بثينة العيسى: في عين العالم

كلّ واحدٍ فينا يريدُ أن يكون مرئيًا.

العالم ليس كفيفًا، ولكنه مع ذلك لا يرانا. تساءلنا مرارًا إن كانت هذه غلطته، أم أنّها غلطتنا نحن. فنحنُ غير مرئيين رغم أننا موجودون، والعالم ليس كفيفًا رغم أنّه لا يرى.

بمجرّد أن تدرك حقيقة الأمر، ومثل جميع من قبلك، سوف تحاولُ أن تكون مرئيًا. أنت تعرف بأن وجودك في ذاتِه ليس كافيًا، وتريد أن تدفع حقيقتك إلى مستوىً قابل للملاحظة. سوف تحاول أن تفعل بعض الأشياء لكي يراك العالم. مثل أن تبرع في أمرٍ ما؛ ترسم، تعزف، تزيلُ ورمًا من دماغِ أحدهم، تؤلف الكتب.

في تلك اللحظة سوف تحصل على بعض الامتيازات. ستصبح خطوتك على الأرض أثقل. ستحدث حركتك بعض الأصوات، وسوف تصير شيئًا مختلفًا عن ظلك. سوف يراك الجميع؛ المرئيون منهم وغير المرئيين أيضًا.

لكي نصف ما يحدث بدقةٍ أكبر، سنقول بأنَّك ستتحوّل، في عين العالم، من رقمٍ إلى فرْد.

في اللحظة التي ستتحول فيها إلى فرد ستنسى أن السواد العظيم الذي خرجت منه ليس رقمًا. سوف تصدّق بأنّك مختلفٌ عن سواك. ربما أسعفتك موهبتك، ربما كنت أكثرهم حظًا. سوف تنتمي إلى “الطبقة المضيئة” التي حلمتَ بها طويلا، حيث الأشخاص مرئيين وليسوا مجرّد أرقام تُتَرجم كل يوم إلى إحصائيات استهلاكية.

سوف يلوثك الضوء لأنك هش وغير مدرَّب. سوف تصدّق الامتيازات التي يسبغها عليك العالم الذي قرّر أن يرى بنصفِ عين. عالم غير كفيف ولكنه غير مبصر، عالم العين المشروطة، الذي لا يرى إلا أشخاصًا بعينهم، نجحوا في لفتِ انتباهه، حتى لو كان ذلك يعني أن يتحولوا إلى مهرّجين.

ربما ستباغتك الأضواء لبعض الوقت، ولكن لنتخيّل الآن أنك ستسترجع وعيك. أنك سوف تتذكّر المكان الذي أتيت منه؛ أخدود العتمة الأبدية حيث يقبع ملايين من الناس دون أن يكترث لهم أحد. سوف تبدأ في فعل بعض الأشياء لكي تساعد غيرك على الخروج إلى النور، لكي تذكّر الآخرين بوجوب رؤية الجميع؛ الناجحين وغير الناجحين. الجميلين وغير الجميلين. الموهوبين وغير الموهوبين. المثقفين وغير المثقفين.

لا تدري ما الذي حدث. لكن ستبدأ في تلك اللحظة محاولة تدميرك. لن تفهم الأمر وقتها؛ لماذا يحاولون التخلّص منك؟ فأنت مرئي، لقد قمتَ بما عليك فعله لكي تُرى.

ستعرف، متأخرًا، وبعد أن تستقرّ سكّينهم في خاصرتك، بأنّهم يريدونك مرئيًا بالقدر الذي يسمحون به هم. أي زيادة في المرئية ستدفع حياتك ثمنًا لها. فالعالم لا يتسامح مع شخصٍ له كل هذا التأثير، أنتَ خطرٌ على النظام، وينبغي عليه التخلّص منك بسرعة، مثلما تخلّص من كل من قبلك.

تخيّل الآن كل ما كنتَ عليه.. كل كفاحك وكدحك، كل مواهبك وكل حروبك، كل نجاحك وكل فشلك، كان في حقيقته لمنح صبغة شرعية لعين العالم التي لا ترى، لكي توافق على أن يبقى السواد الأعظم في الظلام.

أن نسبة المرئية التي حصلتَ عليها كانت من أجل تكريس لا مرئية غيرك، ولا إنسانيّته. ستجد نفسك خادمًا للنظام العنصري، الطبقي، الذي تدينه.

* نشرت في الصدى الإماراتية

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن