ماذا تريد من الحياة؟

woman-865021

مارك مانسون

يريد كل إنسان أن يشعر بالراحة، وأن يعيش حياة هانئة وسعيدة وسهلة، يقع في الحب ويمارس الجنس ويحظى بعلاقات رائعة، وأن يبدو جميلاً ويكسب المال، ويكون مشهورًا ويحظى باحترام وإعجاب الجميع، وأن ينبهر به الكل عند تواجده بأي مكان.

كلنا نحب هذه الأشياء؛ إذ أنه من السهل أن نحب ذلك، ولكن إذا سألتك، “ماذا تريد من الحياة؟” وأجبتني: “أريد أن أكون سعيدًا وأن يكون لديّ عائلة كبيرة ووظيفة أحبها”، سأقول لك إنها إجابة شاملة وعامة لدرجة أنها لا تعني أي شيء.

ما الذي تريد الكفاح من أجله؟

ra

السؤال المثير للاهتمام – وهو سؤال ربما لم تفكر فيه من قبل – هو: ما الألم الذي تريد أن تشعر به في حياتك؟ ما الشيء الذي تريد الكفاح من أجله؟ وحدها تلك الأسئلة هي التي تحدد كيف تتغيّر حياتنا؛ حيث يريد كل إنسان منّا أن يحظى بوظيفة رائعة وأن يكون مستقلاً ماليًا، ولكن لا يريد الإنسان أن يعاني على مدار أسابيع من العمل لمدة 60 ساعة، ولا أن يقطع مسافات طويلة حتى يصل لمكان عمله.

جميعنا لا نحب الأعمال الورقية البغيضة، ولا التسلسل الهرمي الإجباري في الشركات ولا الضجر والجحيم الأبديّ الذي يحيط بمكتب العمل، إذ يريد الناس أن يكونوا أغنياء دون المخاطرة والتضحية، ودون الصبر الضروري لجمع الأموال، كما أنهم يريدون الاستمتاع بعلاقة جنسية وعاطفية رائعة، ولكن لا يريد الجميع الدخول في محادثات صعبة، وصمت مرهِق، ولا أن يعاني من مشاعر الألم النفسية والعاطفية؛ لذلك يتساءل الجميع “ماذا لو؟” لسنوات وسنوات حتى يتغيّر السؤال من “ماذا لو؟” إلى “هل هذه هي النهاية؟”

ما الألم الذي يمكنك تحمله؟

Successful-headhunter-recruitment-consultants-recruiters

تحتاج السعادة  إلى كفاح من أجل تحقيقها، حيث إن فالأشياء الجيدة تأتي نتيجة للتعامل الصحيح مع ما هو سلبي، فيمكنك تجنب التجارب السلبية لفترة طويلة قبل أن تعاني من تلك التجارب مرة أخرى في الحياة، ففي جوهر السلوك البشري، تبدو احتياجاتنا متشابهة، ومن السهل التعامل مع التجربة الإيجابية، لكنّ التجربة السلبية هي الشيء الذي نعاني منه جميعًا؛ لذلك، ما نحصل عليه من الحياة لا تحدده المشاعر الجميلة التي ننشدها بل المشاعر السيئة التي نتحملها ونعاني منها؛ حتى نصل إلى تلك المشاعر الجميلة.

يرغب الناس في بنية جسدية مذهلة، ولكنك لن تحصل على جسم مثالي إلا إذا كنت تقدّر الألم والإجهاد البدني الذي يصاحب مَن يعيشون داخل صالة الألعاب الرياضية لساعات طويلة، إلا إذا كنت تحب حساب وقياس كمية الطعام الذي تتناوله، والتخطيط لتناول كميات صغيرة جدًا من الطعام.

كما يريدون بدء مشاريعهم الخاصة، أو أن يصبحوا مستقلين ماليًا، ولكنك لن تصبح رجل أعمال ناجح ما لم تجد وسيلة لتقدير المخاطر، والشعور بعدم اليقين، والفشل المتكرر، والعمل بشكل جنوني لساعات طويلة على شيء ليس لديك أي فكرة ما إذا كان سينجح أم لا.

