ابو عسم: احبسوني كل سنة مرة

أبو عسم - الكويت
هل كان “سمير” صادقًا في ما قال؟
سمير هذا هو زميلي في الزنزانة عندما كنت نزيلاً في السجن المركزي، وكان متهماً بالعمل سمساراً يُدير شبكة للدعارة والبغاء، سألني سمير بعد أن عرف عن تهمتي “شو لك بالسياسة والبهدله، شو إستفدت من الي تكتبو وتعملو؟”، كان السؤال مستفزاً أو المستفز في السؤال كونه بدر منه تحديدًا، “انا شو إستفدت، أنت إلليّ شو إستفدت من السمسرة؟”، من دون أن يتردد وبهدوء أجاب “أنا إستفدت مصاري وفلوس!”، جواب سمير كان مقنعًا ومضحكًا لباقي الزملاء في الزنزانة، الذين كانوا يومئون برؤوسهم تعبيراً عن التأييد وهم ينصتون لسمير وهو يتحدث أن الربيع العربي سيفشل ولن يجلب إلا الخيبة والويلات وأكبر ويلاته أن الشعوب ستعرف مشكلتها تماماً، والمعرفة مع الإحساس بالعجز عذاب وجحيم لا يطاق.
قبل أيام كتبت مجلة “ذي إيكونوميست” أن الوضع بعد خمس سنوات من انطلاق الربيع العربي لم يزد إلا هباباً، وأن المشكلات لم تُحل إنما زادت خيبة الأمل لأن الشعوب باتت تعرف أكثر عن مشكلاتها دون القدرة على التغيير!
فهل كان سمير على حق فعلاً؟ وهل أصابت توقاعته لأنه يعرف الناس جيدًا بحكم أنه قد تعامل مع كل الفئات وكل الطبقات كما يزعم؟! كيف أدرك سمسار المومسات باكراً أن سطوة السلطة ورأس المال والقوى الرجعية قادرة على جعل من كانوا ينادون بالحرية والعدالة الإجتماعية يصفقون اليوم للحروب المذهبية والجماعات الطائفية الدينية!، بعد خمس سنوات إن تلاقينا بشعارات الربيع العربي “تلاقينا لقاء الغرباء” على رأي أم كلثوم.
حتى وإن صدقت أقوال سمير سأعيش مكذبًا له ولها، على الرغم من أننا في مرحلة لا يعيش فيها إلا كل “سمير إعلامي” يمارس مهنته جهارًا في الضوء وليس سرًا في الظلام وعلى الشاشات وفي الصحف، ونعاصر مرحلة يبجّل فيها كل “سمير بذقن” أطلق لحيته لله وأطلق لسانه للشيطان، وكم من سمير وسميرة نصادف في حياتنا متسترون… وياما الألقاب بتداري!
في الزيارة القادمة للسجن المركزي، وعلى تهمة لا أعرفها حتى الآن، سأخبر سمير بأنني استفدت كيف أبقى حالمًا ضاحكًا وهو الجُرم الذي أقترفه كل صباح حتى أخلد إلى النوم، والحلم ليس عملاً نضاليًا إنما هو الدليل على وجودك والإثبات أنك ما تزال حياً، فأنا لا تخيفني سرقة خيرات الشعوب بقدر ما يُرعبني نهب أحلامها وطموحاتها من ذواتها فتصبح  كقلب أم موسى، ويذعرني أن يُستبدل وعيها بالمعرفة وتصبح الثقافة بديلاً عن الإدراك، لنعيش على نمط واحد لا نحيد عنه كما يعيش سكان مملكة النمل، إلا أن الديدان تتمتع بتنظيم وعدالة اجتماعية تفوقنا بسنوات ضوئية.
كلانا يقوم بما يتقنه يا سمير فأنت بعد أن يُفرج عنك ستعود للسمسرة لأنك لا تعرف شيئًا آخر تفعله، وكذلك أنا في كل مرة يخلى سبيلي بها أعود إلى مسرح الجريمة، أعود للأحلام أعود للضحك مغنيًا للأجهزة الامنية: احبسوني كل سنة مرة.
FEB

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن

There is one comment

Comments are closed.