بعيداً عن انخفاض أسعار النفط: أربع مخاطر جيوسياسية تهدد الاقتصاد العالمي تبدأ بروسيا وتنتهي بالفضاء الإلكتروني

118874624

تواجه روسيا بوتن تحديات عديدة لكنها تظل بالنسبة لباقي العالم مصدرًا لغموض عميق

تعمل الصين على توسيع نطاقها الاستراتيجي وتعاند العالم بـ”الخط ذي النقاط التسع”!

الشرق الأوسط نقطة ملتهبة يتصدرها داعش حاليًا ورأس حربتها نزاع السُنّة والشيعة

الفضاء الالكتروني هو الأشد خطرًا لأنه فيه لا توجد جيوش ولا حدود بوسعها تقليص تأثيره

يواجه العالم العديد من المشكلات والتي تشكِّل خطرًا متباينًا على اقتصاده، إلا أن هنالك 4 مخاطر جيوسياسية تعتبر الأكثر تهديدًا وتأثيرًا.

ومع نهاية عام وبداية آخر، تتجدد الحاجة إلى التفكير في المخاطر التي تواجه الإنسان على امتداد العالم، بالطبع هناك مخاطر اقتصادية عديدة كإساءة تسعير الأصول التي سبّبها عَقدٌ سادت فيه أسعار فائدة شديدة الانخفاض، إلى جانب متغيرات كبيرة في الطلب ناجمة عن البنية المتغيرة للاقتصاد الصيني، بالإضافة إلى الضعف المستمر للاقتصاديات الأوروبية.

إلا أن المخاطر الرئيسة بعيدة المدى والأكثر تأثيرًا هي المخاطر الجيوسياسية، النابعة من أربعة مصادر تتلخص في روسيا والصين والشرق الأوسط والفضاء الإلكتروني.

روسيا مصدر غموض عميق للعالم

122

على الرغم من أنه لم يعد هناك وجود للاتحاد السوفيتي، لكن هذا لا يقلل من روسيا باعتبارها قوة نووية عملاقة، مع قدرتها على استعراض إمكناتها في أي مكان في العالم، وذلك بالرغم ضعف روسيا الاقتصادي بسبب اعتمادها على عائدات النفط في وقت تنخفض فيه الأسعار بشكل كبير.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتن نفسه حذّر الروس بالفعل من أنهم يواجهون خطر التقشف، وأنَّ الحكومة لم يعد بوسعها تقديم الدعم الذي كانت تقدمه في السنوات الأخيرة.

ومن هنا يظهر الخطر الجيوسياسي من اعتماد بوتن المتزايد على العمل العسكري في الخارج ــ في أوكرانيا والآن في سوريا ــ للحفاظ على شعبيته في الداخل، مستخدمًا وسائل الإعلام المحلية (التي تقع بالكامل تحت سيطرة الكرملين) لتعظيم الأهمية العالمية لروسيا.

وتستخدم موسكو أيضًا صادراتها من الغاز إلى غرب أوروبا وتركيا كسلاح اقتصادي، رُغم أن قرار تركيا الأخير باستيراد الغاز من إسرائيل يوضح حدود هذه الاستراتيجية. وبينما يواجه بوتن هذا وغيره من التحديات، تظل روسيا بالنسبة لباقي العالم مصدرًا لغموض عميق.

الصين تتوسع استراتيجيًا.. وناتجها يتخطى أمريكا وأوروبا

116020348YF010_CHINA_STOCKS

على الجانب الآخر، وعلى الرغم من أن الصين لا تزال بلدًا فقيرًا؛ حيث يصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقرب من ربع مستوى نظيره في الولايات المتحدة (على أساس تعادل القوة الشرائية). لكنَّ، ولأنَّ تعداد سكانها أكبر أربع مرات، يتساوى الناتج المحلي الإجمالي للصين مع نظيره الأمريكي (وفقًا لتعادل القوة الشرائية). كما أنَّ الناتج المحلي الإجمالي هو الذي يحدد قدرة البلد على الإنفاق العسكري، وعلى توفير سوق كبيرة استراتيجيًا لصادرات البلدان الأخرى، وعلى تقديم المساعدات لأجزاء أخرى من العالم. وتقوم الصين بكل هذا على نطاق يتناسب مع الناتج المحلي الإجمالي لها.

وبنظرة للمستقبل، يمكننا القول بأنَّه حتى مع معدلات نمو المنخفضة في المستقبل إلا أنها تبقى أكثر اعتدالا من معدلات النمو في السابق، وسيبقى الناتج المحلي الإجمالي للصين ينمو بسرعة أكبر من نظيره في الولايات المتحدة وأوروبا.

وتعمل الصين الآن على توسيع نطاقها الاستراتيجي. وتؤكد على مطالبها في بحري الصين الشرقي والجنوبي، والتي تتعارض مع مطالب دول أخرى في المنطقة (بما في ذلك اليابان والفلبين وفيتنام).

كما تعتمد الصين بشكل خاص على ما يسمى “الخط ذي النقاط التسع” (الذي رسمته في الأصل تايوان عام 1947) لتبرير مطالبها في معظم أجزاء بحر الصين الجنوبي؛ حيث أقامت جزرًا صناعية وأكّدت سيادتها على المياه المحيطة بهذه الجزر. وتصف الولايات المتحدة سياسة الصين هذه بأنها محاولة لإبعاد البحرية الأمريكية عن البر الصيني، وبالتالي عن سواحل الدول الحليفة لأمريكا في المنطقة.

