الوجه الآخر للتكنولوجيا: عندما تصبح ساعة كاسيو آداة للقتل

maxresdefault

في مكان متواضع بمدينة مانيلا في العام 1995، بدأ رجلان يدعان (مراد ورمزي) في المزج بين المواد الكيميائية في مبنى سكني بالعاصمة الفليبينية، كان مراد وصديقه رمزي لديهما بعض المعلومات عن الكيمياء، بعد أن انخرطا في العمل بالمواد الكيميائية بشكل غير محترف في السنتين السابقتين، ومع ذلك لم يكونا على استعداد لما سيحدث بعد ذلك.

فجأة، اندلع حريق بالمبنى، وهرب مراد وصديقه ورمزي بسرعة وتركا ممتلكاتهما وراءهما، وبينما يركضان إلى مكان آمن قال رمزي لمراد إنه يجب أن يعود إلى المبنى ويجلب الكمبيوتر المحمول الخاص به الذي تركه أثناء اندلاع الحريق.

عند وصوله الى الشقة، وجد رمزي الشرطة محتشدة في المبنى. حاول إعطاء رجال الشرطة اسمًا مزيفًا وذلك لتجنب إثارة الشكوك، ولكن الشرطة ألقت القبض عليه، عرض رمزي على قائد الشرطة عايدى فاريسكال 2000 دولار أمريكي مقابل السماح له بالذهاب – أكثر من راتبه في سنة كاملة- فشكّ فاريسكال في الأمر وقرر تسليمه إلى الشرطة الوطنية الفلبينية.

1

أثناء تفتيش الشقة حيث اندلع الحريق، اكتشف عايدى شيء غير عادي؛ إذ توجد بطارية على إحدى الطاولات، وبعض الكابلات وساعة كاسيو طراز F-91W وهي الساعة المفضلة لدى الشباب الفليبيني منذ سنوات، ولكن فاريسكال لم يسبق له أن رأى ساعة مثلها من قبل.

بعد المزيد من التحليل اتضح أنّ مراد، اسمه الحقيقي عبد الحكيم علي هاشم مراد، كان يستخدم تلك الساعة كجهاز توقيت لصنع قنبلة خطط لاستخدامها لقتل البابا يوحنا بولس الثاني في زيارة مقررة إلى الفلبين في وقت لاحق من ذلك العام.

أعطت المؤامرة لمحة عن كيفية استخدام الإرهابيين لواحدة من الساعات الأكثر انتشارًا في العالم لارتكاب بعض الأفعال البشعة، وتحويل ساعة كاسيو F-91W من ساعة يد إلى قاتل صامت.

مسألة وقت

عند إصدارها في عام 1991، ظهرت ساعات كاسيو على شاشة LCD، بثلاثة أزرار، وساعة توقيت وتقويم وبطارية يمكن أن تستمر لمدة تصل إلى سبع سنوات، ولا يتعدى هامش الخطأ فيها 30 ثانية في الشهر، أو 6 دقائق في السنة.

بيعت ساعة كاسيو F-91W بأقل من 20 دولارًا عند إصدارها، الأمر الذي جعلها واحدة من الساعات الرقمية الأولى التي تنتج بشكل ضخم وتصبح في متناول الجميع تقريبًا، وقد وُصِفت بأنها “تحفة متواضعة”، وتم ارتداؤها من قِبل الجميع; من محبي موسيقى الجاز إلى الرئيس أوباما نفسه.

2

حتى اليوم، تنتج شركة كاسيو ثلاثة ملايين ساعة كل عام، لكن استخدامها وانتشارها الواسع يعني أنها جذبت أنظار صانعي القنابل الذين يبحثون عن طرق جديدة لزرع عبوات ناسفة دون الحاجة إلى أن يكونوا قريبين جسديًا من تلك العبوات لتفجيرها.

ومع لوحة الدوائر الكهربائية، وبطاريات 9 فولت وزجاجة محلول العدسات اللاصقة مليئة بالنتروجليسرين – وهو محلول يستخدم لخفض ضغط الدم – يمكنك زرع قنبلة صغيرة بما يكفي لوضعها في حقيبة من الورق البني وكبيرة بما يكفي في الوقت نفسه لإسقاط طائرة.

