شباب اليمن يتجهون للسينما والفن لمواجهة صراعات الحرب

maxresdefault

“الحرب ليست فقط ساحة للمتطرفين وتجّار الحروب، وإنما أداة تحرّك الفنانين”

– جوشوا ليفكوفيتز

في أغسطس 2015، قال بيتر مورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر: “إنَّ اليمن بعد خمسة أشهر تشبه سوريا بعد خمس سنوات”، حرب اليمن هي كارثة منسيّة، ويتحمل المدنيون فيها العبء الأكبر من العنف هناك، ووفقًا للأمم المتحدة، فإن أكثر من 2700 شخصًا قُتلوا وأصيب أكثر من 5000 آخرين، كما تمّ تدمير المدارس والمستشفيات والطرق جرّاء الحملة الجوية التي قادتها السعودية، فيما هاجم الحوثيون والجماعات المقاتلة الأخرى الأحياء، وقاموا بتجنيد الأطفال، وخطفوا مئات المدنيين في أجزاء مختلفة من البلاد.

إن الصراع بهذا الحجم هو أمر جديد في هذا البلد، ولكنَّ المدنيين وجدوا الطرق المناسبة للتعامل مع الفظائع التي مرّوا بها.

المزاج الثقافي الشعري

image1453970198-38437-PlaceID-0_s660x390

تشتهر اليمن بتقليد تسوية النزاعات المجتمعية دون اللجوء إلى الدولة، وهناك سابقة تاريخية لليمنيين وهي استخدام التعبيرات الإبداعية عن الذات باعتبارها وسيلة لتفسير أو التخفيف من حدّة النزاع؛ على سبيل المثال، اشتهر الشعب اليمني بالمزاج الثقافي الشعري لأكثر من 15 قرنًا، فقد حافظت التقاليد الشفهية والقرآن الكريم على إحياء وقوة الشعر في أجزاء واسعة من اليمن. يوثّق ستيفن كيتون في عمله الإثنوغرافيّ الشهير “قمم اليمن” الدور التقليدي للشعر في حل النزاعات القبلية داخل البلاد، ويصف كيتون كيف أنَّ كل من الوسطاء والمتنازعين من قبيلة الخولاني استخدموا الشعر للاجتماع وتسوية النزاع على مرج يزعم كل طرف بأنه مرعى لأغنامه.

وقد أدى التحوّل في اليمن بعد ثورات الربيع العربي إلى انقسام حادّ في سيطرة الدولة على الأمن، وأصبح تقليد المبادرات المجتمعية، بما في ذلك الفن، أكثر أهمية في الحوارات المستقبلية وتسوية المنازعات، وباتت المنظمات اليمنية والأفراد يستخدمون الفن لمساعدة جيرانهم وأبنائهم على مواجهة ونسيان أو الهروب من واقعهم الصعب، والآن، توفر المبادرات الفنية المختلفة آلية المواجهة المناسبة لليمنيين، ومع ذلك، فإنها تغرس أيضًا الشعور بالانتماء للمجتمع، مما يمهد الطريق للمصالحة عقب انتهاء النزاع.

التعبير عن الحرب في “بيسمنت”

yemenart

إحدى منظمات المجتمع المدني هي مؤسسة بيسمنت الثقافية، ينظم أعضاء المؤسسة العديد من الفاعليات حول تطوير الفنون والثقافة، والمسؤولية المجتمعية، ويعتقد مؤسسها، سبأ الصليحي، أنَّ المؤسسة أثبتت مرونتها في مواجهة الصراع الحالي، ويقول: “هذه الحرب المجنونة تدمر كل شيء، لكنها لا تدمر أحلامنا، لقد تضررت مساكننا بسبب الضربات الجوية، لكننا تخلصنا من حطام الحرب وواصلنا أنشطتنا، نحن نفعل ذلك بعد كل غارة جوية لكن الآن لم يعد هناك مزيد من تلك الغارات”.

وقد تناولت الفاعليات الأخيرة للمؤسسة موضوع الحرب، وفي نوفمبر عام 2015، عرض الفنان نبيل قاسم ألبوم “لحظات خوف”، واستعرض قاسم أكثر من 200 لوحة رسمها منذ بدء الحرب. استوحى قاسم اللوحات عندما حرمه انقطاع الكهرباء المستمر من الرسم، مما جعله يخاف حتى من ظله، وفي نهاية المطاف قرر رسم ظله، وذلك باستخدام المواد الأساسية التي يمكن أن يجدها في الظلام مثل ورقة وأقلام خشبية، وبعض أقلام التخطيط، وقطع من الخشب، وصوّرت الرسومات تفسير قاسم الفريد للخوف المشترك الذي يعيش فيه جميع الشعب اليمني الآن.

