ضد الموروث والعادات: تعرف على الثورة الثقافية التي يقودها الشباب في المغرب

image1454344239-38562-PlaceID-0_s1000x650
"على الرغم من أن التغيير السياسي يحدث ببطء، إلّا أنَّ الثورة الثقافية تشق طريقها بقوة"، هكذا قال الأستاذ الجامعي محمد شطاطو في موضوع مثير نشره على موقع Your Middle East، تناول من خلاله التغيير الثورة الثقافية التي تحدث في المغرب على يد جيل الألفية، متناولاً كافة الجبهات التي تقوم فيها تلك الثورة.
محمد شطاطو - المغرب

جَلَبَت الثورة الرقمية للعالم العربي حُلم الديمقراطية والحرية الشخصية، وأحدثت تغييرًا جذريًا في العقل العربي، على الرغم من الدين والتقاليد التي حالت دون التقدم نحو التغيير الاجتماعي والإحياء الثقافي.

لكن، في ظل انتشار الثورات في المجتمعات العربية، وخلق واقع وسرديات جديدة، يطرح العديد من المراقبين في هذا الجزء من العالم السؤال التالي: كيف يمكن للدين الإسلامي الردّ على هذا الموقف الصعب؟ هل يتكيف معه أو يرفضه؟

انطلاقة الثورة الصامتة

moroccoart

جيل الألفية هم الأطفال الذين وُلدوا في ثمانينات القرن الماضي وحتى بداية الألفية الجديدة، حيث جاءوا إلى الحياة في أوج الثورة الرقمية، وانتشار مُثل العولمة والحرية، ولقد أصبح الإنترنت هو ساحة النشاط السياسي والتفاعل الاجتماعي، وباتت مُثل هؤلاء الشباب تتمحور حول: الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، والحفاظ على البيئة، وانتقاد الممارسات السياسية والثقافية المنحرفة والمعتقدات الدينية العقائدية.

في أمريكا، وقف جيل الألفية مؤخرًا إلى جانب الفلسطينيين ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، وهي خطوة لم تحدث في تاريخ السياسة الأمريكية. بينما في العالم العربي، نجح جيل الألفية في الإطاحة بالديكتاتوريات من خلال ثورات الربيع العربي واهتموا بتغيير الطريقة التي تُدار بها الحياة السياسية في بلادهم، ربما تعثر ربيع الديمقراطية لجيل الألفية في بعض اللحظات، ولكنه لا يموت بل يستجمع قواه لجولات مقبلة أكثر إيجابية.

وفي المغرب، يهتم جيل الألفية بنقد أسس الثقافة التقليدية وكسر القيود المفروضة على الحرية، حيث يمتلك هذا الجيل كل الوسائل الجديدة للتعبير عن أنفسهم بصراحة ووضوح: أجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، مما يمكّنهم من الحصول على خدمة الواي فاي في معظم المقاهي والمطاعم والأماكن العامة، حتى المدن الجديدة تقدم خدمات إنترنت مجانية (على أي حال، فإنَّ معظم الهواتف الذكية الآن تحتوي على تكنولوجيا 4G).

وكانت وسائل الإعلام الحكومية دائمًا في خدمة المؤسسات السياسية والدينية، تمجّد الملكية المحافظة والمطلقة وتردد كلمات الثناء على التدين التقليدي المتزمت، وترفض التكيّف مع واقع العصر الحديث، ولقد سئم البعض من حقيقة أن هذه الوسائل لا تناقش الموضوعات القريبة من قلوب الشباب، الذين يمثلون ما يقرب من 50٪ من السكّان في المغرب، ومن ثمّ يخلق الشباب عالمهم الخاص على شبكة الإنترنت ويتجاوزون الخطوط الحمراء في السياسة والدين.

