مقداد الكوت: كسرت رتابة الأفلام الكويتية ولو توقفت عن الإخراج سأموت

مقداد الكوت: كسرتُ رتابة الأفلام الكويتية ولو توقفت عن الإخراج سأموت

السينما الكويتية بلا رصيد و”ناديها” تحكمه البيروقراطية العقيمة

ركَّزتُ على الأفلام القصيرة بسبب قلة الإمكانيات وهربًا من متطلبات السوق

“موز” اضطرني لإبراز الهوية العقائدية لأنه يرصد زواج المتعة عند الشيعة

أكتب معظم أفلامي بنفسي.. وقمت بـ”تكويت” وفاة موظف لتشيخوف

 

الكويت – شيخة البهاويد

درس الأدب الإنجليزي، ويحرص على الإبحار في عوالم الثقافة مستفيضًا من القراءة في شتى المجالات لا سيما علم النفس والأعشاب والأدب..  يدرك جيدًا أن السينما الكويتية تشبه طفلة غضة بين قريناتها من السينما العربية، إلا أنه يعمل بدأب ضمن حركة سينمائية شبابية بدأت تشق طريقها في الساحة على مستوى الأفلام الطويله أو القصيرة، وارتقت من الموهبة إلى مشروع الحياة بالنسبة له رغم غياب الدعم.. هذا هو مقداد الكوت أحد المخرجين الكويتيين الشباب الذين استقطبوا الاهتمام ولفتوا الانظارلأفلامه القصيرة التي اتسمت بالثراء على المستويين الفكري والفني.. ونجول عبر السطور التالية في ثنايا تجربته الفتية.

مقداد الكوت

مقداد الكوت

حين التقيت مقداد تفاجأت بمدى بساطة الشاب وتواضعه، في ساحة فنية يسرع فيها اشتهار الشخص ونجوميته يعتبر مقداد عمله ليس سوى سبب ليعيش، مؤكدًا أنه “لا وجود لأي دعم أو تمويل من أي جهة، والواقع أن كل مخرج يعمل بمجال الأفلام القصيرة يدفع من جيبه”.

ويبرر سبب استمراره بالعمل في هذا المجال رغم غياب الدعم المالي موضحًا: “لو توقفت سأموت، أنا أعيش من أجل هذا الشيء، هذا أمر يمسني شخصياً، هي ليست مجرد هواية، كنت أعتبرها هواية منذ زمن مضى، أما الآن أصبحت مشروع حياتي الأوحد”.

قلة إمكانيات وهروب من متطلبات السوق

وخلال حوارنا معه في أحد المقاهي الشهيرة التي تملأ زاويا الدولة، كشف أنه لا يملك مكانا خاصاً يمارس من خلاله الإخراج، مؤكدًا أن الأفلام القصيرة التي يصنعها ليس لها جمهور كبير مثل الأفلام التجارية الطويلة، ومن ثم لا تعود عليه بنفع مادي كبير، فقط النفع المعنوي على مستوى المهرجانات التي يشارك بها.

ويوضح مقداد الكوت أنه بدأ ممارسة فن الإخراج منذ العام 2006، حينما شارك في مهرجان أفلام الإمارات في أبوظبي، ليشارك بعده في مهرجان الخليج، ومن ثم صار يخرج الأفلام بشكل سنوي تقريباً, وكان أول أفلامه “جمال عقل خالد” لتتوالى بعده الأفلام القصيرة التي يخرجها وركز على القصيرة بالذات بسبب الإمكانيات المتاحة له كما ان القصيرة تتيح أمامه عرض أفكاره بعيداً عن متطلبات السوق.

معايير المخرج الجيد

product_36427

وبسؤاله عن ما يميز المخرج الجيد؟ تردد في الإجابة قليلا، مؤكدًا أنه ليس لديه الخبرة الكافية ليقيم. لكنه يرى أن على المخرج أن يكون مثقفاً مستشهداً بنصيحة أحد المخرجين الألمان الكبار لمجموعة من المخرجين الشباب بـ”يجب أن تقرأ يجب أن تقرأ يجب أن تقرأ”.

ونوه مقداد إلى أن له قراءات في مجالات عدة، لاسيما علم النفس والأعشاب والأدب خاصة أن تخصصه الجامعي كان الأدب الإنجليزي.

ولفت إلى أن المخرج الفنلندي كارزماكي كان قبل أن يبدأ بصناعة الأفلام يظن أنه سيصنع أفلاماً عظيمة، لكن حينما شاهد أفلام بعض المخرجين خاصة الياباني أوزو أحس بأنه لن يصنع طوال حياته فيلماً عظيماً، ومن ثم سيكتفي بكونها صادقة.

وأضاف: “بناء على كلام كارزماكي فأنا أيضاً أعتقد بأني أريد أن أصنع أفلاماُ صادقة”.

السينما الكويتية والبيروقراطية

وحول مشكلة السينما الكويتية وعدم قدرتها على المنافسة في محيطها العربي يقول مقداد: “إننا لا نملك موروث بصري سينمائي نستند عليه, لدينا فيلم “بس يا بحر” وأفلام أخرى قليلة، وفي المقابل نجد بقية الدول حتى الدول الفقيرة لديها تاريخ سينمائي تنافس به ويتعلم منه الجيل الحالي”!

13535869821

كما يوضح بأن نادي السينما الكويتي لا يحتضن السينمائيين كما يجب فهو يشبه كل وزارات الدولة وعملها البيروقراطي التقليدي “لا يشترط أن يقدموا الدعم، لكن يفترض بنادي السينما أن يحتوي شباب السينمائيين ويساعدهم في أشياء عدة كالتصاريح وغيرها”.

