ثورة تأكل أبناءها: خمس قصص تحكي أين وصل حال المطالبين بالحرية في مصر

يستغرق الأمر حوالي 30 دقيقة بالسيارة من حي فيصل المزدحم بالقاهرة إلى ما يسميه السكّان المحليون “السجن”. هناك الكثير من السجون في مصر، ولكن يبدو أن الجميع يعرفون سجن طرة، الذي أُنشيء في عام 1908. يضم هذا السجن مجموعة متنوعة من المعارضين في البلاد، ورجال الأعمال، والإسلاميين، ورجال الدولة، من بينهم الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي حكم مصر لما يقرب من ثلاثة عقود قبل سقوط نظامه في الانتفاضة التي بدأت منذ ما يقرب من خمسة سنوات.

ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الاضطرابات في مصر وقد أصبحت دوافعها شخصية بقدر ما هي جماعية، ولقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية أول انتخابات ديمقراطية في تاريخها، أعقبها موجة أخرى من الاحتجاج على حُكم محمد مرسي، الرئيس الإسلامي الذي أتت به تلك الانتخابات إلى السلطة، ومن ثم انقلاب عسكري بقيادة قائد الجيش – آنذاك – عبد الفتاح السيسي، لتعود السلطوية في ظل حُكم السيسي، والتي خاطر العديد من المتظاهرين بحياتهم للهروب منها قبل خمس سنوات، وقد شملت حملات القمع السلطوية الليبراليين والإسلاميين على حد سواء، وجعلت من السجون مقابر لتطلعات وطموحات الثورة.

الطريق إلى السجن

egypt prison tora

لقد حفظت نورهان حفظي الطريق إلى هناك؛ هذا الطريق الذي تتناثر فيه القمامة من الشوارع الضيقة والذي يمرّ عبر أحياء القاهرة الهامشية، وراء المدرسة الفرنسية والمحال التجارية، وينتهي بسجن منعزل حيث يوجد زوجها أحمد دومة الذي تمّ اعتقاله منذ عامين.

“لقد مضت خمس سنوات منذ الإطاحة بمبارك وقد عدنا إلى المربع رقم واحد”، هكذا تقول نورهان التي تبلغ السادسة والعشرين من العمر. كان أحمد أحد الناشطين الليبراليين البارزين في مصر، ويظلّ إلى اليوم رمزًا حيًا للثورة المصرية، شعر بنبض الحياة ونشوة الانتصار في شوارع القاهرة، ولكنه الآن يقبع ضعيفًا صامتًا وراء القضبان. اعتاد الزوجان الشابان على الحديث لساعات عن خططهما لفتح محل صغير لبيع الكتب، وربما بدء دار نشر مكرّسة لتعزيز الحرية والديمقراطية في بلد يفتقر لكليهما، والآن باتت أحاديثهم قاصرة على لقاء سريع لمدة 20 دقيقة كل أسبوعين.

“إنه أسوأ من المربع رقم واحد”، هكذا صححت الجملة السيدة فتحية والدة أحمد، التي غالبًا ما ترافق زوجة ابنها في زيارات السجن، إذ ترى أم أحمد أنَّ الذهاب إلى السجن يثير ماضٍ بعيد، بعد اعتقال والدها وجميع أقاربها الذكور قبل عشرات السنين لكونهم أعضاء بجماعة الإخوان المسلمين المحظورة آنذاك، تلك الجماعة التي كانت لفترة وجيزة مسؤولة عن الحكومة المصرية بعد صعود مرسي للرئاسة، وقد تمّ حظرها مرة أخرى، ولكن السيدة فتحية لم تعتقد أبدًا أنَّ ابنها أحمد -المعارض الشديد للجماعة ذاتها التي أفنت هي وزوجها حياتهما فيها- سينتهي به الحال وراء القضبان.