كان الحدث الثاني بعنوان “شظايا” في ديسمبر عام 2015، وقام فريق مؤسسة بيسمنت بتدريب 13 من الفنانين للتعبير عن آرائهم حول الحرب من خلال الموسيقى، والرسم، والتصوير الفوتوغرافي، والكتابة، وقد حضر ما يقرب من 130 شخصًا في ليلة الافتتاح لسماع الموسيقى ورؤية الفن وهو يواجه آثار الحرب، وقال عزيز مرفق، أحد المنظمين للحدث، أن شظايا هي وسائل فنية يمكن “أن تساعدنا خلال هذه الحرب على أن ننسى الحياة القاسية التي نعيشها”.

وفي وقت لاحق، أعرب عزيز عن شكّوكه في قدرة الفنون على إحلال السلام، ويعتقد أن الحل السياسي هو الذي يمكن أن يُحدث التغيير الحقيقي. بالرغم من ذلك، تساعد مبادرات الحوار والفن في مؤسسة بيسمنت على المستوى الشعبي في إثارة وتوطيد العلاقات السلمية، التي يجب أن يقوم عليها أي حل طويل الأجل للصراع اليمني.

صناعة الأفلام في ساحات الحرب

basement yemen (1)

انتشرت إحدى منظمات صناعة الأفلام في اليمن خلال الحرب، وجذبت انتباه الكثيرين من خارج اليمن، وهي تنقل رسالة أمل للشعب اليمني، هذه المنظمة تحمل اسم #SupportYemen، وقد أنشئت عام 2011، وتسلط هذه المنظمة الضوء الآن على بعض القضايا بما في ذلك الحرب والصمود المجتمعي من خلال الأفلام القصيرة، وقد حاول أعضاء المنظمة التعبير عن الفن الذي يعرض اليمنيين وهم سعداء رغم الصعوبات التي يواجهونها.

يعتقد عبد الرحمن حسين، واحد من صناع الأفلام بمنظمة #SupportYemen، أن هناك حاجة لصناعة الأفلام الآن أكثر من أي وقت مضى لخلق فرص لليمنيين لبدء عملية التعافي من الصراع، ويقول عبد الرحمن: “في الوقت الذي يصبح فيه حمل الكاميرا أخطر من حمل السلاح، لا يزال من الممكن أن نستمر في تصوير الأفلام”.

واحد من الأفلام القصيرة التي صنعها عبدالرحمن هو فيلم “لحن غربتنا“، والذي يدور حول تسامح سكّان العاصمة صنعاء مع الشعوب من مختلف الثقافات منذ القرن الرابع قبل الميلاد. ويُذكّر الفيلم المواطنين بألا ينسوا شجاعتهم خلال هذه الأوقات العصيبة وأن يتحدوا معًا ليشكّلوا عناصر التغيير السلمي. أما “لون الظلم“، فهو فيلم قصير آخر من صناعة حسين، يُعرض فقط بالأبيض والأسود لتمثيل الموت والدمار الذي يتحمله الشعب اليمني كل يوم، ومن خلال فنه الإبداعي، يحظى حسين بإعجاب وتقدير من الشبان والنساء في اليمن القادمين من المجتمعات المختلفة، والذين تحدوا القصف اليومي، لمساعدته على الانتهاء من التصوير.

ورأت بعض الجهات الدولية المانحة إمكانية وصول الأفلام إلى اليمن التي تمزقها الصراعات، وفي الصيف اشتركت إحدى المنظمات مع المجلس الثقافي البريطاني لإقامة معسكر “قمرة”، وقد تم تدريب 12 من صانعي الأفلام الطموحين على صناعة الأفلام وسط الحرب الدائرة عبر إقامة ورشة عمل مكثّفة لمدة أسبوعين. قام المدربون خلالها بتعليم المشاركين كيفية ترجمة العواطف إلى صور، وتداخلت الأفلام التي تمّ إنتاجها خلال ورشة العمل مع الطبيعة المتغيرة للحرب. وحتى خلال الحرب، أثبت فريق من السينمائيين الشباب لليمنيين الآخرين أن الإبداع والتعبير الفني ممكن ومفيد للمساعدة في بناء الجسور وسط زيادة الانقسامات في البلاد.

من تحت الأنقاض

كانت سارة إسحاق، وهي مخرجة إسكتلندية يمنية، واحدة من المدربين في معسكر “قمرة”، أثناء تصوير أحد الأفلام في أعقاب غارة جوية في مدينة صنعاء، رأت سارة الأطفال يلعبون وسط أنقاض منازلهم، جمع الأطفال قطع الأثاث القديمة والحجارة لإعادة بناء نسخًا مصغرة من منازلهم.

