لماذا انخفض ذكر الإسلام في أغاني الهيب هوب الأمريكية؟

لماذا يختفي الإسلام من الهيب هوب؟

توضح البيانات أنَّ الإشارات إلى الإسلام في كلمات أغاني الهيب هوب وصلت إلى أدنى مستوياتها رُغم انتشارها في السابق، بينما يتحدث مطربو الراب عن المسيحية أكثر من أي وقت مضى؛ إذن فلماذا تخلى الراب عن إله من أجل إله آخر؟

في يوليو من عام 2015، خرج مغني الراب الشهير جاي إلكترونيكا من عزلته الاختيارية وظهر في مهرجان الهيب هوب بولاية بروكلين، وأدى العديد من الأغاني الرائعة التي أبهرت مغني الراب العالمي جاي زي الذي التف حوله أعضاء حركة “ثمرة الإسلام” (Fruit of Islam) التابعة لحركة “أمة الإسلام” (Nation of Islam)، حيث خلع جاي زي القلادة اللامعة حول عنقه والتي تحمل شعار حركة “أمة الخمسة في المئة” (Five Percent Nation) -وهي مجموعة إسلامية خاصة بالمجتمع الأمريكي الأسود-، ووضعها على رأس جاي إلكترونيكا، وفي لحظة عابرة، ظهرت موسيقى الهيب هوب كما كانت في السابق: قوية، قاصرة على السود، وذات طابع إسلامي.

اختفاء الإشارات الإسلامية

12

مرت تلك اللحظة بسرعة، وفي حالة استثناء نادرة، لم يتم الحديث في تغطية المهرجان عن حركة “ثمرة الإسلام”، ولا عن حركة “أمة الإسلام” التي يتبع لها جاي إلكترونيكا، ولا عن قلادة أمة الخمسة في المئة التي يرتديها جاي زي، وهذه ليست مفاجأة، فهذه تصرفات شائعة في أشرطة الفيديو لفرق الراب الأخرى مثل “تمبرلاند”، لكن صورة حركة أمة الإسلام والإشارات الإسلامية الأوسع قد اختفت من موسيقى الهيب هوب في السنوات الأخيرة، وغالبًا ما يطلق على الدين الإسلامي بأنه “دين الهيب هوب غير الرسمي”، لكن الآن بات قوة مهملة في أغاني الراب، والسؤال هنا: ماذا حدث؟

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي العودة إلى عام 1998؛ حيث كان الهيب هوب على مفترق طرق في تلك الفترة: راسخًا كقوة تجارية مهيمنة ولكنه يعاني من موت اثنين من أكبر نجومه، “توباك” و”بيغي“، وكان هناك فراغًا كبيرًا في قمة الراب، وقد حاول العديد من المغنيين ملء هذا الفراغ دون جدوى، إلى أن ظهر جاي زي في عام 1998 وأصدر أول ألبوم له، في حين شق مغني الراب الشهير إيرل سيمونز طريقه نحو النجومية وأصدر ألبومين، كما أصدر الثنائي “Outkast” ألبومهم الرائع بعنوان “Aquemini“، ولكنَّ عام 1998 كان مهمًا للغاية لأنه كان العام الأول لدخول الهيب هوب في التيار العام أو الموجة العامة للجمهور، وهو الأمر الذي فشل الإسلام في الوصول إليه في الولايات المتحدة، إذن ما الذي حلّ محلّ الإسلام في أغاني الراب؟ الإجابة ببساطة هي: المسيحية.

لقد تم معرفة هذا بفضل إحصائيات الراب، وهي أداة بموقع Genius.com تحدد “تكرار العبارات الواردة في أغاني الراب منذ عام 1988 وحتى اليوم”، وفيما يلي رسم بياني بدأ في عام 1990 (“السنة التي انطلقت فيها الراب“، وفقًا لمحرر الموقع بول في جرين)، يوضح أن استخدام مطربي الراب لــ “كلمة “مسلم” تجاوز استخدامهم لكلمة “مسيحي”.

حرب المسيحية والإسلام في ساحات الهيب هوب

33

وكما هو واضح، يستمر صعود الاتجاه الذي يستخدم كلمة “مسيحي” في أعلى مستوى على الاطلاق، وكلمة “مسلم” في أدنى مستوى لها على الإطلاق مع مرور الزمن، ولكن هاتين مجرد كلمتين؛ ما يتطلب البحث بعمق أكثر. فلننظر إلى استخدام كلمات كـ “الله” و”God” والتي عادة ما ترمز لفارق بين المسلمين والمسيحيين في الولايات المتحدة.

3

695

في معركة الرب (God) في المسيحية مقابل “الله” في الإسلام -فيما يتعلق بالهيب هوب على الأقل- تنتصر كلمة الرب على كلمة الله. لا تركز على تكرار الكلمتين هنا، لقد استخدم مطربو الراب دائمًا كلمة “الرب” أكثر من كلمة “الله”، وكلمة “الرب” هي مصطلح أكثر عمومية بكثير من “الله”، ولذلك يزداد استخدام هذه الكلمة في أغاني الراب.

وفي عام 2014 تمّ استخدامها في موسيقى الهيب هوب أكثر من أي وقت مضى، وعلى العكس من ذلك، فإنَّ استخدام “الله” أخذ في التناقص إلى أن وصل إلى أدنى مستوياته في عام 2014، وينطبق الشيء نفسه على الكتب المقدسة للإسلام والمسيحية؛ حيث يتم استخدام كلمة “الإنجيل” أكثر من أي وقت مضى، في حين أصبحت كلمة “القرآن” أقل استخدامًا باستثناء عام 1988.

336

هذا ليس كل شيء؛ إذ وصل استخدام كلمة “الإسلام” إلى أدنى مستوياتها، وكلمة “مكة” التي ازداد استخدامها في بداية التسعينات، نادرًا ما تُستخدم الآن، والشيء نفسه ينطبق على كلمة “مسجد“.

Untitled

وفي الوقت نفسه، استخدم مغنو الراب كلمة “كنيسة” أكثر هذا العام من أي كلمة أخرى باستثناء عام 2010، وكلمة “آمين” (وهي كلمة ترتبط بالمسيحية) أكثر من أي وقت مضى.

2258

هناك مقارنة أخرى بين “محمد” مقابل “يسوع”؛ إذ أن الفترة من عام 1988 إلى عام 1992، تمّ ذكر اسم النبي محمد واليسوع من قِبل مطربي الراب بنفس عدد المرات تقريبًا، واليوم أصبح الفرق أكبر من أي وقت مضى.

dsf

تغير صناعة الموسيقى

وهنا يبرز السؤال: ما سبب التغيير في التفضيل الديني لمغني الهيب هوب؟

في البداية، هناك تغيير كبير في القائمين على صناعة الموسيقى في العالم، بدأ بالبروز في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، إذ امتلأ العالم بمغنيين الراب المسلمين الذين ينتمون إلى حركة أمة الإسلام (Nation of Islam) وحركة أمة الخمسة في المئة (Five Percent Nation)، وهي جماعات متجذرة في التعاليم الإسلامية على الرغم من أعضائها قد لا يعتبرون أنفسهم من المسلمين، حتى مغنيين الراب خارج تلك الجماعات استخدموا المفردات الإسلامية التي تسللت إلى التيار العام لموسيقى الهيب هوب.

وفي ورقة بحثية تحدد العلاقة بين الهيب هوب والإسلام، كتب أستاذ الأنثروبولوجيا تيد سويدنبورغ من جامعة أركنساس أنَّ العديد من مصطلحات أمة الخمسة في المئة مثل “droppin’ science” و”sup G”، و “let me break it down for ya”، أدت إلى ظهور لغة موحدة داخل مجتمع الهيب هوب لدرجة أنهم فقدوا إيقاعهم الأصلي، على الأقل بالنسبة للجماهير الذين لا يعرفون شيئًا عن الإسلام في موسيقى الراب.

وتضم قائمة مغنيين الراب الأكثر شهرة التابعين لحركة أمة الإسلام، وحركة أمة الخمسة في المئة وغيرها من الحركات الإسلامية التقليدية، كل من براند نوبي (Brand Nubian)، وناس، وراكيم، وغانغ ستار، وموب دييب، وPoor Righteous Teachers وعدد من أعضاء Wu-Tang Clan، ولا يزال العديد منهم يصدرون الألبومات ويقيمون الحفلات وهم في سن الأربعين، ولكن لا تربطهم علاقة وثيقة بالقاعدة الجماهيرية الكبيرة لموسيقى الهيب هوب.

لذلك، فإن مغنيين الراب المتعاطفين مع الإسلام هم الأكبر سنًا، والأقل إنتاجًا، وفي حالة أوشيه جاكسون المعروف باسم “Ice Cube“، فهو مشغول بصناعة الأفلام العائلية السيئة، لقد حلّ محّل هؤلاء النجوم جيل جديد من مغنيي الراب الذين ظهروا أثناء تلاشى نفوذ حركة أمة الإسلام وأمة الخمسة في المئة، حيث نشأوا في فترة لم يقتصر فيها الهيب هوب على المدن الكبرى؛ إذ كانت تلك الجماعات أقوى، وهذا يعني أنَّ وجهات النظر الدينية في الهيب هوب بدأت تعكس أمريكا ككل بشكل أفضل.

img_43491

ارتباط الإسلام بالإرهاب

يفسّر لنا تغيّر الأجيال والتحوّل الجغرافي حقيقة ابتعاد الهيب هوب عن الإسلام، لكنه لا يحكي الحقيقة كاملة، إذ لعبت أحداث 11 سبتمبر دورها أيضًا، وعلى عكس الجيل السابق من مغني الراب مثل Mos Def، وQ-Tip، وFreeway، الذين اعتنقوا الإسلام وهم في سن المراهقة، فقد وُلِد مغنيين الراب الجدد في الألفية الجديدة في عصر ارتبط فيه الإسلام بالإرهاب والتدمير.