المسار السريع نحو السجن

ووصفت منظمة العفو الدولية وغيرها من جماعات حقوق الإنسان، حملات القمع التي يطلقها السيسي بأنها حملات استثنائية لم يسبق لها مثيل، واستهدفت قوات الأمن أنصار مرسي واتهمت جماعة الإخوان المسلمين بالتنسيق مع الجماعات الإسلامية المتطرفة -بما في ذلك تلك الجماعات التي تعهدت بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014- وذلك لقتل المئات من رجال الشرطة والجنود في شبه جزيرة سيناء، وقد نفت جماعة الإخوان المسلمين أي انتماء لهذه الجماعات، بينما ذكرت وزارة الداخلية المصرية أنَّ 11,877 شخصًا اُعتقلوا بتهم تتعلق بالإرهاب بين يناير وسبتمبر لعام 2015، على الرغم من أنها لم تصدر أي إحصائيات جديدة منذ ذلك الحين.

egypt protestor suppression

ولكن مخالب الدولة انتشرت لخنق أي معارضة، وأصبح قانون التظاهر الذي صدر في نوفمبر عام 2013، كما تصفه منظمة العفو الدولية، “المسار السريع” نحو السجن، ووفقًا لأحدث البيانات المتاحة من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فمنذ الإطاحة بمرسي تمّ اعتقال نحو 41,000 شخص، أو توجيه الاتهام لهم بارتكاب جريمة جنائية، وذلك منذ مايو عام 2014.

“إذا لم تكن مع النظام العسكري فأنت إرهابي، ولكن بمجرد أن تزيل لقب ’إرهابي‘ من شخص ما فإنك ترى الناس الذين تعرفهم.. ابنك أو زوجك أو البقال في الشارع .. ترى الجميع”، هكذا تقول السيدة فتحية، وتضيف “لقد انقسمت البلاد، ولا أحد يعرف ما هي الخطوة التالية”.

لقد ازداد القمع قبيل الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، واعتقلت قوات الأمن مؤخرًا بعض النشطاء وأغلقت مراكز ثقافية، بما في ذلك معرضاً معروفاً للفنون يعد واحداً من عدد قليل من أماكن المجتمع الإبداعي في وسط القاهرة.

“إننا نواجه الآن أسوأ نظام قمعي في التاريخ المصري الحديث”، هكذا صرّح جمال عيد، المحامي والناشط المصري بمجال حقوق الإنسان، “إنَّ حرية مَن هم خلف القضبان هي حريتنا”.

* * *

بعد خمس سنوات من بدء الانتفاضة الشعبية في مصر وانتصارها لفترة وجيزة، نستعرض فيما يلي قصص خمس عائلات من مختلف ألوان الطيف السياسي في مصر، التي توحدت بفعل حزنهم على الثورة التي التهمت أبناءها، تشكّل حكاياتهم قصاصات ممزقة لواحدة من أكثر الفترات صخبًا في تاريخ المنطقة الحديث.

السجين: أحمد دومة

egypt ahmed douma family

فتحية دومة (الأم) ونورهان حفظي (الزوجة)

استغرق الأمر بعض الوقت حتى تعتاد السيدة فتحية على نورهان، زوجة ابنها الأكبر، لأنها لم تكن مُحجبة، وتقول السيدة فتحية، التي تعيش بإحدى قرى منطقة الدلتا المحافِظة، إنها قلقة مما قد يقوله بعض الناس، وأوضحت: “في عائلتنا، نعتبر الرجل الذي يسمح لزوجته بارتداء مثل هذه الملابس أنه لا يسيطر على بيته”.

تصف نورهان نفسها بأنها ناشطة ليبرالية، ورُغم نشأتها في حي محافظ بالقاهرة، كان يسمح لها بأن يكون لها أصدقاء من الشباب والإلتحاق بصفوف الدراما في المدرسة، في حين تأتي السيدة فتحية من عائلة مناصرة لجماعة الإخوان المسلمين بإحدى القرى الريفية، وفي مثل هذه المجتمعات المهملة منذ فترة طويلة من قِبل نظام مبارك، قدّمت جماعة الإخوان المسلمين مجموعة من الخدمات الاجتماعية مثل العيادات الصحية ودور الحضانة، وقد استفادت عائلة السيدة فتحية من هذه الخدمات وعزّزت تلك الشبكة الاجتماعية، وأسست أول مسجد بالحي وتطوعت له أسبوعيًا، وبالنسبة للسيدة فتحية وزوجها، كانت الجماعة “تجسّد ما يعنيه أن تكون مسلمًا”، وتهتم برعاية الجميع، لكنَّ نورهان لا توافقها في ذلك.

تلاحظ السيدة فتحية الاختلافات بين الأجيال، وتقول: “هذا الجيل يريد أن يعيش حياته بأسلوبه الخاص”، ولكن هناك المزيد من الخلافات مع العائلة. تقول فتحية إنَّ أحمد لطالما تحدى السلطة، وفي فبراير عام 2015، حُكم عليه بالسجن مدى الحياة كجزء من حملة السيسي القمعية، ولكن بحلول ذلك الوقت اعتاد على السجن وكان قد سُجن في عهد مبارك ثم في عهد مرسي أيضًا، واُعتقل أول مرة في عام 2009 على الحدود مع قطاع غزة مع ناشطين آخرين كانوا يعبّرون عن تضامنهم مع الفلسطينيين.

في ذلك الوقت، تقول نورهان: “رفضت جماعة الإخوان المسلمين الدفاع عنه، على الرغم من أنَّ الجماعة غالبًا ما تستغل حصار غزة كذريعة للحشد السياسي، لقد غيّرت تلك التجربة أحمد، ومنذ ذلك الحين، اعتبر الجماعة التي نشأ وترعرع فيها بأنها حفنة من المنافقين، إن لم يكن من الأعداء”.

وكان قد أُطلق سراحه في ذلك الوقت، التقت به نورهان بعد فترة وجيزة، في عام 2010، في مظاهرة للتضامن مع القضية الفلسطينية، وقعا في حب بعضهما البعض على الفور، وفي ليلة الإطاحة بمبارك — 11 فبراير 2011 — أقاما حفل الخطوبة في ميدان التحرير، لكن أحمد لم ينته من الاحتجاج، وبعد أن حصل الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية الأخرى على أكثر من ثلثي المقاعد في البرلمان، والفوز برئاسة الجمهورية في نهاية المطاف، عقب انتخابات ما بعد الثورة الأولى في البلاد في عام 2012، تنبأ أحمد بنظام استبدادي آخر في طور التكوين، وانتقد حكومة مرسي لأهدافها الدينية المحافظة وعدم مساءلة الجيش للعنف ضد المتظاهرين.

واعتقل أحمد مرة أخرى في عام 2012، وهذه المرة، من بين أمور أخرى، بتهمة رسم جرافيتي مناهض لمرسي حول مقر الإخوان المسلمين، وأُفرج عنه بعد فترة قصيرة، ولكن والده – وهو من مؤيدي جماعة الإخوان – وافق علنًا على عقاب أحمد، وتقول السيدة فتحية: “هذا سبب الهوة بيننا وبين أحمد، وقد بدأت نورهان تشعر بأنها وأحمد ينتميان إلى فريق واحد، وأننا ننتمي إلى فريق آخر”.

أحمد دومة

أحمد دومة

في 30 يونيو عام 2013، كان أحمد من بين الملايين الذين تظاهروا للإطاحة بمرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وفي يوم 3 يوليو، هتف إلى جانب الكثير من الشعب المصري عندما أطاح الجيش بمرسي، وقال له والده بعد ذلك إنَّ الشباب في البلاد يتم التلاعب بهم، وأنَّ “الدولة العميقة”، أي مراكز السلطة الراسخة بين البيروقراطيين وقوات الأمن، من شأنها أن تسود مرة أخرى، بعد مرور أكثر من عامين، يعتقد الكثيرون أنّه كان مُحقًا، وعاد أحمد مرة أخرى خلف القضبان. أما والده، فإنه يعيش في هدوء تام بعيدًا عن الأنظار في قريته، خوفًا من التعرض للخطف أو الاعتقال في أي وقت، كحال العديدين من أقاربه وأصدقائه.

وعلى الرغم من وجود عدو مشترك في شكل “الدولة العميقة”، لا تزال الأسرة منقسمة من خلال شعور عميق من عدم الثقة، وتقول نورهان: “في أي لحظة، تستطيع جماعة الإخوان المسلمين فعل أي شيء في سبيل الدين، أو باسم الجماعة، للدفاع عن أنفسهم، ولسوء الحظ، فإنَّ علاقاتي مع جميع أعضاء الجماعة تؤكد آرائي”.