وتجري هذه الثورة الصامتة غير المسبوقة في المغرب والعديد من الدول العربية، صحيح أنَّ الغرب وبقية العالم قد تأثروا بهذه الصحوة العربية التي لم يسبق لها مثيل المسماة بــ «الربيع العربي»، وراحوا يكتبون الآلاف من الكتب والمقالات حول هذا الموضوع، ويصنعون العديد من الأفلام الوثائقية حول مختلف مظاهره، ولكن لا يوجد أحد يهتم على الإطلاق بالثورة الثقافية الصامتة التي تجري وراء الكواليس بعيدًا عن الأضواء، والفرق بين الظاهرتين هو أنه في حين تمّ اختطاف الربيع العربي من قِبل الإسلاميين الذين يدحرون المجتمعات إلى العصور الوسطى، ازدهرت الثورة الثقافية لأنه لم يهتم بها أحد، على الأقل في الوقت الراهن.

moroccoyoung

مظاهر الثورة الثقافية في المغرب

الساحة السياسية

النظام الملكي: ينص دستور عام 2011، كما في الدساتير السابقة، بوضوح على احترام شخص الملك؛ أي أنه فوق أي شكل من أشكال النقد، وعلى هذا النحو، تلتزم جميع الأحزاب السياسية من اليسار أو اليمين بهذا القانون، وبدلًا من ذلك تنتقد وتندد بالحكومة، في الوقت ذاته فإن النقاش يختلف على شبكة الإنترنت، حيث يجادل الشباب بأنَّ الملك حنث بوعوده غير المباشرة بتفعيل الديمقراطية والانتقال التدريجي للسُلطة، ولكن على الرغم من كل هذه الانتقادات، مازالوا ملتزمين بالنظام الملكي باعتباره رمزًا للحكم والاستقرار بسبب الشرعية التاريخية والدينية التي لم تتعرض للنقد.

المؤسسة السياسية: ينتقد الشباب علنًا الأحزاب السياسية المستديمة، التي لم تدافع عن مصالح الناخبين، ولكن بدلًا من ذلك تخضع للنظام الملكي لتعزيز مصالحها من خلال المشاركة دون خجل في النهب الهائل للثروة الوطنية، لذلك، بالنسبة للشباب، سواء كانوا من اليسار أو من اليمين، فإنهم يرون أن الأحزاب يتم إغواؤها من قِبل النظام ومن ثمّ تتورط في الفساد والمحسوبية، والاختلاس، وإساءة استخدام السلطة، وفي هذا الصدد تكون النخبة السياسية أبوية وقبلية في جوهرها، على الرغم من أنها تبشّر بالحداثة والديمقراطية في خطاباتها السياسية.

التقاليد السياسية: يرفض الشباب علنًا الشكل التقليدي للنظام الملكي والحكومة، والمعروفة باسم المخزن، وهو نموذجٌ عفا عليه الزمن، وعتيق في جوهره، وعلى هذا النحو يرفضون البيعة، وهي التعبير التقليدي لحفل الولاء الذي يُقام في اليوم الثاني من عيد العرش في شهر يوليو من كل عام، حيث يرتدي الآلاف من موظفي الدولة والنخب والممثلين المحليين والوطنيين، الجلباب الأبيض (الزيّ التقليدي في المغرب)، وينحنوا إجلالًا وإكبارًا للملك وهو راكبٌ على جواده؛ إنّها مراسم تعيدنا إلى القرن الثالث عشر، عندما تمّ إنشاء النظام الملكي للمرة الأولى في المغرب، ويمكن اعتبار هذا بمثابة استمرار للتقاليد، ولكن هذه التقاليد، في أعين الشباب، ترسّخ مفهوم الرعيّة، الفرد الذي لديه التزامات تجاه الدولة فقط، وليس المواطن الذي لديه التزامات وحقوق على حد سواء.

يدعو الشباب لتجديد النظام الملكي، بل إنَّ «حركة 20 فبراير» التي جاءت في أعقاب الانتفاضات العربية دعت إلى إقامة ملكية دستورية بدلًا من النظام الملكي التنفيذي الحالي؛ فهم يروا أيضًا أنَّ المشاحنات التي تجري بين الملك محمد السادس وابن عمه مولاي هشام الملقب من قِبل الصحافة بــ «الأمير الأحمر» بأنه نزاع داخلي.

الساحة الاجتماعية: هناك انتقادات كثيرة لمفهوم الطاعة الأبويّة والقبليّة، ولذلك يتمّ إسكات الشباب المغربي من خلال مفهوم احترام كبار السن؛ ففي حضورهم، يتم تعليم الشباب السكوت والاستماع للشيوخ الذين لديهم المزيد من الخبرة، لذلك لم يكن لدى هؤلاء الشباب أي فرصة للتعبير عن آرائهم، أو أن يصبحوا جزءًا من النخبة السياسية، والواقع أنَّ الساحة السياسية والاجتماعية هي منطقة محظورة على الشباب، في حين يهيمن الديناصورات الأكبر على كل مناحي الحياة لدرجة أن الساحة السياسية تبدو وكأنها حديقة جوراسية، وهذا بلا شك أحد أسباب اندلاع الربيع العربي.