يطمح الناس في أن يكون لهم شريك في هذه الحياة، ولكنك لن تلفت انتباه شخص مذهل دون تقدير الاضطراب العاطفي الذي يأتي مع رفض هذا الشخص لك، والشعور بتوتر جنسي لن ينتهي أبدًا، والتحديق في هاتف لا يرن على الإطلاق، إنَّ هذا جزء من لعبة الحب، ولا يمكنك الفوز إذا لم تلعب.

ما يحدد نجاحك في الحياة ليس “ما ترغب في التمتع به”، ولكن “الألم الذي يمكنك تحمله”، فلا تتحدد طبيعة حياتك من خلال نوعية التجارب الإيجابية التي عشتها ولكن من نوعية التجارب السلبية التي عانيت منها، وأن تجيد التعامل مع التجارب السلبية يعني أن تجيد التعامل مع الحياة، وهناك الكثير من النصائح السيئة التي تقول إنه: “ينبغي أن تكون لديك الرغبة الكافية في تحقيق أي شيء!”.

 كل إنسان يريد تحقيق شيء ما؛ ويمتلك الجميع رغبة كافية لتحقيق هذا الشيء، لكنهم لا يدركون حقيقة ما يريدونه، أو بالأحرى حقيقة ما يريدونه بدرجة كافية، وإذا كنت تريد الاستفادة من شيء في الحياة، عليك أن تتحمل التكاليف؛ فإذا كنت ترغب في جسم مثالي، عليك أن تبذل المزيد من الجهد والعرق، وتتحمل الألم، وتتعلم الاستيقاظ مبكرًا، وتعاني من آلام الجوع، وإذا كنت تريد امتلاك يخت، عليك أن تعمل حتى وقت متأخر من الليل، وأن تخاطر في عملك، وربما تزعج بعض الأشخاص أيضًا.

إذا وجدت نفسك ترغب في الشيء نفسه الشهر تلو الشهر، والسنة بعد الأخرى، ومع ذلك لا تحصل على هذا الشيء ولا تقترب حتى من تحقيقه، إذن ربما ما تريده هو شيء خيالي، ومثالي، أو ربما وعد زائف، وربما ما تريده ليس ما تريده حقًا؛ أنت فقط تستمتع بالرغبة في هذا الشيء، أو لا تريده على الإطلاق.

اختيار المعاناة

565941_170805113064777_1309842131_n1

أحيانًا أسألُ الناس “كيف تختار المعاناة؟”، فينظر هؤلاء الناس إليّ كما لو كان شكلي مضحكاً أوعندي اثنا عشر أنفًا، ولكني أسألهم هذا السؤال لأنه يخبرني الكثير عنهم أكثر مما تخبرني به رغباتهم وأوهامهم؛ لأنه يجب عليك اختيار شيء ما، حيث لا يمكنك الحصول على حياة خالية من الألم، ولا يمكن أن تكون الحياة ورديّة ومثالية على الدوام.

وفي نهاية المطاف، فإنَّ هذا هو السؤال الصعب والأهم في حياتنا، السؤال عن المتعة سؤال سهل، والكثير منّا لديه إجابات متشابهة عن هذا السؤال، لكنَّ السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو السؤال عن الألم، ما الألم الذي يمكنك تحمله ومكابدته؟

الإجابة عن هذا السؤال ستأخذك إلى مكان ما، إنه السؤال الذي يمكن أن يغيّر حياتك، ويجعلني ما أنا عليه وما أنت عليه؛ فهو ما يميّزنا ويفصلنا ويجمعنا في نهاية المطاف.

حلم المراهقة

148072456

في معظم مراهقتي وأثناء مرحلة الشباب، كنتُ أتخيل نفسي في مجال الموسيقى والغناء، نجم في موسيقى الروك تحديدًا، وعندما كنت أسمع أي أغنية تُعزف على الغيتار، أغلق عيني وأتصور نفسي على خشبة المسرح أعزفها وسط هتاف الجماهير، والناس تفقد عقلها تمامًا أمام عزفي الرائع على الجيتار، كان هذا الخيال يشغل تفكيري لساعات طويلة واستمر معي حتى مرحلة الجامعة، وحتى بعد أن تركت مدرسة الموسيقى وتوقفت عن العزف تمامًا، ولكن حينها لم يكن السؤال هو ما إذا كنت سأعزف في يوم من الأيام أمام جماهير صاخبة، ولكن متى يمكنني القيام بذلك.