لم تعلق السيدة فتحية، وبدلا من ذلك، تذكّرت حفل الزفاف الأخير لابنها الأصغر الذي أراد الانتظار حتى خروج أحمد من السجن، وعندما حُكم بالسجن مدى الحياة على أحمد، قرر عدم الانتظار.

وتحكي السيدة فتحية ووجهها تغطيه الدموع: “كنتُ مشتتة لغياب أحمد عن حفل الزفاف حتى أنني لم أستطع الشعور بابني الآخر الذي يتزوج”، ربتت نورهان على يديها، وقالت: “كل شيء سيكون على ما يرام يا أمي”، وأعطت السيدة فتحية منديلا لتمسح دموعها، ولكن ليس قبل استخدامه لمسح دموعها أيضًا.

* * *

السجينة: إسراء الطويل

Isra AlTaweel Egypt Protest

هناء (الأم)، ودعاء (الشقيقة)

عادت إسراء الطويل إلى شقتها الضيقة بمدينة القاهرة لأول مرة بعد ستة أشهر في السجن، وجدتها كما تركتها آخر مرة، مليئة بآثار تفاصيل شابة عادية تبلغ من العمر 23 عامًا، انقلبت حياتها رأسًا على عقب في ليلة واحدة فقط.

وجدتَ قطتها الجميلة “وودي”، التي أنجبت بعض القطط وهي في السجن، وجهاز المشي الذي تستخدمه للعلاج البدني بعد أن أصابتها رصاصة ضابط شرطة (كادت أن تشلّها تماماً) في عام 2014، خلال الاحتفالات بالذكرى السنوية الثالثة لثورة 25 يناير، كما وجدتَ شقيقتها البالغة من العمر 22 عامًا، دعاء، التي تناديها باسم “قلبي”، واثنين من كاميرات كانون، التي كانت تستخدمها لتوثيق الأحداث طيلة السنوات الخمس الماضية.

وقالت والدتها، السيدة هناء، الصيف الماضي، حينما كانت إسراء في السجن: “إسراء لم تكلّف مصر أي شيء، ومع ذلك، حرمتها مصر من أغلى شيء: حريتها”.

اُتهمت إسراء بانتمائها لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة حاليًا، ونشر تقارير كاذبة “تشوّه سمعة مصر”، وهي اتهامات أنكرتها إسراء، وفي ديسمبر الماضي، أفرجت عنها محكمة جنايات القاهرة لأسباب طبية، ولكن ظلت هذه الاتهامات، ولا تزال تحركاتها مقيدة وخاضعة للمراقبة، ولا يُسمح لها بالتحدث إلى الصحافة.

“بدأ هذا الكابوس”، كما وصفته شقيقة إسراء وأمها، في شهر يونيو الماضي، حينما ذهبت إسراء واثنين من أفضل أصدقائها، عمر محمد وصهيب سعد، إلى مطعم تشيليز ولم يعودوا إلى البيت مرة أخرى.

وتحكي دعاء: “كانت الأيام طويلة لا تنقضي وكنا نرى الكوابيس كل ليلة، هل هي على قيد الحياة؟ أم أنَّ شخصا ما قتلها؟ انتظرنا 17 يومًا حتى علمنا أنها اُعتقلت”.

تمّ إلقاء القبض عليها وأصدقائها من قِبل ضباط الشرطة خارج المطعم، ولكن قوات الأمن المصرية أخبرت أسرة إسراء ومحاميها أنهم لا يحتجزونها، وقالت السيدة هناء إنَّ البعض وبخها لترك ابنتها تخرج مع اثنين من الأصدقاء الذكور بمفردها، في إشارة إلى أن إسراء قد هربت مع حبيبها.

وحتى ظهور والد إسراء على شاشات التلفزيون للحديث عن ابنته المفقودة، قام أحد الأشخاص المجهولين بإخبار أسرة إسراء عن مكان ابنتهم من خلال موقع الفيسبوك، حيث قالت امرأة مجهولة إنها رأت إسراء في سجن النساء في القاهرة. ومثل الكثير من الشباب المصري، كانت إسراء تحتج ضد انتهاكات السيسي في مجال حقوق الإنسان وتنشر التغريدات التي تنتقد حُكمه، وتقول دعاء إنه لا شيء يبرر الاعتقال، “إذا كانت فتاة مصابة بالشلل تقريبًا تشكّل تهديدًا، إذن يمكن أن يشكّل أي منا خطرًا على الدولة أيضًا”.