في الغرب، يتمّ تشجيع الشباب على تشكيل النخب السياسية، لكن في المغرب والعالم العربي يتم قمعهم ويُنظر إلى أي تمرد شبابيّ على أنّه رفضٌ للتقاليد.

حرية المرأة: منذ اعتماد قانون الأسرة الجديد في المغرب الذي يُعرف باسم “المدونة” في عام 2004، والمرأة المغربية تتمتع بمزيد من الحرية أكثر مما كانت عليه في الماضي، وفي الواقع، يمكن للمرأة أن تتزوج دون الحصول على إذن من رب الأسرة، وأن ترفض تعدد الزوجات لأزواجهنّ، والتمتع بنصيب كبير في الميراث، ولقد أدى هذا القانون الجديد إلى تمكين المرأة، وساعد على كسر أغلال العبودية التقليدية، على الرغم من مقاومة الإسلاميين من خلال فرض الحجاب وزي معين على المرأة.

الثورة الجنسية: ينضم الرجال والنساء إلى القوى التي تحارب المحرمات الدينية الجنسيّة من خل المواعدة علنًا في داخل وخارج البلاد، وينتهي بهم الأمر إما بالزواج من غير المسلمين أو الدخول في علاقات غير مشروعة، فيما يسمح الدين الإسلامي للرجال بالزواج من المرأة غير المسلمة بحرية ولكن لا يسمح للمرأة المسلمة إلّا بالزواج من رجل مسلم، إلا أنه في الوقت الحاضر، لا تتمسك المرأة بهذا القيد الديني.

عاملات الجنس: العديد من النساء المغربيات يعرضنّ أجسادهنّ العارية على شبكة الإنترنت للعثور على عمل في دول الخليج كعاملات جنس، وهو أمر محرم شرعًا، لكن الأسوأ من ذلك أنَّ الكثير من الآباء والأسر تشجع بناتهنّ على الهجرة إلى دول الخليج لكسب المال من خلال العمل في بيوت الدعارة، وفي نواح كثيرة أخرى من العمل، أصبحت هذه ممارسة مقبولة في المجتمع، وبالإضافة إلى ذلك، يأتي المئات من شباب وشيوخ الخليج إلى المغرب للسياحة الجنسية في مدن مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش وأغادير.

ممارسات المثليين: نشأت ثقافة المثليين في المغرب منذ فجر التاريخ وكانت مقبولة دائمًا من المجتمع، طالما أنها تتم سرًا، ومع ذلك وبفضل الثورة الرقمية، خرج المثليون والمثليات من مخابئهم ليعلنوا عن هويتهم الجنسية دون خوف من أي عقاب، وأصبحت طنجة ومراكش والصويرة وأغادير هي المدن التي يعيش فيها مثليو الجنس جنبًا إلى جنب مع المجتمع المثلي التقليدي في طنجة والذي ازدهر بفضل الأجانب، بعضهم معروف على الساحة العامة مثل الكاتب الفرنسي الراحل جان جينيه، والكاتب الأمريكي الراحل بول بولز، ولم يخرج المثليون جنسيًا في المغرب إلى العلن، بل كتبوا أيضًا عن هويتهم الجنسية، مثل الروائي المغربي-الفرنسي عبد الله الطايع، الذي نشر كتابًا عن ميوله الجنسية.

التعبير العلني عن الحب: في عام 2013، خرج شاب وشابة من مدينة الناظور من المدرسة وتبادلا القُبلات علنًا وتمّ نشر الفيديو على موقع يوتيوب، تسبب هذا الحدث غير العادي في ردود فعل مختلفة على الصعيد الوطني: هناك من أيّد ذلك وطلب دعم الحرية الشخصية، بينما طلب المحافظون دينيًا من الدولة معاقبتهما، مشيرين إلى أنهم يقعون تحت تأثير “الإعلام الغربي”.