حرب التحكم عن بُعد

في عام 1994، استخدم رجل يدعى (رمزي يوسف) ساعة كاسيو لتفجير طائرة الرحلة رقم 434 على الخطوط الجوية الفلبينية، ومن حسن الحظ أن الانفجار لم يدّمر الطائرة، وهبطت بأمان في اليابان، ومع ذلك، أثبتت الساعة فعاليتها القاتلة في تفجير القنابل عن بُعد.

بدأ تنظيم القاعدة بتسليم تلك الساعات في معسكرات التدريب في باكستان، وحصل مراد على واحدة وقام باختبار الجهاز على مسرح ممتلئ بالجماهير في مانيلا في عام 1994.

3

وبفضل توافر تلك الساعات في كل متاجر الإلكترونيات، فمن السهل الحصول عليها؛ حيث يمكن شراؤها بالجملة ونقلها إلى مخيمات نائية دون إثارة الشكوك، ومع ذلك فبعد أحداث 11 سبتمبر، بدأ المحققون في خليج غوانتانامو بملاحظة وجود ما يقرب من 32 سجينًا يرتدون ساعات F-91W أثناء القبض عليهم، و 20 آخرين بحوزتهم أجهزة A150W الشبيهة بساعة كاسيو، وذلك وفقًا لدراسة أجراها مركز دينبو في عام 2011 .

“ما يقرب من ثلث المعتقلين في غوانتانامو الذين تمّ القبض عليهم يستخدمون هذه الساعات كانوا على دراية بالمتفجرات، إما من خلال خوضهم للتدريب، أو ارتباطهم بمنشأة تقوم بتصنيع العبوات الناسفة أو حيث يتمّ تدريبهم على المتفجرات، أو علاقتهم بشخص خبير في المتفجرات”.

شوهد أسامة بن لادن أيضًا يرتدي هذا النوع من الساعات ، مما يجعلها العلامة التجارية الوحيدة التي ارتداها بن لادن في الأماكن العامة. لقد كان تنظيم القاعدة من المستخدمين الأصليين للساعة، لذلك انتشرت شعبيتها بين صانعي القنابل.

4

في مايو من العام 2015، تمّ القبض على ناشط يريد الانضمام لتنظيم داعش بتهمة التخطيط لهجوم إرهابي في نيويورك، وذلك وفقًا لصحيفة نيويورك ديلي نيوز، حيث قام صالح بالبحث على الإنترنت عن كلمات مثل” المراقبة ” و “كاسيو” ،وعمليات البحث هذه تعكس جهود صالح لتحديد المكونات المطلوبة لتصنيع عبوة ناسفة.

وبعد بضعة أشهر في أغسطس من عام 2015 أيضًا، وقع انفجار في ضريح إيراوان الشهير بمدينة بانكوك، مما أسفر عن مقتل 20 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 120 آخرين، التحقيق في هويات المسؤولين قاد الشرطة التايلاندية إلى إحدى الشقق في الضواحي الشرقية للمدينة، ما اكتشفته الشرطة بجانب المواد المتفجرة والأسلاك، كان أربع ساعات يد طراز كاسيو F-91W، وذلك وفقًا لصحيفة بانكوك بوست.

إعادة تقييم سُمعة شركة كاسيو

على الرغم من كل هذه الأمور السلبية، تواصل ساعات F-91W انتشارها وقدرتها على الاستمرار في السوق العالمية، وقد وجدت الساعة أيضًا شكلًا  أقل فتكًا للتعبير عن نفسها.. في الشهر الماضي، استخدم ثنائي التصميم الشهير Dexter Sinister ساعات F-91W لتسليط الضوء على كيف استخدم الإنسان الأجهزة الإلكترونية لمعرفة الوقت، لقد أصبحت ساعات كاسيو الآن شكلًا  من أشكال التعبير الفني.

5

هذه البراعة غير المتكلفة هي التي تساعد على مواصلة كاسيو F-91W في أن تكون ساعة عصرية تجذب محبي موسيقى الجاز والإرهابيين على حد سواء.

إنها ساعة بسيطة، غير متكلفة وفعّالة أيضًا، كما أنها أداة عبقرية لتفجير المتفجرات، وفي عصر التطور التكنولوجي، تجد المفارقة طريقها إلى قلوب وعقول الناس بطريقة واعية، تقدم لنا ساعات F-91W مفارقة تبدو غريبة نوعًا ما؛ فهي ساعة تحظى بشهرة واسعة لأسباب جيدة وأخرى سيئة.

المصدر: Thenextweb

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.