الاختفاء القسري

ويقول نشطاء حقوق الإنسان إنَّ “الاختفاء القسري” لإسراء هو جزء من موجة الاعتقالات التي تشنّها قوات الأمن التي اعتقلت عشرات الأشخاص دون الكشف عن أماكن وجودهم، وإخفائهم عن القانون، وقد ذكرت منظمة الحرية للجدعان، وهي مجموعة مستقلة تقدم الدعم للمعتقلين، أنها وثّقت أكثر من 375 حالة اعتقال منذ أبريل عام 2015، على الرغم من مجموعات أخرى ذكرت أن هذا العدد يتراوح بين 160 إلى 1500حالة، فيما أُحيل أصدقاء إسراء، سعد ومحمد، لمحاكمة عسكرية بتهم مماثلة في أواخر أغسطس، ويقول شقيق سعد إنه تمّ إجبار شقيقه على الاعتراف في تسجيل صوتي بنقل أسلحة، وأنه عُلِّق من معصميه لمدة ثلاثة أيام وصُعق بالكهرباء.

“السجن مكان ملعون حيث تفقد الحياة معناها، وبشكل أدق لا توجد حياة بالأساس، نحن مثل الموتى الأحياء”.

هكذا كتبت إسراء في رسالة تمكّنت دعاء من تهريبها خارج السجن أثناء زيارة لها. وفي أول 15 يومًا من الاعتقال، قالت إسراء إنها كانت معصوبة العينين مُجبرة على الاستماع إلى صرخات الرجال الذين يتعرضون للتعذيب، “في نهاية النفق، تمنحنا الحياة الضوء، وتسمح لنا بنسيان الألم الذي عانينا منه كثيرًا، يا إلهي متى سينتهي هذا الكابوس؟”.

وعلى مدار سجنها، تدهورت قدرة إسراء على المشي، وأصبحت دعاء نادرًا ما تبتسم وبالكاد تستطيع إنهاء عامها الأخير في الجامعة، شقيقتهما الصغرى، آلاء، لم تكمل المدرسة وخرجت منها، وتقول الأم إنها لم تستطع تعنيفها على ذلك، لماذا تخطط للمستقبل في بلد يمكن أن تدخل فيها السجن وتشعر بالحزن والأسى لشهور عديدة بسبب ليلة تذهب فيها إلى مطعم تشيليز؟

إسراء الطويل تتوسط والدتها وشقيقتها

إسراء الطويل تتوسط والدتها وشقيقتها

في الصيف الماضي، قالت السيدة هناء إنه حينما تخرج إسراء من السجن، ستحزم الأسرة حقائبها وتغادر البلاد، لكن الآن بعد إطلاق سراح إسراء، ليس ثمة وسيلة لمغادرة البلاد؛ إذ يجب أن تنتظر أسرة إسراء حتى يأتي قرار المحكمة النهائي أو حتى يتم إسقاط التهم.

وحتى ذلك الحين، تتدلى البالونات الاحتفالية من سقف شقة إسراء، ولا تزال كاميرات كانون التي كانت تستخدمها في غرفة نومها، مُغطاة بمعطف سميك مليء بالغبار على الرغم من أنها عادت لمنزلها.

 * * *

السجين: محمد إمام

السيدة صالحة

صالحة طاهر (الأم)

نشأت السيدة صالحة طاهر في شوارع منطقة العوايد، وهو حي فقير بأطراف الإسكندرية، ولم تعرف خلال نشأتها أي شيء عن السياسة. وبوصفها عضواً من أعضاء “حزب الكنبة” كما تقول، وهو مصطلح يعبر عن الأغلبية الصامتة في مصر التي لم تشارك في الثورة، فإن صالحة لم تكن تشاهد الأخبار، وترى أنَّ عام 2011 كان مجرد عام آخر في تاريخ مصر.

“نحن أسرة لا تهتم بالسياسة”، تقول صالحة أثناء جلوسها في غرفة المعيشة مع زوجها وابنها الأكبر، “نحن لا نحب السياسة”، ولكن الآن أصبحت تلك الأسرة متشابكة في السياسة ومخنوقة بها.