انتظرتُ كثيرًا قبل أن استثمر الكثير من الوقت والجهد من أجل الخروج إلى خشبة المسرح وتحقيق حلمي؛ أولًا  كنت بحاجة إلى الانتهاء من الدراسة، ثم كسب المال، وبعد ذلك كنت بحاجة لإيجاد وقت للتعلم، وفي النهاية لم يحدث أي شيء، على الرغم من أنني تخيلت القيام بذلك لأكثر من نصف حياتي، إلّا  أنه لم يتحول إلى حقيقة، واستغرقت وقتًا طويلًا  والكثير من التجارب السلبية لمعرفة لماذا: لم أكن أريد فعلًا القيام بهذا الأمر.

كنت أحب النتيجة المترتبة على فعلي لهذا الأمر — صورتي وأنا على خشبة المسرح، والناس يهتفون لي، وأنا أعزف الجيتار في شغف تام — ولكني لم أحب العملية نفسها، وبسبب ذلك فشلت مرارًا، لكني لم أبذل جهدًا كافيًا للفشل في ذلك، بل أنني لم أحاول النجاح على الإطلاق.

يحتاج هذا الحلم إلى عمل يومي شاق من الممارسة، والبحث عن فرقة إلى جانب التدريب، وتحمل ألم العثور على عربات خاصة وجلب جمهور حقيقي يهتم بما نقدمه، وحمل أدوات وزنها 40 رطلًا وبروفات دون وجود سيارة، إنه حلم أشبه بجبل لم أتسلق منه سوى ميلًا واحدًا في طريق الوصول إلى القمة، لكنَّ الأمر الذي استغرقت وقتًا طويلًا لاكتشافه هو أنني لم أكن أحب تسلق الجبال؛ أنا فقط أحب أن أتخيل الوصول إلى القمة.

وفقًا لثقافتنا، فإنني قد خذلت نفسي بطريقة أو بأخرى، وعلمت أنني شخص انهزامي وفاشل، لكن وفقًا لمبدأ الاعتماد على الذات فإنني إما لم أكن شجاعًا وذا عزيمة بدرجة كافية، أو أنني لم أكن أؤمن بنفسي بدرجة كافية لتحقيق حُلمي، وكانت الجماهير لتخبرني بأنني تخليت عن حُلمي، واستسلمت للبيئة الاجتماعية التقليدية التي نشأت فيها، ولكن الحقيقة أقل إثارة للاهتمام من ذلك، وهي أنني ظننت أنّي أريد شيئًا ما، ولكن اتضح أنَّ هذا لم يحدث، وهذه نهاية القصة.

لا ربح بدون ألم

31 (1)

كنت أرغب في المكافأة لا الكفاح، كنت أرغب في النتيجة لا الفعل والعمل، لم أكن أحب الكفاح والمعاناة بل كنت أريد الفوز، لكنَّ الحياة لا تسير بهذه الطريقة، إذ أن كينونتك تحددها القيم التي تكافح من أجلها.

الأشخاص الذين يستمتعون بالمعاناة داخل صالة الألعاب الرياضية هم الذين يمتلكون جسمًا مثاليًا، والأشخاص الذين يستمتعون بالعمل الطويل الشاق وسياسات التدرج الوظيفي بالشركات هم الذين يرتقون إلى أعلى المناصب، والأشخاص الذين يستمتعون بالضغوط والشعور بعدم القين ونمط الحياة الصعب هم في نهاية المطاف الذين يعيشون الحياة ويحققون أحلامهم.

هذه ليست دعوة للتحلي بقوة الإرادة أو “العزيمة”، وليست نسخة أخرى من المقولة الشهيرة “لا ربح بدون ألم”؛ العنصر البسيط والأساسي في هذه الحياة: إنَّ كفاحنا هو الذي يحدد نجاحاتنا؛ لذلك اختر الشيء الذي تكافح من أجله بحكمة يا صديقي.

المصدر: Quartz