بثينة العيسى تكتب: الحظيرة الآمنة

Book Butterrflies Wide Desktop Background

بثينة العيسى – الكويت


يقول لي: لا بدّ وأن تمنع الكتب استباقًا، من باب درء المفاسد، إذ لا يمكننا التعويل على الرقابة الذاتية والرقابة اللاحقة، وأن نخاطر بحقن المجتمع بكل تلك المؤلفات التي ربما، إذا نجحنا لاحقًا في منعها، سنكون قد تأخرنا كثيرًا، وسيكون السمُّ قد انتشر في المجتمع.

لطيفة جدًا هذه الأفكار، أقول لنفسي. فهي تنبثق من خوف حقيقي، وأمومي، من قابليتنا للتأثر بما نقرأ. نحن نخاف أن نتأثر، ولهذا السبب نحن كأمّة، قليلة التأثير. لأنَّ من يضع نفسه خلف العازل الزجاجي المضاد للأفكار بالكاد يستطيع صنع فكرة تمتلك مقومات بقائها.

إذا كنت مشغولا طوال الوقت بتحصين عقلك وسلوكك من “تأثير الآخر” فأنت لن تكون قادرًا، ولا حتى في أحلامك، على التأثير على الآخر. أنت لا تأخذ مكانك الصحيح داخل علاقة جدلية، حوارية، دياليكتية، مع الآخر. علاقة قائمة على مساءلة الأفكار ونقدها وتفكيكها وفق مقاييس الحق والخير والجمال. أنت تختبئ، تذهب بنفسك إلى الحظيرة الآمنة، وتخاف أن يمسَّك شيء من “العالم”.

1912-1-or-1383921133

إنني أتعاطف مع هذه الأفكار من منطلقٍ أمومي، فكلنا لدينا تلك الرغبة بحماية أنفسنا ومن نُحِب مما نظنه سوءًا، ولكنني أرفض هذه الفكرة جملة وتفصيلا من ثلاثة أوجه:

أولا: أرفض منطق الخوف وحياة الاختباء.

ثانيًا: أرفض أن تكون الدولة وصية على عقلي، وأن تقرر بالنيابة عني ما يصح وما لا يصحّ لي قراءته، أرفض أن يتغوّل النظام العام حد التدخل في الفضاء الخاص للإنسان الفرد.

10-4fc89be3dfae3

ثالثًا (وهو الأهم): أنت تفترض بأن القراءة هي مجرد عملية تلقٍ سلبية للنص. وهذا يعني، يا عزيزي، أنك لم تكن قارئًا في حياتك. القراءة في حقيقتها محاورة، رقصة ثنائية بين عقلك والنّص. عملية عقلية متشابكة من التأويل والنقد والتفكيك والتركيب والربط وفك وإقامة العلاقات. لم تكن القراءة قط.. شيئًا إلا هذا. وهذا يعنني أنني أستطيع أن أقرأ لأيٍ كان دونما خوف، لأنني في النهاية أدلفُ الكتاب مزودة بأدواتي النقدية ومرجعياتي الأخلاقية. إنني لن أتأثر إلا بتلك الفكرة التي تمتلك مقومات بقائها أمام حججي ودفوعي. وهذا يعني أن هذه الفكرة تستحق أن تدخل إلى المجتمع وأن تغيّره. إنها فكرة ناضجة وتقدمية وقادرة على صنع عالمٍ أفضل، ريثما تولد فكرة أخرى أفضل.. وتتجاوزها.

طبعًا فكرة الخوف من “تأثرنا بما نقرأ” التي تساوي بين القراءة وبين التلقي السلبي، وتنزع من القراءة جوهرها النقدي، لها مبرراتها أيضًا. لأن النظام الاجتماعي والتعليمي والثقافي قائم أصلا على مبدأ التلقين. على وجود آخرين “يفكرون نيابة عنا”. على “الدولة الأبوية” التي تحاول حماية “أبنائها”. على الطفل الذي يدرس طريقة واحدة لحل مشكلة رياضية. على شكل واحد للعلاقة بين الجنسين. على “النخبة” التي تملي علينا شروط العمل الفني. على شكل واحد للإيمان. على طريقة واحدة للفهم.

إذا كنت قد صممت النظام بشكل يعطّل كل ملكات الفرد العقلية، إذا كان النظام مصمّمًا أصلا لتعطيل فرادة الفرد وطمس خصوصيته، فمن الطبيعي أن تفترض بأن القارئ هو مجرد وعاء سلبي يستقبل أفكار الكتاب. ولكن الجميل في الأمر هو أن القراءة، في حقيقتها، هي الترياق الحقيقي للتصدّي لنظام صناعة الغباء هذا.

نشرت في الصدى الإماراتية

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.