في يناير عام 2014، أصيب محمد إمام، نجل السيدة صالحة البالغ من العمر 21 عامًا، برصاصة في الساق خلال مظاهرة بجامعة الإسكندرية، وفي شهر أبريل عام 2014، أُلقي القبض عليه عقب احتجاج في الجامعة.

في حين تنفي الأم أن ابنها ناشط سياسي، يقول أصدقاؤه إنَّ محمد عضو بحركة 6 أبريل، وهي جماعة ثورية ساعدت في تنظيم الاحتجاجات الحاشدة التي أطاحت بمبارك في فبراير عام 2011، وفي أبريل عام 2014، وقد منعت إحدى المحاكم المصرية هذه الحركة، واتهمتها “بالتجسس” والقيام “بأنشطة تشوّه صورة مصر”، واتهم أحد المحامين الموالين للحكومة الحركة بأنها “منظمة إرهابية”.

egypt protest III

“نحن لا نعرف حتى ما هي 6 أبريل”، هكذا تقول السيدة صالحة، وفي كثير من الأحيان تخطئ ف اسم الحركة وتخلط بين القادة البارزين في الحركة؛ وهذا دليل، كما تقول، على جهل عائلتها وبراءة ابنها، والتي تقول: “ليس ثمة خطأ في مصر، إننا مجرد عائلة عادية نهتم بأعمالنا، نحن فقط نشعر بالقلق على صحة ابننا”.

اعتقال محمد أمر معقد لأسرته؛ فوالده ضابط عسكري متقاعد، يقول: “نحن لا يُسمح لنا بالانخراط في الحياة السياسية”.

الابن الأكبر تامر، وهو محاسب يبلغ من العمر 36 عامًا، يتردد في انتقاد النظام، خوفًا من تعقيد الأمور على أخيه، ولكنه خرج عن صمته في النهاية وقال: “أعتقد أن أي رجل أعمى يمكن أن يرى هذه القضية، هناك تجاوزات كبيرة تحدث في البلاد وهذا خطأ الشخص المسؤول”.

من الطرف الآخر في الغرفة، يعض والده على لسانه من الغيظ رافضًا ما يقوله الابن، بينما تضحك السيدة صالحة باضطراب ممسكةً بغطاء رأسها الوردي، وقال الأب عندما سُئل عن رأي تامر: “هذا رأيه”، وحتى الآن لم يزر الأب ابنه في السجن: “أنا ليس لدي أية آراء عن كل هذا”.

* * *

السجين: لؤي الخواجي

0edc5bd25

مي الخواجي (الشقيقة)

تقول مي إنها شعرتُ وكأنها في الخمسين من عمرها طيلة السنوات الخمس الماضية عندما بدأت الثورة، كانت عازفة الكمان الطموحة في الخامسة عشر من عمرها فقط، ولم تكن تعرف ما يحدث أو ما كان على المحك حينها، لقد نشأت في مدينة الإسكندرية ولم تذهب إلى القاهرة قط في حياتها، ولكن الآن وهي في العشرين من عمرها، تقول أنها فهمت كل شيء.

“لم أعد طفلة”، هكذا قالت مي وهي تجلس في مقهى على ساحل الإسكندرية على البحر المتوسط.

على مدار طفولتها، فقدت أصدقاء بسبب خلافات سياسية، وفقدت آخرين عن طريق الموت، لقد شهدت مقتل اثنين من أصدقائها بالذخيرة الحية في الجامعة حيث كانوا يتظاهرون للمطالبة بالمزيد من الحقوق والحريات.

كما أنها فقدت الإحساس بالمكان، ومن أجل رؤية أخيها الأكبر البالغ من العمر 28 عامًا، لؤي، يجب أن تستيقظ الفجر وتسافر إلى سجن برج العرب بالإسكندرية، حيث يقضي شقيقها حُكمًا بالسجن لمدة عامين، تنتظر لمدة تصل إلى خمس ساعات في “ظروف مثيرة للاشمئزاز” لرؤيته لمدة 20 دقيقة فقط.

“يقول لؤي إنَّ الوضع سيئًا للغاية الآن في مصر”، وتقول مي إنَّ وجوده في السجن أفضل حاليًا، “لأنه لو كان في الخارج، فمن الممكن أن يقوم بفعل شيء متهور أو متطرف، ويستمر في الاحتجاج حتى يموت”.

