طلاب الطب والهندسة.. لماذا يصبحون فريسة سهلة للجهاديين؟

طلاب الطب والهندسة.. لماذا يصبحون فريسة سهلة للجهاديين؟

%44 من جهاديي الشرق خريجو “الهندسة” مقابل 59% لجهاديي الغرب

تقرير للمخابرات البريطانية: المجنَّد المثالي ذكي وفضولي ولا يتساءل عن السلطة

تقرير “روز” يقترح “إضفاء صبغة إنسانية” على تدريس التخصصات العلمية والتقنية 

يعتقد البعض أن الإرهابيين قادمون من بيئات فقيرة وبخلفيات تعليمية متدنية، إلا أن إحدى الدراسات تذهب إلى نقيض ذلك، مؤكدة أن المسؤولين عن صناعة الإرهابيين الجدد إنما يختارون من تلقوا تعليمًا متقدمًا سيما في مجالات الهندسة والعلوم والطب.. لماذا؟

الدراسة التي نحن بصددها تؤكد أنّ أسلوب “الأبيض والأسود” الذي يتبناه الإرهابيون يتطلب “عقلية هندسية”؛ وأن تعليماً أشمل قد يعطي الطلاب المعرضين للتطرف الأدوات اللازمة لمنازلة ومساءلة السُلطة.

وتتساءل الدراسة: أي نوع من الأشخاص يصبح جهاديًّا إرهابيًّا؟ وعلى وجه التحديد، ما نوع تعليم هؤلاء الأشخاص؟ وتجيب بأن الغالبية العظمى من الخريجين الذين انضموا إلى جماعات إرهابية كانوا قد درسوا الهندسة، أو العلوم، أو الطب. وأنه بالكاد يمكنك أن تجد أحداً منهم درس العلوم الاجتماعية أو الفنون. هذه الرؤية يمكن أن يكون لها نتائج في غاية الأهمية.

المجنَّد المثالي

web-tunisia-splash-1

 سيف الدين رزقي : منفذ الهجوم الارهابي في تونس حاصل على الماجستير في الهندسة الكهربائية

حصل ما يقرب من نصف الجهاديين (48.5%) المجنَّدين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تعليم عالٍ، 44% منهم درس الهندسة، بينما بلغت تلك النسبة 59% بين الجهاديين المجنّدين في الغرب، وذلك وفقًا لتحليل أجراه دييجو جامبيتا في عام 2007 ذُكِر في وثيقة “تحصين العقل” Immunising the Mind، وهي وثيقة جديدة نشرها المجلس الثقافي البريطاني.

وأظهرت دراسة عن الإرهابيين في تونس – والتي شهدت هجوماً إرهابياً نفذه مهندس كهربائي في يونيو الماضي – النِسب نفسها تقريبًا. كما وجدت دراسة أخرى عن 18 مسلمًا بريطانيًّا تورطوا في هجمات إرهابية أنّ ثمانية منهم درسوا الهندسة أو تكنولوجيا المعلومات، وأربعة منهم درسوا العلوم، والصيدلة، والرياضيات، بينما درس واحد فقط الآداب.

كل هذا ليس من قبيل المصادفة، هكذا يرى مارتن روز، المستشار البارز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الثقافي البريطاني. في تقريره “تحصين العقل”، يجمع روز مجموعة واسعة من الآراء التي تدعي أن تعليم العلوم يفشل في غرس التفكير النقدي في الطلبة، بينما تنجح في ذلك المناظرات والمناقشات التي تقع ضمن تدريس الفنون  والآداب. وصاغ روز مفهوم “العقلية الهندسية”، وهي ما يجعل طلاب العلوم فريسة سهلة لمجنِّدي الإرهابيين.

يستند التقرير إلى عدد من الدراسات الأكاديمية وملف للمخابرات البريطانية يصف المجنَّد الجديد المثالي بأنه “ذكي وفضولي، لكن لا يتساءل بشأن السلطة”.

يقول روز إنّ ثقافة تدريس العلوم دائمًا ما تعتمد على طريقة الصواب والخطأ، أو الحق والباطل، وهذا يدمر قدرة طلاب العلوم والهندسة على تنمية مهارات التفكير النقدية. وأنّ هذا لا يقتصر على الجامعات الغربية، حيث تبيّن التقارير انجذاب بعض طلاب الطب البريطانيين المسلمين لنظرية الخلق (وهي الإيمان بأن قدرة إلهية خلقت الكون في البداية).

قد يرجع انجذاب دارسي العلوم والهندسة نتيجة لدعوة زعيم داعش أبي بكر البغدادي في سبتمبر عام 2014 للقضاة والأطباء والمهندسين وذوي الخبرة العسكرية والإدارية للانضمام لما يسميه بـ”الخلافة”. بالتأكيد قد يحتاج تنظيم داعش إلى مهندسين في مجال النفط، وصانعي قنابل، لكن العديد من المهندسين الذين انضموا إليهم كُلِفوا بالقيام بأدوار غير تقنية.

وربما كان ذلك مجرد انعكاس للحقيقة المنتشرة في العالم العربي؛ وهي أنّ كليات الطب والهندسة والعلوم الطبيعية -على الترتيب- هي كليات النخبة التي تجذب أغلب الطلاب المتفوقين، لأنها تمهد الطريق -كما يؤمن الكثيرون-  إلى الحصول على الوظائف المرموقة.

لماذا يستبعد الجهاديون طلاب الكليات الاجتماعية؟

classroom-of-empty-chairs1

يبين روز أن ما يقرب من 70% من الطلاب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يدرسون العلوم الاجتماعية، وبالرغم من أنّ جودة التدريس أقل في هذه التخصصات الجامعية، إلّا  أنّ النهج التعليمي الذي تتبعه – والذي يتطلب التفسير والمناقشة – يخالف طريقة الأبيض والأسود التي تتبعها الجماعات الجهادية. ربما يكون ذلك السبب في استبعاد مواد علوم الآثار والفنون الجميلة والقانون والفلسفة والعلوم السياسية والرياضة والدراما والأدب من الجامعات الموجودة في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش.

من ناحية ما، لا يبدو ذلك غريبًا. في عام 2003، أشار تقرير الأمم المتحدة لتنمية الإنسان أنّ مناهج التعليم العربية تشجع على الخضوع والطاعة والتبعية والامتثال، بدلًا  من التفكير النقدي الحر.

قام روز بتسليط الضوء على ثلاث سمات محددة تميّز “العقلية الهندسية”: السمة الأولى، أنّ تلك العقلية ترى أنه “يوجد حل أمثل واحد، ولا مجال للجدال فيه”. السمة الثانية، أنها تؤكد “إذا تميز الناس بالعقلانية، فإن العلاج سيكون بسيطًا”. والسمة الثالثة، أنّ تلك العقلية تخاطب أولئك الذين لديهم حنين لنظام ماض، وهذا يقع في قلب السلفية والفكر الجهادي.

هل يكمن الحل في صبغة إنسانية للتخصصات العلمية والتقنية؟

إذا كان ذلك صحيحًا، إلى أين سيقودنا؟ يقترح روز أن يشارك المجلس الثقافي البريطاني – المؤسسة التي تُموَّل من المملكة المتحدة وتقوم بنشر الثقافة البريطانية في أنحاء العالم –  في إصلاح التعليم، وفي “إضفاء الصبغة الإنسانية” على تدريس التخصصات العلمية والتقنية.. وأن من شأن ذلك إعطاء الطلاب الأكثر عرضة للانضمام إلى الجماعات الجهادية أدوات تساعدهم على التفكير والتساؤل سواء كانت هذه التساؤلات بخصوص السلطة، أو العلم، أو السياسية، أو الدين.

لكنهم سيكونون بحاجة أيضًا إلى شيء لا يمكنهم الحصول عليه من الخبراء الثقافيين في الغرب. ما يغفل التقرير عن ذكره هو حاجة الطلاب والمسلمين عموما إلى التعرف على التعاليم الإسلامية الغزيرة التي كوّنت الدين قبل ظهور السلفية الأصولية الغنية بالنفط.

المصدر: Theguardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.