كيف يؤثر انخفاض أسعار النفط على اقتصادات الخليج والشرعية السياسية لدوله؟

saudi-arabia-oil

ماجد الهملان - الكويت

في ظل الانخفاض الحاد بأسعار النفط العالمية تواجه دول الخليج عدة تحديات مصيرية لمسقبل اقتصادياتها، وذلك لاعتماد هذه الدول بشكل شبه كلي على صادرات النفط الخام ومشتقاته.

ويقف وراء هذا الانخفاض عدة أسباب أهمها قلة الطلب العالمي على النفط من قبل دول صناعية كبرى كالولايات المتحدة والصين، وكذلك بدء بعض الدول بإنتاج وتصدير النفط خارج إطار منظمة “أوبك” مما يزيد كمية النفط المعروض عالميًا، وإصرار الدول الأعضاء بمنظمة “أوبك” على إبقاء سقف الإنتاج على ما هو عليه.

ويرى محللون بأن هذا القرار يأتي لسعي بعض أعضاء منظمة “أوبك” لإخراج الدول غير المنتمية للمنظمة ممن ينتجون النفط بتكاليف عالية لخارج السوق، كما يعزي البعض انخفاض الأسعار إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران بعد الاتفاق النووي لتصبح عنصراً مؤثرًا في أسواق النفط العالمية كونها تمتلك رابع أكبر احتياطي عالمي من النفط.

ويأتي هذا الانخفاض الحاد رغم التوتر الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وبالأخص في العراق وليبيا وهما من كبار منتجين النفط عالميًا، وكذلك التحالف الذي تقوده السعودية في حربها على اليمن وما يترتب عليه من تكاليف باهضة تتكبدها معظم دول الخليج يوميًا.

كيف تتعاطى دول الخليج مع الأزمة النفطية؟

oil price graphفي أقل من عام ونصف انخفض سعر برميل النفط ما يعادل 75 بالمئة، أي من 110 دولارات للبرميل إلى أقل من 27 دولارا، وبحسب صندوق النقد الدولي فقد خسرت دول الخليج حوالي 500 مليار دولار في عام واحد فقط، وتكبدت أسواق المال الخليجية خسائر كبيرة تقدر بمليارات الدولارات منذ مطلع العام الحالي، ولجأت بعض هذه الدول كالسعودية والكويت إلى السحب من الاحتياطي العام لسد العجز في ميزانياتها وموازنتها السنوية.

وبدوره حذر البنك الدولي بتقرير له دول مجلس التعاون الخليجي من استنزاف احتياطياتها المالية، إذ أكد أنه إذا تم الاعتماد على تلك الاحتياطيات في سد العجز في الموازنة السنوية دون اجراء إصلاحات فعالة فسيتم استنزاف احتياطياتها بأقل من خمس سنوات في بعض تلك الدول.

وبالفعل أقرت دول الخليج رزمة من الإصلاحات الاقتصادية بهدف التقليل من حدة الأزمة، أهمها ترشيد الإنفاق العام وتنويع مصادر الدخل، ويتمثل خفض الإنفاق في رفع الدعم عن بعض السلع والخدمات الأساسية أهمها المحروقات والكهرباء والماء، إضافة إلى دراسة فرض ضرائب القيمة المضافة على السلع والخدمات وفرض ضرائب على ارباح الشركات، وتشريع قوانين اقتصادية تشجع الاستثمار الأجنبي بالخليج.

وصرحت بعض دول الخليج كالسعودية بنيتها في إصدار سندات حكومية وكذلك دراسة تخصيص أجزاء من شركات حكومية ضخمة كشركة أرامكو السعودية، ونتيجة لهذه الإجراءات ستمر منطقة الخليج بمرحلة دقيقة وصعبة على اقتصادها المحلي، وهو ما يتطلب تغييرًا جذريًا لسياساتها الاقتصادية كافة.

إجراءات مؤقتة: ما مدى فعالية الإجراءات الجديدة؟

EA_976242_377157

بالمقابل لا تدل المؤشرات العالمية على أي بوادر لارتفاع سعر برميل النفط حتى منتصف العام الحالي، واستبعاد عودة سعر برميل النفط على عتبة المئة دولار في السنوات المقبلة.

ويرى بعض الاقتصاديين أن الإجراءات التي وضعتها دول الخليج لن تحل الأزمة بشكل نهائي وإنما ستمنحها بضع سنوات إضافية للصمود أمام أسعار النفط المتدنية، بل وأكد بعضهم أن تلك الإجراءات كخفض الإنفاق العام قد تسبب ضعف في النمو الاقتصادي مما يحدث انكماشًا للاقتصاد، نتيجة خفض الصرف على المشاريع المحلية الكبرى كمشاريع البنية التحتية، وما يترتب عليه من خسائر كبيره للقطاع الخاص قد تتسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين وارتفاع معدل البطالة وزيادة العبئ على القطاع الحكومي.