كما أن تعمل الصين على توسيع نفوذها الجيوسياسي من خلال مبادرات مثل البنك الآسيوي لاستثمارات البنية التحتية وبرامج المساعدات في أفريقيا، إضافة إلى خطة “حزام واحد، طريق واحد” لإقامة روابط بحرية وإقليمية عبر المحيط الهندي وآسيا الوسطى تمتد عبر كل الطريق المؤدي إلى أوروبا. وتتطلع القيادة السياسية الصينية الحالية إلى إقامة علاقات سلم وتعاون مع الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى. لكن، بنظرة مستقبلية، يتمثل التحدي الماثل أمام الولايات المتحدة وحلفائها في منع الأجيال القادمة من القيادات الصينية من تبني سياسات تهدد الغرب.

الشرق الأوسط.. من داعش إلى النزاعات الطائفية

24617_454767054602532_1061155481_n

وبالانتقال إلى الشرق الأوسط، نجد التركيز الأكبر حاليًا ينصب على التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على السكّان المدنيين في كل مكان، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة. لكنَّ القضية الأهم في المنطقة هي النزاع بين الشيعة والسُنّة، ذلك الانقسام المستمر منذ أكثر من ألف عام. في معظم فترات الصراع، وفي معظم الأماكن، واجه الشيعة التمييز وغالبًا العنف القاتل على أيدي السُنة، إلا أن اليوم فإن الطائفتان يتبادلان القتال المدمر في مناطق متعددة من الشرق الأوسط دون غلبة لفريق على الآخر.

ولذلك، تنظر المملكة العربية السعودية ودول الخليج السُنية الأخرى إلى إيران، القوة الشيعية في المنطقة، كعدو استراتيجي لها، خصوصاً في ظل تمدد النفوذ الإيراني -تحت مسمى الراية الشيعية- في دول المنطقة. وتخشى المملكة بشكل خاص من رغبة إيران في تصفية الحسابات القديمة وسعيها إلى نقل الوصاية على الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة من المملكة إلى الدولة الشيعية. وقد يتحول النزاع بين السعودية وإيران أيضًا إلى صراع على الثروات النفطية الضخمة لشبه الجزيرة العربية والثروات المالية الهائلة للدول السُنّية الصغيرة كالكويت وقطر.

الفضاء الالكتروني.. الأشد خطرًا

567166a22d88a

نصل إلى المصدر الأخير للخطر على الاقتصاد العالمي وهو الفضاء الالكتروني، والذي قد يكون الأشد خطرًا بين كل المخاطر الأخرى؛ لأنه لا توجد جيوش ولا حدود بوسعها تقليص نطاق تأثيره. وتشمل مخاطر الفضاء الإلكتروني: هجمات منع الخدمة عن البنوك والمؤسسات الأخرى، والوصول غير القانوني للسجلات الشخصية من البنوك وشركات التأمين والوكالات الحكومية فضلا عن التجسس الصناعي.

وبالفعل، أدت السرقة واسعة النطاق للتكنولوجيا من الشركات الأمريكية إلى التوقيع مؤخرًا على اتفاقية بين الصين والولايات المتحدة تقضي بامتناع الحكومتين عن تقديم أي مساعدة في عمليات سرقة التكنولوجيا لصالح شركات أي من الدولتين.

جميع هذه القضايا مهمة للغاية، لكنها ليست بنفس خطورة التهديد الذي تمثله البرمجيات الخبيثة على البنى التحتية الدقيقة – كشبكات الكهرباء وأنظمة الحركة الجوية وخطوط أنابيب النفط وإمدادات المياه والمؤسسات المالية وغيرها.

وقد نُسِبَت حالات أخيرة لاستخدام البرمجيات الخبيثة إلى الصين وإيران وروسيا وكوريا الشمالية، ولا يعني هذا إطلاقًا تورط الدول نفسها، لكن بعض الأفراد والجهات غير الحكومية يقومون بنشر هذه البرمجيات من خلال توظيف المواهب المطلوبة في هذا المجال مستعينين على ذلك بالسوق السوداء الدولية.

الأسلحة الالكترونية رخيصة نسبيًا، وبالتالي فهي واسعة الانتشار، وقادرة على الوصول إلى أي مكان في العالم. إنها أسلحة المستقبل لمهاجمة أو ابتزاز أي خصم. لكننا مازلنا نفتقر إلى القدرة على صد مثل تلك الهجمات أو على تحديد هوية مصدرها بشكل واضح.

تهديدات مستمرة

تشكل هذه المخاطر الأربعة مجموعة خطيرة للغاية من التحديات الجيوسياسية. وبإلقاء الضوء عليها فإننا لا نقصد التقليل من شأن القضايا الأخرى مثل السياسة النقدية الأمريكية وانخفاض أسعار النفط والسلع الأساسية وأزمات الديون وغيرها، والتي ستؤثر على الاقتصاد العالمي في العام الحالي، لكن ما يميز تلك التهديدات النابعة من روسيا والصين والشرق الأوسط والفضاء الالكتروني هو أنها ستستمر وستهدد مستقبلنا الاقتصادي لسنوات قادمة فلا تعدو الأزمات الاقتصادية مجرد تصحيح في الأسواق وركوداً اقتصادياً بل مرحلة قد تتعدى الكساد الاقتصادي وقد تصل إلى تغيير الاقتصاد العالمي كما نعرفه.

المصدر: Project-Syndicate

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.