الكاتب نعيم مهيمن في مقالة له بعنوان “الخوف من كوكب مسلم: الجذور الإسلامية للهيب هوب” يقول: “في العقد الذي أعقب أحداث 11 سبتمبر، انخفضت وجهات النظر الأمريكية تجاه الإسلام، وفي الوقت نفسه، فإنَّ مغنيين الراب المسلمين المتدينين الذين نضجوا بعد أحداث 11 سبتمبر اعتنقوا هوية إسلامية أكثر حزمًا، وعلى عكس أنصار حركة أمة الخمسة في المئة، فقد أصبح هؤلاء ملتزمين بوجهة نظر إسلامية تقليدية وهوية متعددة الأعراق، وفي كلمات الأغاني، توجد مخاوف كثيرة عن المسلمين في الغرب وبيئة الحريات المدنية الحالية”، وقد ذكر مهيمن في مقاله أسماء أكثر من عشرة مغنيين راب أطلق عليهم اسم “Generation M”، وربما لم يسمع الجمهور عن أي منهم لأنهم غير معروفين.

Islam-in-Hip-Hop-002re4183519759

كانيي ويست يضع قلادة اليسوع بينما يضع جي زي قلادة أمة الخمسة بالمئة

إنها ليست مفاجأة أنَّ الصورة الإسلامية الصريحة ستظل تعاني من صعوبة بالغة في اقتحام التيار الرئيسي لجمهور الراب، بينما تتمكن الألفاظ الخاصة لحركة “أمة الخمسة في المئة” من تقديم نفسها بشكل أسهل للجمهور، كاللغة التي يستخدمها بعض مغنيين الراب مثل “Method Man“. وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “Zogby” تفضيل الشعب الأمريكي للمسلمين الأمريكان بنسبة 27 بالمئة فقط، وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى المسيحية بشكل إيجابي أكثر بكثير من الإسلام. ببساطة، فإن استخدام كلمة يسوع أصبح أكثر رواجًا وانتشارًا من كلمة محمد في كلمات أغاني الراب.

انتشار قلادة “اليسوع”

ولإثبات ذلك، انظر إلى صدر مغني الراب المفضل لديك، هناك احتمالات بوجود قلادة ليسوع مرصعة بالألماس تتدلى على صدره، كان أول من ارتدى هذه القلادة هو Ghostface Killah في عام 1994، وكان مغني الراب الشهير كريستوفر جورج والاس الشهير باسم “بيغي” من أكبر المعجبين بقلادة المسيح، حتى ظهر كانيي ويست الذي زاد من شعبية هذه القلادة عن طريق ابتكار أسلوبه الخاص في عام 2004، كما زادت أغنية “The Game” من شهرة القلادة في عام 2012 عندما أطلق ويست على ألبومه اسم “Jesus Piece” أو “قلادة اليسوع”، وأعلن أن هناك شيئًا خاطئًا في تدخين الحشيش، والذهاب إلى نوادي التعري، وتناول الدجاج المقلي وفي الوقت نفسه الإيمان بالله.

وقد ظهرت قلادة اليسوع على صدور جميع مغني الراب على مدى العامين الماضيين، من مغني الراب الشهير Tyler the Creator إلى J Cole، ومن مغني الراب الممل والبدين ريك روس إلى فرقة الراب المثيرة “Migos”، في بداية هذا الصيف، أظهر مغني الراب ليل بوسي مدى هوس مطربي الهيب هوب بيسوع عندما اُلتقطت له صورة وهو يرتدي قلادة يسوع تزن 10 أرطال وتبلغ قيمتها 200 ألف دولار.

إذن، ما السبب وراء تديّن مغنيين الهيب هوب في الآونة الأخيرة؟ قدّم مغني الراب “Wale” الجواب الأبسط لهذا السؤال في أغنية ينتقد فيها قلادة يسوع بعنوان “Golden Salvation”، إذ قال: “لقد أصبح الدين مجرد طراز يهتم بالموضة، وإذا لم يكن كذلك، فلماذا ازدادت شعبية هذه القلادة السخيفة؟”.

المصدر: Vocative

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.