بثينة العيسى تكتب: جنة النخبة

orator in public

بثينة العيسى - الكويت

عندما أرى أشخاصًا يتجادلون بحدّة حول المسائل الذوقية.. أخاف.

لأن هذا يعني أنّنا أمام أشخاص يريدون أن يتحولوا من متذوقين للفن إلى سلطة تمنح وتمنع الشرعية الفنية. أشخاص يُملون عليك ما هو جميل وما هو لا. ما هو جيّد وما هو رديء. ما هو حلالٌ في الفن، وما هو محرّم.

هذا يعني أننا أمام شخص خرج من كونه متذوقًا إلى كونه مفتيًا. ونحن نرزح تحت وطأة ملايين الفتاوى التي تحطُّ من إنسانيتنا وتنتهك عقولنا في كل صغيرة وكبيرة، ولا ينقصنا إلا شخصًا يفتي لنا بما هو جميل، وما هو لا. شخصًا ينقض حقك في التلقي كما يليق بخصوصيتك. شخصًا لا يحترم بصمتك القرائية، ذائقتك الفنية، جروح روحك وندوبك القديمة وكل ما يشكّل هويتك في قراءة الفن وتلقي الجمال.. شخصًا يريد أن ينسفك تمامًا لأجل أن تحبَّ ما يحب، وتكره ما يكره، وتتحوّل إلى نسخة أخرى منه هو؛ الطاغية المبجّل رغم كل قراءاته.

إذا أعجبتك رواية لم تعجبه فأنت ببساطة “لا تفهم”. أو أنت في أحسن الأحوال قارئ أو متذوق عادي، ولست نخبويًا بما يكفي لكي تنضم إلى مجلسه المبارك، وتنال صكوك الثقافة التي تدخل بها إلى جنته، جنة النخبة.

عندما أرى أشخاصًا يتجادلون بحدّة في المسائل الذوقية.. أخاف كثيرًا.  

Sales-Argument (1)

لأن هذا يعني أنّ هؤلاء الأشخاص، رغم كل ما قرأوه، لا يؤمنون بالحرية ولا يملكون فهمًا حقيقيًا لما تعنيه. وهذا يعني أن ثقافة “اليونيفورم” والتسطيح والقولبة التي حاربناها في المدارس والبيوت والمساجد، سنحاربها أيضًا في الروايات والدواوين وملتقيات المثقفين. وهذا يعني أن كل ما كتبوه ضد الطغيان السياسي والديني هو مجرد هراء. لأنهم يستميتون في كلّ لحظة لكي يتحولوا إلى طغاةٍ فكريين وثقافيين وأدبيين وفنيين.

يقول روي بيتر كلارك بأن أقدم الحكم المرتبطة بالفن تنصُّ على أنه “لا جدال في المسائل الذوقية”.. ولكن كل هذه المناقشات التي تتحوّل إلى جدال وزعل وتصل إلى ما يشبه التَّجهيل الأدبي (الرديف الثقافي للتخوين السياسي)، هذه المناقشات الحادة والغاضبة بكل ما تتضمنه من لطم وشقٍ للجيوب تحسّرًا على انحطاط الذائقة.. حسنًا، إنها تخيفني كثيرًا.

* نشرت في الصدى الإماراتية

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.

There is one comment

  1. Amr alalawi

    فعلا مخيف ..أنا المح هالمطب أدرك حينها أن ثقافة هذه النوعية من المجادلين ليست الا ردة فعل سطحية عل بعض مواقف الحياة الغامضة والغاضبة

    Like

Comments are closed.