في فبراير عام 2015، حُكم على لؤي وآخرين بالسجن لمدة عامين، بتهمة التظاهر دون ترخيص وتهديد الأمن العام، وبعد الاستئناف، تمّ تخفيض الحُكم لعام واحد وثلاثة أشهر، كان لؤي في السجن بالفعل، يقضي عقوبات قضايا أخرى من التظاهر دون تصريح أمام المحكمة الجنائية بالإسكندرية في ديسمبر عام 2013، أثناء احتجاجه على إعادة محاكمة اثنين من ضباط الشرطة المتهمين بقتل الشاب المصري خالد سعيد البالغ من العمر 18 عامًا، وقد توفي سعيد في يونيو عام 2010 بعد تعرضه للضرب من رجال الشرطة، وكانت وفاته محفزًا رئيسيًا لثورة يناير عام 2011.

كان لؤي يعرف خالد سعيد، وكان جزءًا من مجموعة متماسكة من الناشطين السكندريين الذين تظاهروا ضد نظام مبارك قبل فترة طويلة من ثورة يناير، ومنذ سن مبكرة، شعرُ لؤي بالإحباط من نظام التعليم السيء، وارتفاع معدلات البطالة، والفساد المستشري في مصر.

كانت مي طالبة جامعية مُحجبة ومحافظة نسبيًا تتجنب الشعارات السياسية، ولم تكن قريبة من أخيها الأكبر الذي كان يقرأ كتب كارل ماركس بدلاً من القرآن، ويدخن السجائر، ويتسكع مع “الرفاق”، من بينهم فتيات غير مُحجبات، ويعتبر لؤي نفسه ثوري اشتراكي، ولذا يمكن القول إنه كان غريبًا وسط عائلة محافظة، أحد أقاربه هو عضو بجماعة الإخوان المسلمين وموجود حاليًا في السجن.

وتقول مي: “بعد اعتقال لؤي، أصبحت أراه أكثر الآن، لقد أصبحنا أصدقاء من خلال هذه التجربة وتعلمت منه الكثير، وأصبحت فتاة ناضجة الآن”، تضامنت مي مع عائلات أخرى لمعتقلين قابعين وراء القضبان، وشكّلوا نوعًا من التواصل مع أعضاء من قطاعات مختلفة من المجتمع المصري بما في ذلك واحد من أبرز الإسلاميين بالإسكندرية، كان مسجونًا مع لؤي وأُفرج عنه مؤخرًا.

تحكي مي:

“في الماضي، وقبل حدوث كل هذا، لم أكن أتحدثُ أبدًا مع أناس مثله أو أشخاص مختلفين عني، ولكن هذه التجربة غيّرتني تمامًا، على الرغم من أن عالمي لا يزال صغيرًا، لكنه أصبح أكبر الآن”، وتقول إنه شيء يحاول لؤي غرسه فيها منذ كانت طفلة.

وتتذكر مي ذكريات الماضي: “عندما كنتُ طفلة، كنتُ أكره الصراصير، وكلما رأيتُ أحد الصراصير في المنزل، كنتُ أصرخ وعلى الفور أحاول القضاء عليه، ولكن لؤي كان يأخذ الصرصور ويضعه في الخارج، ويطلب مني أن أفعل الشيء نفسه”.

وكان يقول: “ليس معنى أنكِ تكرهين الصراصير، أن هذا يمنحكِ الحق لقتلها، أو أنكِ لا تستطيعين العيش معها”.

* * *

السجين: محمد بخيت

روضة

روضة (الابنة)

خلال الأشهر الستة الماضية، كلما أرادت روضة رؤية أو التحدث إلى والدها، تنتظر مكالمة هاتفية من رقم مجهول، ثم تسافر من قريتها إلى موقع سري في مدينة القاهرة، حيث تغيّر محلّ إقامتها كل بضعة أسابيع.

في أكتوبر عام 2013، ألقي القبض عليه لكونه عضوًا بجماعة الإخوان المسلمين، وبعد عامين ونصف خلف القضبان، أُطلق سراحه، ولكن حريته كانت قصيرة الأمد وسرعان ما سمع أنَّ هناك أمرًا آخر باعتقاله.

