كيمياء الدماغ: كيف تخدع الوجبات السريعة المخ وتُفاقم البدانة؟

sugar-guidelines.jpeg3-1280x960

تأثير الأطعمة الحلوة والدهنية على الجسم يوازي تأثير الكوكايين ولعب القمار

تستثير الأطعمة اللذيذة دائرة الإثابة بالمخ لدرجة أنَّ الإرادة وحدها لن تكفي للمقاومة 

عانى ماثيو برين من إفراط في تناول الطعام على مدى السنوات العشرين الماضية. في سن 24، كان طوله 155 سنتيمتراً، ووزنه 61 كيلوجراماً. واليوم، وصل وزن برين الذي يعمل كأخصائي تدليك إلى 104 كيلوجراماً، ولذلك يجد صعوبة بشكل خاص في مقاومة تناول الخبز، والمكرونة، والمشروبات الغازية والكعك والآيس كريم، خاصة تلك المحشية باللوز وقطع الشكولاتة.

لقد جرّب العديد من برامج فقدان الوزن التي تقلل من كميات الطعام، لكنه لم يلتزم بها لفترة طويلة. يقول برين: “إنه شيء كامن في اللاوعي تقريبًا. بعد انتهاء العشاء أتناول الحلوى. ربما يمكن لشخص آخر أن يتناول قطعة أو اثنتين من الآيس كريم أيضًا، لكني أتناول صندوق الآيس كريم كله، لا يمكنني إيقاف هذا الشعور”!

جوع المتعة: الرغبة في الأكل رغم الشبع

من الطبيعي أن يأكل الناس للحفاظ على أنفسهم أحياء، لكن هناك أيضًا فئة معتبرة تأكل من أجل المتعة وليس من أجل البقاء على قيد الحياة، وهذا ليس بالشيء الجديد. وفي السنوات القليلة الماضية، توصل الباحثون إلى فهم عميق بشأن كيف يمكن لبعض الأطعمة، سيما الدهون والحلويات، أن تغيّر كيمياء الدماغ بطريقة تدفع بعض الناس إلى الإفراط في تناولها، وقد أطلق العلماء اسمًا جديدًا على مثل هذه الرغبة المُلِحة: جوع المتعة (Hedonic Hunger)؛ وهو عبارة عن رغبة قوية في تناول الطعام حتى مع عدم وجود أي حاجة لذلك. هذه الرغبة الشديدة نعاني منها عندما نشعر بالشبع لكن أدمغتنا لا تزال نهمة للمزيد من الطعام.

ويذهب عديد من الخبراء إلى أنَّ جوع المتعة هو أحد الأسباب الرئيسة في ارتفاع معدلات البدانة في الدول المتقدمة في جميع أنحاء العالم، خاصة الولايات المتحدة، حيث تتوفر الحلويات الشهيّة والوجبات السريعة بأسعار رخيصة.

في المقابل، ظهر مصطلح “تحويل التركيز إلى المتعة” وهو نهج جديد لفهم الجوع وزيادة الوزن، بحسب مايكل لوو، خبير علم النفس السريري بجامعة دريكسل الذي أوجد أيضًا مصطلح “جوع المتعة” في عام 2007. وأضاف: “الإفراط في تناول الطعام، والذي ربما يفعله كل الناس بما يتعدّى حاجتهم للطاقة، يعتمد على استهلاك بعض الأطعمة اللذيذة. وأعتقدُ أنَّ هذا النهج له تأثير كبير على علاج البدانة”، مشيراً إلى أن تحديد ما إذا كانت البدانة تنشأ بالأساس من رغبة عاطفية شديدة للأكل أم أنها سبب عيب فطري في قدرة الجسم على حرق السعرات الحرارية، من شأنه أن يساعد الأطباء في اختيار الأدوية والتدخلات السلوكية الملاءمة لتلقي العلاج.

كيف يتعامل الدماغ مع الطعام؟

Junk-Food-HD-Wallpaper-Free

 

من الناحية التقليدية، ركّز الباحثون المعنيون بدراسة الجوع وتنظيم الوزن على ما يسمى “الجوع الأيضيّ” (Metabolic Hunger) أو “الجوع الاستتبابيّ” (Homeostatic Hunger)، والذي تحركه ضرورة فسيولوجية ويتم التعرف عليه من خلال قرقرة المعدة الفارغة. عندما نبدأ بطرق أبواب وحدات تخزين الطاقة في أجسامنا على مدار 24 ساعة أو عندما ينخفض وزننا إلى ما دون الوزن المعتاد، فإن شبكات معقدة من الهرمونات والممرات العصبية في الدماغ تعمل على زيادة شعورنا بالجوع. وعندما نفرط في تناول الطعام أو يزداد وزننا، يميل نفس نظام الهرمونات ودوائر الدماغ إلى كبت شهيتنا.

