب على تلك الإصلاحات ازدهار ملحوظ للطبقة الوسطى في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إذ وصل متوسط أعلى معدل للدخل في الولايات المتحدة (أكثر من مليون دولار سنويًا) إلى 82%، وبلغ ذروته بنسبة 91% منذ عام 1930 وحتى العام 1980.

إلا أنه وبعد تولي الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في العام 1981، تبنت الولايات المتحدة النهج الاقتصادي النيوليبرالي، وذلك بإقرار قوانين جديدة قلصت دور الحكومة في مراقبة الأسواق، ومنحت الشركات حرية شبه مطلقة تحت شعار “تحرير الأسواق وتشجيع المنافسة”، كما تم إلغاء قانون الضريبة التصاعدية في عام 1986 أثناء فترة ولاية ريغان، وذلك بعد نصف قرن من إقراره.

كانت تلك السياسات بمثابة البداية التي أدت إلى نشوء الأزمة الاقتصادية في العام 2008، وذلك بسبب مخاطرات الشركات والبنوك الأمريكية الكبرى بهدف تحقيق أكبر معدل للأرباح في ظل رقابة حكومية هامشية، مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى إنقاذ تلك الشركات والبنوك بمليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب، تحت مسمى إنقاذ الاقتصاد الأمريكي.

الاشتراكية في الملعب الرأسمالي

Bernie Sanders Campaign Rally madison

ويدور حول الاشتراكية الكثير من اللغط خصوصًا في الولايات المتحدة، فهي من المصطلحات المثيرة للجدل بالنسبة للمجتمع الأمريكي، وذلك بسبب الدعاية التي قادتها الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، وتسويقها على أنها أفكار معادية للحرية والديموقراطية، وكذلك ربطها بالنموذج السوفييتي الديكتاتوري المعادي لمبادئ السوق الحر.

في ظل ذلك، نجحت بعض الدول الأوروبية والإسكندنافية في تبني تلك المبادئ الاشتراكية بجانب نظام الحكم الديموقراطي بهدف ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية؛ مما خلق توازن في أنظمتها الاقتصادية الرأسمالية، بحيث يتمتع مواطنو تلك الدول بتعليم وخدمات صحية مجانية بجودة عالية مقابل دفع ضرائب مرتفعة نسبيًا. وتحتل هذه الدول المراتب الأولى عالميًا في معدلات الرضا والشفافية وحفظ حقوق العمال والأقليات، وباتت العديد من الدول في العالم تسعى لتبني النموذج الإسكندنافي المميز بغية خلق توازن بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي، ويقضي النموذج بتحديد دور أكبر للحكومة ضمن إطار ديموقراطي، وهو ما جعل بعض الدول تعيد النظر بالنهج النيوليبرالي وما يتضمنه من خصخصة التعليم والخدمات الصحية وبعض القطاعات الحيوية، أو تأميم تلك القطاعات بعد أن فشلت الخصخصة في تطويرها ورفع كفاءتها.

أثر ساندرز على النقاش السياسي

 

على أرض الواقع، لا يزال الصراع الانتخابي التمهيدي للرئاسة الأمريكية في بدايته، ومن المقرر أن يدخل مرحلة الحسم خلال الأيام المقبلة مع تصويت المزيد من الولايات في الانتخابات التمهيدية. وبالرغم من أن “ظاهرة” بيرني ساندرز باتت تجتاح العديد من المدن والجامعات الأمريكية إذ تلقى رسالته قبولًا كبيرًا بين الشباب، إلا أن نتائجه الانتخابية قد لا تعكس هذا النجاح بسبب سيطرة القوى التقليدية في الحزب الديموقراطي على مقاليد الأمور، وهو الأمر الذي يسعى بيرني لمحاربته من خلال ما يسميه “الثورة السياسية” التي يقودها.

gty_Bernie_Sanders_mm_150702_12x5_1600

قد ينجح بيرني في تغيير السياسة الأمريكية، إلا أن التحدي أمامه – إن فعل – سيكون في قدرته على إيجاد أغلبية مريحة لتمرير تلك القوانين على السلطة التشريعية الأمريكية، وهو أمر يتطلب الكثير من الجهد. وسواء فاز بيرني أم لم يفز، فإنه قد تمكن حتمًا من التأثير بشكل غير مسبوق على الانتخابات الأمريكية من خلال طرح مواضيع جديدة ومهمة للنقاش، وتحريك جموع الناخبين خلف هذه الأفكار، التي يبدو أنها ستستمر كجزء من النقاش السياسي في الولايات المتحدة لسنوات قادمة.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن