سرقة الطفولة: فتاة تتمرد على تقاليد الزواج المبكر في بنغلاديش

26a34b7b24444f4fa05b582e9b09d590_18 (1)

تانية راشد

عندما كنت طفلة صغيرة أعيش في بنغلاديش، قالت لي والدتي إنَّ الذهاب إلى المدرسة أمر جيد، ولكن إذا لم أنجح في دراستي، ستزوجني لرجل ثري كبير السن يمكنه أن يعتني بي، لقد مرّت سنوات عديدة ولكني مازلتُ أتأثر بهذه الكلمات.

ولم تكن أمي الوحيدة داخل أسرتي التي تسعى إلى زواجي وأنا في سن صغير، بل كان جدي قد خطط أن أتزوج بابن عمه الذي كان يكبرني بنحو 20 عامًا، ولكن وافته المنية قبل أن يحدث ذلك.

تمرد على التقاليد

جميع أحاديث الزواج هذه هي جزء من تقليد عميق الجذور لإبقاء المرأة تحت السيطرة والحفاظ على شرف العائلة، لكنني لم أتقبل هذا المصير.

عندما كنت صغيرة، انتقلت مع عائلتي إلى لوس أنجلوس، وفجأة، تعرضت لعالم مختلف لا يتناسب مع القيم العائلية التي تربيت عليها في المنزل ومن ثمّ بدأت التمرد، وإزعاج والديّ المسلمين.

لم أستطع التأقلم مع عقلية عائلتي، كانت هناك قواعد كثيرة جدًا، فكان يجب عليّ التفوق في المدرسة، وتجنب الحديث مع الأولاد، وتعلّم القرآن الكريم وارتداء ملابس متحفظة، لدرجة أن أمي رمت بعض الملابس الضيقة والقصيرة التي كنت قد اشتريتها في السر.

أتذكر يوم قال لي عمي إنَّ بنطالي ضيق، وأنني أجلب العار لعائلتي بسبب علاقتي مع شاب هندوسي، لقد جعلت عمي يشعر بالخزي، وابتسمت في وجهه، لكنه كان يسيطر على حياتي أكثر مما كنت أعتقد.

عندما كنت في سن 16، سمعت عمتي عن رجل غني في الأربعينات يريد أن يتزوج من فتاة شابة، وعلى الفور أراد عمي أن يزوجني بهذا الرجل.

ذهبت إلى كندا لزيارة أقاربي، واعتقدتُ أنني سأذهب في عطلة غير متوقعة، وعندما وصلت إلى بيت عمتي، قامت بطهي وجبة بنغالية خاصة، ورأيتُ رجل عجوز أصلع وقصير من بنغلاديش يجلس في الغرفة، وبعد العشاء، تركتني عمتي وحدي معه.

لحظة حديثنا، أدركت بالضبط حقيقة الأمر؛ فقد تفاخر الرجل بالعقارات التي يملكها وثراء عائلته وكيف أنَّ أسرته تمتلك الملايين من الدولارات، وشرع بعد ذلك في سؤالي عما أبحث عنه في الرجل، لقد تجمدت من أثر الصدمة حينها.

لقد تناسيتُ معظم ذكريات ذلك اليوم، من الشعور بالإرهاق، والجلوس في غرفة مع أشخاص يحاولون أن يقرروا مصير حياتي بدلا مني، كل ما أتذكره هو محاولة إنهاء المحادثة وترك منزل عمتي في أسرع وقت ممكن، وبعد ذلك هربت من المنزل.

أنا واحدةٌ من عدد قليل من النساء اللاتي استطعنّ الهروب، على الرغم من أنَّ زواج الأطفال غير قانوني إلا أنَّ بنغلاديش لديها أعلى معدل زواج للفتيات تحت سن 15 في العالم، ووفقًا لمنظمة اليونيسف، تزوج 65 بالمئة من الفتيات من قبل بلوغهم سن الثامنة عشر و29 بالمئة تزوجنّ في سن الخامسة عشر.

“ذكّروني بالماشية في السوق التي تنتظر أن تُباع لمن يدفع أكثر”

798ba32b9ef4458a94d6556e5f9b340a_18

ففي الشهر الماضي، سافرتُ إلى شمال بنغلاديش، التي تُعدّ من أعلى المناطق في معدلات زواج الأطفال في البلاد، أردتُ أن أعرف لماذا لا يزال يحدث ذلك جيلا بعد جيل.

التقيتُ ثماني فتيات على طول الطريق، وغالبًا ما تُقام الأعراس في السر وتحدث بسرعة كبيرة، فكل فتاة قابلتها بدت مذعورة، ترجف من الخوف وتبكي، وبدا عليهنّ الارتباك، لقد ذكّروني بالماشية في السوق التي تنتظر أن تُباع لمن يدفع أكثر، كان من الصعب رؤيتهم بهذا العجز وقلة الحيلة.

خديجة بيغوم هي واحدة من تلك الفتيات، التقيتُ بها في يوم زفافها، وهي في الثانية عشر من عمرها، عائلتها فقيرة وادخر والدها ما يكفي من المال ليزوجها لسائق عربة هندية يبلغ من العمر 30 عامًا.

في صباح يوم زفاف خديجة، أرسلها والداها للاختباء في منزل جدّها، حتى لا تتمكّن السلطات من معرفة المزيد عن زواجها، وقد ذهبتُ لرؤيتها في ذلك اليوم.

“هذا الزواج يحدث رغمًا عني، أنا لا أعرف لماذا يفعلون هذا”.

هكذا قالت لي خديجة وهي مطأطأة رأسها.

لعبتُ معها لعبة التصفيق لتشتيت انتباهها، فابتسمت، وفي تلك اللحظة، كنتُ أرى أنها كانت مجرد طفلة تُسرق منها طفولتها وتعليمها، كانت خديجة عاجزة تمامًا مثلما كنتُ في اليوم الذي حاولت فيه عمتي وعمي تزويجي برجل عجوز، إلا أنها لا يمكنها الهروب.

فيلم: صغيرات على الزواج

الرجال الذين تحدثتُ إليهم خلال تصوير فيلم “Too Young To Wed” أو “صغيرات على الزواج”، لا يرون أي حرج في تزويج البنات الصغيرات.

هناك رجل يُدعى شيامال، وهو صاحب كشك شاي يبلغ من العمر 25 عامًا يريد الزواج بفتاة صغيرة قدر الإمكان، وجد فتاة تُدعى بيزلي كانت على استعداد أن تتزوج مقابل القليل من المال وهي في سن الثالثة عشر، رأيته يُظهر صور عروسه قبل ساعات من زفافه، ويسأل أصدقائه إذا ما كانت تبدو جميلة أم لا.

“لقد أحببت سلوكها لذلك اخترت بيزلي، إنها فتاة نقية، ومعظم الفتيات يختلطنّ مع الأولاد ولهنّ علاقات معهم وأنا لا أحب ذلك، إنها فتاة طيبة تذهب إلى المدرسة والبيت، وهذا كل شيء”، هكذا تحدث شيامال عن بيزلي.

هذه العقلية الثقافية تتجاوز الفقر وانعدام التعليم، ولكن بالنسبة لي، فإنَّ الأمر يتعلق بالسيطرة على النساء، وأنا ممتنة لأنني تمكنتُ من الهرب من تلك السيطرة، أنا حرة وأتحكم بمستقبلي، على عكس الآلاف من الفتيات الصغيرات مثل خديجة وبيزلي اللاتي يتزوجن سنويًا رغمًا عن إرداتهنّ.

المصدر: Aljazeera 

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.