كيف برز “آيات الله” وانتشر المذهب الشيعي المعاصر؟

shia shrine

دائمًا ما تزداد الشكاوى من افتقار وسائل الإعلام في منطقة الشرق الأوسط إلى السياق المناسب، إذ أن الكثير من التقارير الإخبارية التي تتعلق بالشرق الأوسط غالبًا ما تفترض أنَّ الأحداث تحدث دون سابقة وأنها غير مرتبطة بالماضي، وبالتالي، يمكن أن يكون تحليل تلك الأحداث مضللًا إلى حد كبير، أما الحل الوحيد لغياب السياق ووضع الأخبار في إطارها الصحيح فهو في دراسة التاريخ، وهو ما يزيد من احتمالية أن يصبح المؤرخون صحفيين جيدين.

افتراضات منحازة

ولكن، يلجأ النقّاد إلى التاريخ فقط عندما يتم التأكيد على أنَّ الشرق الأوسط لديه تاريخ طويل من المشاكل والعنف وعدم المساواة والظلم والطائفية، وهذه افتراضات منحازة؛ لأنها تفترض على نحوٍ خاطئ أنَّ الحالة الراهنة للأوضاع في الشرق الأوسط مماثلة لتاريخٍ لا يتغيّر، وعلى هذا الأساس الخاطئ، يتوقع بعض المحللين أنَّ الشرق الأوسط سيظل دائمًا منطقة مليئة بالاضطرابات والأزمات خصوصاً في ما يتعلق بالصراعات والتوترات الطائفية بين الشيعة والسنة.

ولكن بدلًا من الغضب من آراء هؤلاء المحللين، قام الكاتب “Zackery M. Heern” بتأليف كتاب يضع التشيّع المعاصر ضمن سياقات مناسبة في العراق وإيران والشرق الأوسط، وتاريخ العالم، وبعبارة أخرى، يتحدث هذا الكتاب عن الإسلام الشيعي ومكانته في العالم الحديث، وليس المقصود بكلمة “الحديث” أنه العالم المعاصر، الذي هو مجال كتابة الصحفيين وعلماء السياسة، وإنما تم استخدام مصطلح “الحديث” بالمعنى التاريخي، وفقًا للعديد من المؤرخين، بدأ العالم الحديث في عام 1750.

التغيرات الحديثة

Iraq Shrine Mosque

 

لذلك، وفي محاولة لتطوير فهم أعمق للمذهب الشيعي المعاصر وعلاقته بإيران والعراق، يركز الكتاب على المذهب الشيعي خلال نقطة التحول من أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، تلك اللحظة التاريخية التي أنتجت تغييرات هائلة في تاريخ البشرية، منها الثورة الصناعية، وظهور القومية، والشيوعية، وعصر التنوير، وقيام الولايات المتحدة الأمريكية.

واحدة من الحُجج الرئيسية التي يتناولها الكتاب هي أنَّ العالم الإسلامي ظهر جنبًا إلى جنب مع هذه التغيرات الحديثة، وليس كرد فعل لها، وفي حين يركز معظم العلماء على الاستعمار الأوروبي باعتباره القاطرة التي نقلت الحداثة إلى العالم الإسلامي من أوروبا، يبحث هذا الكتاب عن التغييرات الحديثة التي طرأت على الحركات الأصلية في العالم الإسلامي.

ويزعم المؤلف أنَّ ولادة الحداثة في العالم الإسلامي مرتبطة باللامركزية السياسية لما يسمى بـ “امبراطوريات البارود”، وهي الامبراطوريات الإسلامية العثمانية والصفوية الفارسية والمغولية، وفي القرن الثامن عشر أصبحت هذه الامبراطوريات الكبيرة (مثل تلك الموجودة في روسيا والصين) إما إمبراطوريات لامركزية أو انهارت تماماً، وقد فتح ذلك المجال لاتجاهات اجتماعية ودينية واقتصادية وسياسية جديدة بغرض “التحديث” أو “التطور”.

وفي مجال التطور الاجتماعي والديني، حدث تحول جذري في العالم الإسلامي، والذي نتج عنه ظهور التشيّع الأصولي، والوهابية السنية، والصوفية الجديدة. وبعكس الوهابية والصوفية الجديدة، فإن الأصولية الشيعية لم تلق الكثير من اهتمام العلماء والباحثين.

كيف ظهرت الأصولية الشيعية الحديثة؟

Masjid_Shah,_view_of_the_courtyard_by_Pascal_Coste

ويفترض الكتاب أنَّ الأصولية الشيعية هي الحركة الأكثر قوة في إيران الحديثة وجنوب العراق، لذلك، في حين يحاول بعض المؤرخين تفسير الاتجاهات الحالية في إيران والعراق من خلال تحليل المذهب الشيعي بشكل عام، فإنه من الأفضل التركيز بشكل خاص على الأصولية، وبدقة أكبر على الأصولية الجديدة، التي جاءت للسيطرة على العالم الشيعي خلال لحظة تاريخية حاسمة في أواخر القرن الثامن عشر، وكان الدافع لصعود الأصولية هو انهيار الإمبراطورية الفارسية الصفوية (1501-1722)، تلك الامبراطورية التي أرست المذهب الشيعي كمذهب رسمي لإيران، ودفعت إلى تحويل معظم الإيرانيين من المذهب السُني إلى المذهب الشيعي.

وكحال رجال الدين في معظم دول العالم، كان رجال الدين الشيعة في إيران يتمتعون بدعم كبير من الدولة، ولأنَّ الصفويين جعلوا المذهب الشيعي دين الدولة لأول مرة منذ مئات السنين، أنتجت الفترة الصفوية نهضة في التعليم الشيعي، وفي ظل الحكم الصفوي انتشرت مجموعة من التفسيرات المتنوعة تاريخيًا عن التشيع، بما في ذلك العقلانية الأصولية، والإخباريين النصوصيين، والتصوف، والفلسفة الإشراقية.