بحلول الثمانينيات من القرن الماضي، اكتشف العلماء الهرمونات الرئيسة والوصلات العصبية المسؤولة عن الجوع الأيضيّ. واكتشفوا أنها منظمة إلى حد كبير من خلال الهيبوثالامس، وهي منطقة في المخ تحتوي على الخلايا العصبية التي تتمتع بحساسية عالية كما تحفز إنتاج مجموعة من الهرمونات المختلفة.

وكما هو الحال مع كثير من الآليات البيولوجية، تشكّل هذه الإشارات الكيميائية شبكة متداخلة من الضوابط والتوازنات. فكلما يأكل الناس سعرات حرارية أكثر من التي يحتاجون إليها على الفور، يتم تخزين بعض السعرات الفائضة في الخلايا الدهنية الموجودة في جميع أنحاء الجسم. وحالما تبدأ هذه الخلايا بالنمو في الحجم، تبدأ بإفراز مستويات أعلى من هرمون يدعى “ليبتين” ينتقل عن طريق الدم إلى الدماغ، ويخبر الهيبوثالامس بإرسال موجة أخرى من الهرمونات التي تقلل من الشهية وتزيد من النشاط الخلوي لحرق السعرات الحرارية الإضافية، وتعيد التوازن الطبيعي لكل شيء مرة أخرى. 

وبطريقة مماثلة، كلما تكتشف خلايا المعدة وجود طعام، تفرز هرمونات مختلفة، مثل هرمون كوليسيستوكينين وهرمون الببتيد، التي تعمل على كبح الشعور بالجوع إما عن طريق إرسالها إلى منطقة الهيبوثالامس أو من خلال العمل مباشرة على العصب المبهم، إلى جانب حزمة ملتوية من الخلايا العصبية التي تربط بين المخ والقلب والأمعاء.

وفي المقابل، فإن هرمون جريلين الذي يفرزه الجسم من المعدة عندما تكون فارغة وعند انخفاض مستويات السكر في الدم، له تأثير عكسي على منطقة الهيبوثالامس، ما يؤدي إلى تحفيز الشعور بالجوع.

الدهون تضاهي تأثير الكوكايين والقمار

dbb0f9fcd9e7f8ae0bdff287e5cbbc04

ولكن بحلول أواخر التسعينيات، بدأت دراسات تصوير الدماغ والتجارب العلمية على القوارض تكشف عن وجود مسار بيولوجي ثانٍ يكمن وراء عملية الأكل من أجل المتعة. تشارك فيه العديد من ذات الهرمونات التي تعمل في الجوع الأيضي في هذا المسار الثاني، لكن النتيجة النهائية هي تفعيل منطقة مختلفة تمامًا من المخ، والمعروفة باسم دائرة الثواب أو المكافأة (Reward Circuit). تم دراسة هذه الشبكة المعقدة من الأشرطة العصبية في سياق إدمان المخدرات، وفي الآونة الأخيرة، تمّت دراسة السلوكيات أخرى مثل إدمان القمار المَرَضي.

اتضح أنَّ الأطعمة الحلوة جدًا أو الدهنية تأسر دائرة الثواب والمكافأة في المخ بنفس الطريقة التي يقوم بها الكوكايين ولعب القمار. ففي كثير من مراحل تطورنا البشري في الماضي، كانت مثل هذه الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية متعة نادرة تقدم لنا التغذية التي تشتد الحاجة إليها خاصة في الأوقات العصيبة. في ذلك الوقت، كان التهام الحلويات والدهون كلما كانت متاحة مسألة حياة أو موت.

وفي مجتمعنا المعاصر، المليء بالأطعمة الرخيصة ذات السعرات الحرارية العالية، فإن هذه الغريزة تعمل ضدنا. يقول لو: “في معظم فترات تاريخنا، كان التحدي الذي يواجهه الإنسان هو الحصول على ما يكفي من الطعام لتجنب المجاعة. لكن بالنسبة لكثيرين منّا استبدل العالم الحديث هذا الواقع بتحدٍ مختلف تمامًا: تجنب تناول أكثر مما نحتاج له حتى لا نزيد في الوزن”.