وأشار إلى أن حوافز وتشجيع شباب السينمائيين عبارة عن مبادرات قليلة مثل ما تقدمه شركة سيناماجيك التي تقدم دعمًا تقنيًا في عدة مشاريع وأفلام، وما قامت به شركة سينيسكيب من عرض الأفلام القصيرة الكويتية على مدى إسبوع خصص لذلك، موضحًا أن “بعض الجماهير لم تعجبها الأفلام لكونهم لم يعتادوا على هذه النوعية من الأعمال على عكس جماهير المهرجانات”.

مشكلات أسرية وتحريض إعلامي

وكأي شاب كويتي يفكر خارج صندوق المجتمع، واجه مقداد الهجوم من محيطه الأسري والمجتمعي، وعن ذلك يقول: “واجهت العديد من المشكلات خاصة إثر فيلم موز ففي مهرجان الخليج استنكرت بعض الشخصيات الكويتية مشاركة الفيلم فيه، بينما اتهمتني عائلتي بتقديم صورة سيئة عن الكويت والبيئة الشيعية، ونتيجة لذلك تعرضت لعديد من المضايقات حتى من بعض كتاب المقالات الذين حرضوا علي”.

وعن السر في ذلك يوضح أنه في فيلم “موز” لامس موضوعاً حساساً ليس من السهل التطرق له في ظل العقلية المجتمعية النمطية والنفوس المشحونة، وعن ذلك يقول: “عرفت بعد هذه التجربة أن المجتمع لازال غير مستعد للخروج من انغلاقه، نريد ان نصل للمشاهد لكنه منغلق على نفسه، ومن ثم لن يستقبل فكرة تستفزه”.

مشهد من فيلم موز

مشهد من فيلم موز

وعن كيفية الخروج من هذا المأزق يقول: “فهمت بعد هذا كيف أوصل فكرة للمشاهدين دون استفزازهم، اليوم لو كنت سأخرج فيلم موز لن أخرجه بالطريقة نفسها التي عملت بها في المرة الأولى، فوقتها كانت تتملكني الثورية الشبابية والرغبة في الصدمة، لكن اليوم أريد أن يعيش المشاهد التجرية ويفهم الفكرة بهدوء”.

لم يكن فيلم “موز” مبتذلاً كما شاهدته رغم احتوائه على إيحائات جنسية لكنها ذكية ومتواريه بحيث يصل المعنى ولا يجرح، “النقاد في مهرجان الخليج أيضاً قالوا ذلك” يقول مقداد.

تنوع الهوية العقائدية

وفي كل أعماله، يحرص المخرج الكويتي الشاب على إبراز الهوية والأبعاد الاجتماعية والعقائدية سواء في فلم “موز” أم غيره من الأفلام، وفي هذا يقول: “أتضايق جداً من بعض الأعمال الكويتية حين تخرج لنا بصورة رتيبة كل أفرادها لهم نفس الأسماء والعقيدة والشريحة، يريدون خلق عالم آمن لا يظهر هويات الأبطال، هناك خوف من ذلك، محاولة لإبراز صورة وردية للمجتمع من خلال إخفاء تنوع هوياته، فيخلق عالم لا أفهمه ولا يعيش فيه أحد، في فيلم “موز” كنت مجبراً على إبراز الهوية العقائدية لأن قصة الفيلم تحكي عن زواج المتعة لدى الطائفة الشيعية”

وفي خضم الحديث عن بقية أعماله سألته عن النصوص الجيدة إن كان يواجه معضلة في الحصول عليها فأجاب: “أكثر أفلامي كتبتها بنفسي، عدا فيلم عطسة الذي تعاونت فيه مع الكاتب والمخرج السعودي حسام الحلوه، أيضًا فيلم فلان مع الكاتب والمخرج مساعد خالد، وإن أعجبتني قصة ما سأقتبسها وأعمل عليها مثل فيلم عطسة المقتبس عن قصة لتشيخوف وفيلم شنب كان مستوحى من قصة لثريا البقصمي، أما بقية الأفلام فكتبتها بنفسي مثل ديناصور وموز، وفي فيلم ديناصور استوحيت شخصية بومنصور من موظف عملت معه في وزارة الكهرباء”.

“تكويت” تشيخوف!

ورغم أن فيلمه “عطسة” مستوحى من قصة “وفاة موظف” للكاتب الروسي تشيخوف، لكن مع مقارنة الفيلم مع القصة نجد أن النص المعمول سينمائياً والقصة التي تم “تكويتها” وصلت للمعنى الاستعبادي الحقيقي أكثر مما تصل من تشيخوف نفسه، ربما لأن التعامل مع العمالة المهاجرة في الكويت ودول الخليج ونظام العبودية الحديثة فيها أعطى بعداً أعمق وثراءً درامياً للقصة أكثر من نسختها الأصلية.

يفضل مقداد من المخرجين العالميين “الإيراني كريستاني، والفنلندي كاروزماكي، والروسي تاركوفسكي، والألماني هينيكه، وكيارستمي بالإضافة إلى الأسباني بونويل، ويؤكد: “هؤلاء أعشق أفلامهم، وخطهم المختلف الذي يظهر صورة واقعية للزمن والمكان أنتمي له”.

ويشير أخيرًا إلى أنه يتناول ما يواجهه الفرد في حياته اليومية بشكل بسيط وقريب من الواقع، عبر قناته اليوتوبية ضمن سلسلة حلقات تحت عنوان عالم سوالف.