وبعد انهيار الإمبراطورية الصفوية في عام 1722، هاجر العديد من رجال الدين الشيعة من العاصمة الصفوية أصفهان إلى المدن المقدسة التي تسيطر عليها الإمبراطورية العثمانية السُنية مثل كربلاء والنجف في جنوب العراق، وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترأس رجال الدين الأصوليين الشيعة عملية تحويل غالبية العراقيين الجنوبيين من التصوف إلى التشيّع ودافعوا عن جنوب العراق من هجمات الوهابية السعودية.

صِدام مذهبي

large-116157438801874973

وفي محاولة لتوطيد قوتها، أعلنت الأصولية الشيعية أنَّ الصوفيين، والإخباريين، والوهابيين، والبهائيين وغيرهم من المدارس الإسلامية هم جميعًا زنادقة، مما حدّد نطاق العقيدة الدينية في العالم الشيعي، حيث ادّعى الأصوليون أيضًا أنهم نوّاب للأئمة الإثنى عشر وامتداد لهم، وأعلنوا الأحكام الشرعية الملزمة التي كثيرًا ما كانوا يطبقونها بأنفسهم،  فيذكر على سبيل المثال أن أحد رجال الدين الأصوليين، محمد باقر شفتي، الذي كان واحدًا من أغنى الإيرانيين في القرن التاسع عشر، قد حكم بنفسه بالإعدام على مائة شخص.

ظهرت القيادة الأصولية في التقسيم الطبقي المتزايد للمذهب الشيعي، على الرغم من أنَّ الأصولية ظلت منظمة بشكل غير رسمي من خلال كبار رجال الدين، الذين غالبًا ما يتنافسون للحصول على مزيد من الأتباع. ومن أجل تمييز أنفسهم، اتخذ رجال الدين الأصوليين ألقاباً فخمة، ومنها “حُجة الإسلام”، “مرجع التقليد”، واللقب الشهير الآن “آية الله”.

طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، سيطر الأصوليون على الدين في جميع أنحاء العالم الشيعي وظلوا شبه مستقلين عن الدولة الإيرانية، وتباين موقف أعضاء المؤسسة الأصولية تجاه حكومة قاجار (1785-1925) في إيران بين التعاون والعصيان؛ فمن جهة، توقع الأصوليون أن ينفذ أنصار القاجار إعلانهم الجهاد ضد روسيا، ومن ناحية أخرى، دعم بعض الأصوليين إصلاحات دستورية من شأنها أن تحد من سلطة الشاه.

آيات الله: الطبقة الجديدة

في فهم المذهب الشيعي المعاصر

إلا أن الإرث الأكبر الذي تركه الأصوليين الجدد يكمن في تأكيدهم على مذهب شيعي شرعي منح رجال الدين سُلطة أكبر من أي وقت مضى، فقد قسّموا المجتمع الشيعي إلى رجال الدين والناس العاديين، وطلبوا من جميع الأشخاص العاديين تقليد واتباع الإرشاد الديني لرجل الدين الأكثرعلمًا، وورعًا، وعدلًا. وغداة ذلك، جمع الأصوليون الثروات من التبرعات الخيرية والمشاريع التجارية الشخصية، وفي المقابل، قاموا ببناء المؤسسات الخيرية، بما في ذلك المستشفيات ودور الأيتام والمدارس، ولذلك أصبح “آيات الله” أقوياء مثل البابا، يترأسون شبكات واسعة النطاق من المحسوبية بين “الراعي” و”الأتباع” تتعدى الحدود الجغرافية.

استغل آية الله الخميني، قائد الثورة الإيرانية، الشبكات الأصولية والأيديولوجية للسيطرة على الحكومة الإيرانية في أوائل ثمانينات القرن الماضي، وقد قام الخميني بالترويج لـ “ولاية الفقيه”، وهي فكرة أصولية فسّرها بعض الأصوليين الجدد على أنها تعني أن رجال الدين الأصوليين يجب أن يحكموا نيابة عن أئمة الفرقة الاثنا عشرية، ويشغل هذا المنصب حالياً في إيران المرشد الأعلى للثورة، الولي الفقيه، آية الله علي خامنئي.

الخميني

الخميني

بالرغم من ذلك، انتقد العديد من الشيعة تسييس الخميني للمذهب الشيعي وتفسيره لولاية الفقيه، أحد هؤلاء النقّاد هو رجل الدين الشيعي الأقوى في العراق، آية الله علي السيستاني، الذي يتبعه حاليًا أكثر الشيعة في العالم، حتى أكثر من أتباع المرشد الأعلى في إيران.

هذا النوع من اللامركزية، والقيادة متعددة الرؤوس، يعد أمراً شائعاً في تاريخ الأصولية الجديدة، لأنَّ أتباع الأصولية الشيعية أحرار في اختيار رجل الدين (آية الله) الذي يرغبون في اتباعه، وعلى الرغم من توافق خامنئي والسيستاني حول العديد من القضايا، إلّا أنَّ اختلافاتهم تدل على التنوع الفكري والقومي داخل الحركة الأصولية الشيعية المعاصرة. وفي الواقع، وكحال أي نظام ثقافي كبير، فإن التشيع هو مذهب معقد، ومتطور، وله جذور تاريخية عميقة.

ما سبق هو ملخص لكتاب “ظهور التشيع الحديث: الإصلاح الإسلامي في العراق وإيران” – The Emergence of Modern Shi’ism: Islamic Reform in Iraq and Iran، ويمكنك الحصول عليه باللغة الانجليزية من موقع أمازون.

المصدر: Your Middle East

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.