السكّر والدوبامين: شعور مكثف بالمتعة!

140225-candy-bars-1220p_17a2f145feb29a524d432f7bf8a80fb5

وأظهرت الأبحاث أن المخ يبدأ في الاستجابة للأطعمة الدهنية والسكرية حتى قبل أن تدخل الفم. مجرد رؤية عنصر مرغوب فيه تثير دائرة الثواب بالمخ. وبمجرد أن يلامس هذا الطعام اللسان، ترسل حواس التذوق إشارات إلى مختلف مناطق الدماغ، والذي بدوره يستجيب من خلال إطلاق مادة الدوبامين. والنتيجة هي شعور مكثف بالمتعة. ويؤدي الإفراط في تناول الأطعمة اللذيذة إلى تشبع الدماغ بالكثير من مادة الدوبامين مما يزيل حساسية الدماغ لهذه المادة، ما يقلل من عدد المستقبلات الخلوية التي تحدد وتستجيب للمادة الكيميائية العصبية.

وبالتالي، فإن أدمغة المفرطون في تناول الطعام تتطلب كثير من السكر والدهون للوصول إلى نفس الدرجة من المتعة التي شعرت بها أثناء تناول كميات صغيرة من الأطعمة. في الواقع، يستمر هؤلاء الأشخاص في تناول الوجبات الدسمة كوسيلة لإعادة السيطرة أو حتى الحفاظ على الشعور بالرفاه والسعادة.

تشير الدلائل إلى أن بعض هرمونات الجوع التي تعمل عادة على منطقة الهيبوثالامس تؤثر أيضًا على دائرة الثواب.

وقد أثبت باحثون بجامعة غوتنبرغ السويدية في سلسلة من الدراسات أجروها بين عاميّ 2007 و2011، أنّ إطلاق هرمون جريلين (هرمون الجوع) عن طريق المعدة يزيد بشكل مباشر من إفراز مادة الدوبامين في دائرة الإثابة بالمخ. ووجد الباحثون أيضًا أنَّ الأدوية التي تمنع هرمون الجريلين من الارتباط بالخلايا العصبية تؤدي إلى تقليص الإفراط في تناول الطعام لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة المفرطة.

في ظل ظروف طبيعية، يمنع هرمون لبتين وهرمون الأنسولين (اللذان يتوفران بكثرة بمجرد أن يتم استهلاك السعرات الحرارية الإضافية) إفراز مادة الدوبامين ويقلل من الشعور باللذة مع استمرار تناول الطعام. ولكن الدراسات الأخيرة على القوارض تشير إلى أن الدماغ يتوقف عن الاستجابة لهذه الهرمونات مع ازدياد كمية الأنسجة الدهنية في الجسم. وبالتالي، فإنَّ الأكل المستمر يحافظ على انتشار مادة الدوبامين في الدماغ حتى مع استمرار الشعور بالمتعة.

كيف تؤثر جراحات السمنة في كبح جماح الشهية؟

هناك نوع من الجراحة يخضع لها بعض الأشخاص الذين يعانون من السمنة المفرطة للتحكم في وزنهم، وتؤكد هذه الجراحة على أهمية هرمون الجريلين في التحكم بالوزن، إلى جانب تقديمها لبعض الأفكار البيولوجية حول لماذا يأكل الكثير منا كمية أكثر من حاجة أجسامنا الفسيولوجية.

تُعرف هذه الجراحة باسم جراحات علاج البدانة، وتُعدّ العلاج الأخير للذين يعانون من البدانة، وخلال هذه الجراحة يتم تقليص المعدة بشكل كبير، إما عن طريق إزالة الأنسجة أو عن طريق الضغط على المعدة بإحكام حتى لا يمكنها أن تتسع لكميات كبيرة من الطعام في وقت واحد.

لكن في غضون شهر واحد بعد هذه الجراحة، تقل رغبة المرضى في الجوع كما يقل الانجذاب إلى الأطعمة التي تحتوي على السكر والدهون؛ ربما بسبب التغييرات في كمية الهرمونات التي يمكن أن تفرزها أمعائهم الصغيرة الآن. وتكشف دراسات المخ الأخيرة أنَّ انخفاض الرغبة الشديدة في تناول الطعام يعكس التغيرات في الدوائر العصبية ما بعد الجراحة، إذ تستجيب دائرة الإثابة بالمخ بدرجة أضعف تجاه الصور والأسماء المنطوقة للأطعمة المُغرية، مثل كعكات الشوكولاتة، وتصبح أكثر حساسيّة تجاه كميات أصغر من مادة الدوبامين.