وقالت سارة: “إن الفرحة الظاهرة على وجوههم وهم ينغمسون في هذا النشاط الإبداعي على الخلفية المتناقضة لمنازلهم المهدّمة، أوجع قلبي، ولكن بعد ذلك جعلني أدرك قوة الفن والإبداع في التعامل مع المأساة والصدمة”، ولذلك، قررت سارة جلب الأطفال إلى بيئة آمنة واستخدام الفن للمساعدة في علاج التوتر والصدمة التي تعرضوا لها.

وقد أدى قرار سارة إلى تأسيس ورشة عمل “من تحت الأنقاض“، التي ضمت تسعة أطفال لبدء العلاج النفسي من خلال التعبير الفني، وكان الهدف من ورشة العمل هو منح مجموعة صغيرة من الأطفال بضعة أيام للهروب من الواقع، والمرح، والشعور بالراحة النفسية والأمان العاطفي إلى جانب لفت الانتباه إلى كيف يمكن أن يساعد الفن في علاج الأطفال في مناطق الحرب في مرحلة ما بعد الصدمة.

لاحظت سارة أنَ الأطفال كانوا متحفظين في بداية رسوماتهم، ولكن تدريجيًا تحرروا وأصبحت أعمالهم الفنية نابضة بالحياة، وقالت: “كان هناك الكثير من الضحك، على الرغم من أن الطائرات كانت تحوم في سماء المنطقة، ولكن لم يهتم بها الأطفال”.

ويوفر الفن للأطفال والشباب على حد سواء مساحة للهروب من الواقع، ويمنحهم صوت السلام؛ إذ قال مراد سبيع، الذي يطلق عليه اسم “رسّام اليمن“: “أعتقد أن الفن لديه القدرة على إرسال رسائل قوية ومؤثرة خاصة في هذه الأوقات”، وبعيدًا عن العاصمة اليمنية، ظهرت لوحات سبيع في المدن اليمنية الأخرى مثل عدن، وتعز، والحديدة.

وقد أطلق سبيع حملته الفنية الخامسة بعنوان “أطلال” في مايو عام 2015، بعد شهرين من بداية الحرب، إذ يرسم على ما تبقى في المناطق التي قُتل فيها المدنيين من أجل إحياء ذكرى الضحايا، وتسليط الضوء على النتائج المترتبة على استمرار الحرب، ودعا غيره من الفنانين للمشاركة في عملية جماعية وتعاونية من أجل اليمن، وردًا على سؤال حول تأثير الحملة، قال سبيع: “يدعم الشعب اليمني ما نقوم به في الشوارع، وكثير من الناس يأتون لنا ونحن نرسم، ويعرضون علينا كافة أنواع المساعدة”، ويتعهد سبيع بالاستمرار بالرسم في الشوارع طالما استمرت الحرب: “هذه هي الطريقة التي أقاتل بها في هذه الحرب”.

yemen art

دعوة لنزع السلاح

توضح الأمثلة التي تطرقنا لها كيف يمكن للفن أن يساعد الناس الذي يشعرون بالضياع بسبب الحروب، ولكن الفن لديه أيضًا القدرة على حشد الناس نحو النزعة العسكرية، حيث يحاول المجنّدون الجهاديون استخدام الشعر كوسيلة للتبشير بالانشقاق والتشدد بطريقة أكثر بلاغة، إذ كتبت إليزابيث كيندال في دراسة بعنوان “تنظيم القاعدة في اليمن والشعر كسلاح في الجهاد“:

“إنَّ قوة الشعر لإثارة مشاعر المستمعين والقرّاء العرب، والتسلل إلى أرواحهم وعقولهم وخلق هالة من التقاليد والأصالة والشرعية حول الأيديولوجيات التي تقدسها؛ تجعل منه سلاحًا مثاليًا للقضايا الجهادية المتشددة”.

ومع ذلك، استخدم الشعب اليمني الشعر الشفهي منذ عدة قرون لحل النزاعات وإدارة الصراعات المحلية، وهذا الجانب من الثقافة اليمنية يوفر فرصة لتعزيز أساليب بديلة لتسوية المنازعات بين المواطنين بدلا من تفاقم الهوامش المتطرفة في البلاد.

إن الحرب ليست فقط ساحة للمتطرفين وتجّار الحروب، وإنما أداة تحرك الفنانين، وتوضح المبادرات الفنية التي أشرنا لها أنَّ التعاون المشترك والابتكار ليس ممكنًا فحسب، بل سينجح حتى في أوقات الحرب، وسيواصل الشعب اليمني إيجاد سُبل المثابرة ورفض الحرب، على أمل أن يصمت صوت المدافع قريبًا ويرتفع صوت الإنسان.

dsc00018

المصدر: Your Middle East

النبذة: توفر المبادرات الفنية المختلفة آلية المواجهة المناسبة لليمنيين، ومع ذلك، فإنها تغرس أيضًا الشعور بالانتماء للمجتمع، مما يمهد الطريق للمصالحة عقب انتهاء النزاع.

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.