“لقد كانت لديه فرص للفرار من البلاد وأن يكون حرًا”، تقول روضة، الطالبة بكلية الحقوق والبالغة من العمر 20 عامًا، وتضيف: “ولكن إذا هرب الجميع، فمَن سيبقى ويقاتل؟ مَن سيواصل النضال؟

عندما تؤمن بقضية عادلة، فإنها تمنحك القوة للاستمرا”.

لقد كان والدها شخصية بارزة في جماعة الإخوان المسلمين، وفي عهد مبارك، اُعتقل لتورطه في أحداث قامت بها الجماعة في الأعوام 2005، و2007، و2010، لمدة 15 يومًا فقط، كان هذا هو النموذج السائد عند كثير من آباء صديقاتها، وتوضح روضة: “إنَّ الإخوان ليست مجرد منظمة؛ إنها أسلوب حياة”.

وتقول روضة إنَّ الجماعة كانت كل ما تعرفه أثناء نشأتها، لكنها لم تتماثل معها بشكل تام، وخلال فترة حُكم مرسي، كانت تنتقدها بسبب سيطرتها المفرطة على الحُكم.

وتضيف روضة: “شعرتُ أنَّ مرسي لم يفِ بوعوده للثورة، الجميع يرتكب أخطاء مثل أي جماعة أخرى، ولكني أردتُ وجود مساحة أكبر لانتقاده”.

ولكن في عام 2013، تأجج ولائها الفاتر للجماعة عندما قتلت قوات الأمن ما يصل إلى 1000 شخص من أنصار الرئيس محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية، الذي اعتصم فيه الإسلاميون لمدة 47 يومًا، وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الحدث بأنه “واحد من أكبر جرائم قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث”.

فقدت روضة ابن عمها والعديد من الأصدقاء، وتقول: “كان شبح الدم يطاردني منذ ذلك الحين، لا يمكنني نسيان ما حدث ذلك اليوم”، خضعت روضة للعلاج النفسي على مدى السنوات القليلة الماضية ولكنها لا تزال تعاني من نوبات هلع كلما كانت بالقرب من ميدان رابعة العدوية.

وفي حين تقول روضة إنَّ جماعة الإخوان المسلمين قد عادت تعمل في الخفاء كما كانت عليه في السابق، إلا أنَّ الجماعة لا تزال تعمل بالتزام وجدية كما كانت دائمًا؛ إذ تعقد اجتماعات أسبوعية في أماكن سريّة وتقوم بتعيين قيادات محلية جديدة. وتقول روضة أن الجميع يعلم أنها مرتبطة بالجماعة، مشيرة إلى أنها تخشى أن يتمّ طردها من جامعتها في أي وقت، وكل أسبوعين تقوم هي وصديقاتها بمظاهرات صغيرة هناك، لكنها تشعر بالعجز عن إحداث أي تغيير حقيقي.

“في بعض النواحي، لم يتغيّر أي شيء”، كما تقول، قبل تسعة أشهر، قررت ارتداء النقاب، لكن والدها نصحها بألا تفعل ذلك خوفًا من المشاعر المتزايدة ضد الإسلاميين، ولكنها أصرّت.

وتقول روضة: “إنها طريقتي للتعبير عن نفسي، إنه خياري وحقي”، كما تعبّر عن نفسها على موقع الفيسبوك، وتنشر سيل من المناشدات للناس لتذكّرهم بالمعتقلين، حتى “تستيقظ البلاد من سباتها العميق”.

مؤخراً، نشرت صورة لأقدام راقصة باليه، القدم اليسرى ملفوفة بحذاء أنيق، بينما القدم اليمنى عارية لكنها محاطة بضمادات، ومليئة بالكدمات والجروح، إنها تذكير، كما تقول روضة، بالجمال المُغطى بالألم، والألم الذي يخلق الجمال.

تريد روضة أن تصبح محامية لحقوق الإنسان، وأن تعمل مع المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، ولذلك، تقوم بتوثيق الاعتقالات وتتواصل مع عائلات المعتقلين.

وفي النهاية، قالت روضة: “عندما تنحى مبارك، كانت ذكرى جميلة، والآن، كل ما لدينا هو مجرد ذكريات”.

egypt jan 28 protest defiance

المصدر: The Atlantic 

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.