“الفكرة هي أنَّه من خلال تغيير التركيب البنيوي للأمعاء، فنحن نغيّر كمية هرمونات القناة الهضمية التي تصل في نهاية المطاف إلى المخ”، كما يقول كيمبرلي ستيل، وهو جراح بجامعة جونز هوبكنز. وقد وثّقت بعض الدراسات انخفاض مستويات هرمون الجريلين المحفز للجوع وزيادة مستويات هرمون الببتيد الذي يكبح الشهية بعد جراحة علاج البدانة.

كما تشير التجارب الحديثة إلى أنَّ هذه الهرمونات تعمل ليس فقط على منطقة الهيبوثالامس ولكن أيضًا على دائرة الثواب والمكافأة في الدماغ، فيقول بيرند شولتس من المركز الجراحي في سانت غالن، سويسرا  “على المدى الطويل، ربما يمكننا محاكاة آثار جراحات علاج البدانة مع المخدرات”، مضيفاً: “إنه حلم كبير”.

في الوقت الحالي، يستخدم العديد من الأطباء الدراسات الأخيرة عن جوع المتعة لمساعدة أشخاص مثل برين، الذي أشرنا له في بداية الموضوع.

يي هاو يو، أحد الأطباء المعالجين لبرين في مستشفى غرينيتش بولاية كونيتيكت، يقول إنَّ السمنة تأخذ شكلين متميزين ومتداخلين في بعض الأحيان: الشكل الأيضيّ (Metabolism) والشكل التلذذيّ المرتبط بالمتعة. ولأنه يعتقد أنَّ برين يعاني من السمنة التلذذيّة في المقام الأول، ينصح يي هاو بعقار فيكتوزا، والذي يُعرف بالحد من المتعة التي يستثيرها تناول الطعام. وفي المقابل، فإنَّ العقاقير التي تستهدف منطقة الهيبوثالامس تعمل بشكل أفضل إذا كانت مشكلة المريض الأساسية تكمن في عيب في قدرة الجسم على الحفاظ على وزن ثابت.

الحل في إعادة هيكلة البيئة الغذائية

من جهته، ركّز لو دريكسل، على نهج جديد لتعديل السلوك، ويوضح ذلك بقوله: “إنَّ الفكرة التقليدية هي أنه يمكننا تعليم الأشخاص الذين يعانون من زيادة في الوزن كيفية تحسين مستوى ضبط النفس والإرادة. أما الفكرة الجديدة هي أنَّ  جانب كبير من المشكلة يكمن في الأطعمة نفسها”. فبالنسبة لبعض الناس، تستثير الأطعمة اللذيذة هذه الاستجابة القوية في دائرة الثواب بالمخ وتغيّر نظامهم البيولوجي بشكل كبير جدًا، لدرجة أنَّ الإرادة وحدها لن تكون كافية لمقاومة تناول تلك الأطعمة بمجرد توافرها.

بدلًا من ذلك، يقول لو: “يجب علينا إعادة هيكلة البيئة الغذائية”. ومن الناحية العملية، هذا يعني عدم جلب الأطعمة الدسمة والحلويات إلى داخل المنزل في المقام الأول، وتجنب الأماكن التي توفرها كلما أمكن ذلك.

طبقت إليزابيث أودونيل هذه الدروس بطريقة عملية. لقد تعلمت أودونيل، وهي صاحبة متجر تبلغ من العمر 53 عامًا وتعيش في ولاية بنسلفانيا، كيفية تعديل البيئة الغذائية في منزلها وفي متجرها بعد المشاركة في واحدة من دراسات إنقاص الوزن التي أجراها لو.

وتقول إن مقاومتها تفشل أمام تناول الحلويات والمعجنات، لذلك حرصت على إبقائها بعيدة عن منزلها، كما تجنبت الاكل في المطاعم وامتنعت عن تناول الحلوى التي جعلتها في الماضي تستهلك “3000 أو 4000 سعرة حرارية يومياً”.

وفي زيارتها الأخيرة إلى والت ديزني، على سبيل المثال، لم تدخل العديد من المطاعم الكبيرة الموجودة بالحديقة، لكنها فضّلت الذهاب إلى مطاعم صغيرة واكتفت بتناول السلطة. هذا هو التغيير البسيط الذي يمكن أن يُحدث فارقًا كبيرًا في النضال من أجل الحفاظ على وزن صحي.

Healthy-eating diet

المصدر: Salon

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.