Couple_Getting_Cozy_-_Ville_Nouvelle_(New_City)_-_Rabat_-_Morocco

ووفقًا لطبيعتها المحافظة، اعتقلت الدولة الشاب والفتاة، وأدى ذلك إلى حملة عالمية لإطلاق سراحهما وانقسام للرأي في المجتمع، ونظم الشباب والفتيات حملة لتبادل القُبلات أمام البرلمان في الرباط (شاهد الفيديو أدناه) في تحدٍ واضح للتيار الديني المحافظ، وتحت ضغط الرأي العام العالمي، أطلقت الحكومة سراح الشباب والفتاة وأسقطت عنهما التُهم.

الدعم الأمازيغي لإسرائيل وليس فلسطين: منذ إحياء القومية الأمازيغية في شمال أفريقيا، يستنكر المتشددون الأمازيغ في المغرب السردية الأصلية عن الإسلام، ويدعون إلى إعادة كتابة التاريخ من خلال توضيح أنَّ العرب في القرن السابع غزوا أفريقيا الشمالية بالسيف وليس بفعل التحول السلمي من السكّان إلى الإسلام المعروفة باسم الفتوحات الإسلامية.

إنهم يرفضون الوجود الإسلامي في المنطقة ويصفونه بأنه أسوأ شكل من أشكال الاستعمار للشعب الأمازيغي في هذه المنطقة، وفي مقاومتهم لثقافة الطمس العربي، دعوا إلى جعل الأمازيغية لغة رسمية للبلاد، وهو ما تحقق بالفعل في دستور عام 2011، ومع ذلك، كانت الخطوة الأكثر وقاحة هي دعوة الصداقة مع إسرائيل من خلال إنشاء جمعيات إسرائيلية أمازيغية، بحجة أن هناك العديد من الأمازيغ اليهود الذين قدّموا إسهامات ملحوظة في الثقافة، وأنَّ إسرائيل مثل الأمازيغ هم ضحايا للإسلام والقومية العربية.

وبالإضافة إلى ذلك، تمّ تقديم أفلام عن الرحيل المؤلم لليهود الأمازيغ إلى إسرائيل مثل فيلم المخرج كمال حشكار فيلم «Tinghir-Jerusalem: les échos du Mellah»، ويرى العديد من القوميين العرب في المغرب أن هؤلاء الأمازيغ قد خانوا المغرب والإسلام، وينبغي أن يتم القبض عليهم ووضعهم في السجون.

الخلاصة

يجادلُ كثيرٌ من الناس أنَّ الربيع العربي فشل فشلًا ذريعًا، قد يبدو الأمر كذلك، ولكن الحقيقة هي أن الأمور لا تسير على هذا النحو؛ إنها مجرد مرحلة استجماع للقوة، وإعادة تحديد المسار وتوضيح الأولويات لاستئناف مسيرة الثورة أقوى من أي وقت مضى، ثمة تغيّر كبير سيحدث في العالم العربي، وقد يتحقق ما يريده الكثير من الناس، ليس دفعة واحدة ولكن بطريقة تدريجية؛ لأنَّ العقول العربية مؤطرة بطريقة تقليدية ومقيدة بالدوغمائية والعقائد الدينية والحتمية.

ولكن، على الرغم من أن التغيير السياسي يحدث ببطء، إلّا أنَّ الثورة الثقافية تشق طريقها بقوة، مع الكثير من العزيمة والإصرار؛ حيث يقوم جيل الألفية في المغرب، على وجه الخصوص، وجيل الألفية في العالم العربي بشكل عام، بتحطيم المحرمات بقوة، سواء كانت ثقافية أو دينية، وبالتالي خلق واقع جديد على الأرض، إنهم يريدون خلق مستقبل يحبونه، يلبي احتياجاتهم الحقيقية ولا يستجيب لتوقعات الدين أو الثقافة المفروضة عليهم، في الواقع، كل ما يفعلونه هو ممارسة حقهم في اختيار وتقرير مصيرهم.

الدكتور محمد شطاطو بروفيسور في جامعة الرباط كما يعمل محللاً سياسياً لوسائل إعلام عديدة في مجالات الإعلام والسياسة والثقافة في الشرق الأوسط والإسلام. له العديد من الكتابات والإسهامات في مجالات التعليم والأمّية والثقافة والتطور في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين، كما أصدر عدداً من الكتب في مجالات اللغة والثقافة.
المصدر: Your Middle East

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.