وفي المجمل فإن خفض الإنفاق إجراء لا يمكن استمراره على المدى المتوسط والبعيد، إضافة إلى أن خفض الإنفاق بشكل عام لن يحل الأزمة والمطلوب هو إعادة النظر بأساليب الإنفاق الحالية.

وبالجانب الآخر، فإن سياسة تنويع مصادر الدخل إجراء معقد يتطلب فترة زمنية ليست بقصيرة، فهي لا تقتصر على زيادة الرسوم والضرائب المستحقة للدولة وإنما إيجاد بدائل اقتصادية منتجة، وفي حال فشلت في تحقيقها ستضطر دول الخليج إلى السحب من احتياطياتها المالية حتى استنزفها في الاعوام المقبلة، وقد يجعلها مضطرة إلى الاقتراض وبفوائد مرتفعة نسبيًا حتى لا تتعرض تلك الحكومات إلى العجز وربما الافلاس.

وإجمالا فإن أغلب الإجراءات المتخذة تعتبر مؤقتة وجاءت كردة فعل للأزمة النفطية، وهو ما يحتم ضرورة السعي نحو تغيير النمط الاقتصادي الريعي وإيجاد نظام اقتصادي أكثر استدامة يأتي من توافق شعبي يتحمل فيه المواطنين المسؤولية.

كيف تؤثر نهاية الدولة الريعية على الشرعية السياسية في الخليج؟

يغلب على دول الخليج الطابع الريعي في طرق الإنتاج وأساليب الإنفاق، إذ أن السلطة السياسية في الخليج تحتكر إنتاج الموارد الطبيعية مقابل توفير وظائف وخدمات اجتماعية ومكافآت مالية في نظام غير ضريبي، وهو ما يعني شراء الشرعية السياسية وكسب الولاء الشعبي عن طريق الإنفاق العام، وقد اتضح ذلك في فترة ثورات الربيع العربي قبل اعوام، إذ أنفقت معظم الحكومات الخليجية مبالغ ضخمة من خلال منح مالية والدعم لبعض السلع والخدمات وذلك لإفشال أي محاولة للتغيير السياسي، ومع عدم وجود ضرائب حقيقية فإن المطالبات بالمشاركة السياسية تقل كثيرًا اذ لا ضرائب دون تمثيل.

وبسبب الأزمة النفطية تدرس دول الخليج فرض ضرائب بأشكال مختلفة بعدما تقلصت قدرتها على الإنفاق، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشرعية السياسية بالخليج وأهمية السعي نحو إصلاحات سياسية، وذلك من خلال المطالبة بمشاركة السلطة باتخاذ قرارات مصيرية تحدد مستقبل هذه الشعوب بالدرجة الأولى، وهو ما يفرض أهمية مشاركة المواطنين باختيار البدائل الاقتصادية الأنسب للدولة، وذلك بدءًا من توحيد الخطاب السياسي نحو مناقشة ضرورة التحول الديموقراطي، وكذلك إيجاد أساليب فعالة لتنظيم العمل السياسي.

economy-110116-5

ومن جانب آخر، فقد أوجد هذا النظام الريعي مجتمعات استهلاكية تنعدم فيها العلاقة بين العمل والمكافأة مقابل الأداء، وهذا ما يفسر قلة الإنتاجية في معظم المؤسسات الحكومية المكتظة بالموظفين، اذ أن السلطات السياسية في الخليج تعتمد على خبرات أجنبية من الوافدين في إدارة وتشغيل القطاعات الحيوية، إضافة إلى تكدس معظم المواطنيين في الوظائف الحكومية الإدارية، وهو ما قد يشكل فراغا وظيفيا في حال اظطرت حكومات الخليج إلى الاستغناء عن تلك الخبرات، وما قد ينتج عنه من شلل في قطاعات عديدة، وهذا يستوجب ضرورة الإنفاق على تطوير المؤسسات التعليمية وكذلك برامج الموارد البشرية لشعوب المنطقة بدلا من الإنفاق الهائل على التسليح والهدر في جهات حكومية غير منتجة، وأيضًا تغيير ثقافة العمل السائدة إلى جانب تفعيل المساءلة والمحاسبة وتطبيق القانون من خلال تشريعات جدية، مما يخلق شعور بالمسؤولية لدى المواطنين إذ لا مسؤولية دون محاسبة، وكذلك لتمكينهم من لعب أدوار اكثر أهمية في كل قطاعات الدولة بلا استثناء.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن