ذكاء المشاعر: كيف نفهم مشاعرنا وكيف نتعامل معها وما هو دور القصص في صقلها؟

ذكاء المشاعر.. كيف تعيد رواية القصص التواصل بيننا؟

“المشاعر ليست الوقود الذي يشغّل الآلية النفسية لعقل الإنسان فحسب، بل هي أجزاء غاية في التعقيد والفوضى من العقل نفسه”- مارثا نوسباوم

مارثا نوسباوم

مارثا نوسباوم

“إنّ قوة ’عين القلب‘ التي تنتج البصيرة، تتفوق على ’قوة التفكير‘ التي تنتج الآراء” هكذا قال المفكر الاقتصادي البريطاني إرنست فريدريك شوماخر في عام 1973 عن كيف نعرف ما نعرفه بالفعل. وكان يرد على الشاعر والفيلسوف الفارسي جلال الدين الرومي، الذي وصف ـ قبل سبعة قرون ـ “عين القلب” أو “عين العشق” بأنها أكثر بصيرة من “عين العلم والعقل” بمقدار سبعين ضعفًا.

قد يبدو هذا بالنسبة إلى أصحاب الطموح الفكري وكأنه فكرة مثيرة. لكن في الوقت الذي يواصل فيه العلماء المعاصرين تسليط الضوء على كيفية تأثير عواطفنا على قابليتنا للأمراض، فإنه أصبح من الواضح بشكل متزايد أنّ حياتنا العاطفية مزودة بنوع خاص ومهم من الذكاء الجسدي والمعرفي.

ما هي المشاعر؟

طبيعة هذا الذكاء وكيف يمكننا تسخيره هو ما تتحدث عنه العالمة الأمريكية مارثا نوسباوم، التي تعد أحد أكثر الفلاسفة فاعلية في الوقت الحالي، في كتابها الذي نُشر عام 2001 بعنوان Upheavals of Thought:The Intelligence of Emotions أو “ثورات الفكر: ذكاء المشاعر”.

يأتي عنوان الكتاب وفقًا لتعريف مارسيل بروست للمشاعر بأنها “الاضطرابات الجيولوجية للفكر”، وتقدم أطروحة نوسباوم مقابلة واضحة للفكرة القديمة التي تقول بأنّ عواطفنا هي الطاقات الحيوانية فقط، أو الدوافع البدائية المنفصلة تمامًا عن إدراكنا.

إلا أن نوسباوم تفنِّد هذا الطرح بأنّ المشاعر هي محور الفلسفة الأخلاقية وأنّ أي نظرية موضوعية للأخلاق تتطلب فهم موضوعي للمشاعر والعواطف الإنسانية. كما توضح أن “ثمة الكثير على المحك عندما نقرر فهم مشاعرنا بهذه الطريقة، باعتبارها ردود فعل ذكية نابعة من إدراكنا لقيمة شيء ما. فإذا اندمجت المشاعر بالذكاء والبصيرة، وإذا اشتملت المشاعر في ذاتها على وعي أعمق حول أهمية وقيمة الأشياء، فإنه لا يمكن -على سبيل المثال- تجاهل المشاعر في المواقف التي تتطلب حكماً أخلاقياً، كما كان الوضع دوماً في تاريخ الفلسفة. وبذلك، فبدلاً من النظر إلى الأخلاق كنظام مكون من مباديء محددة منفصلة عن عقلنا، وبدلاً من النظر للعواطف على أنها دوافع إما تدعم أو تفسد خيارنا الأخلاقي وفقاً للمباديء الأخلاقية الموضوعة، فإنه يتعين علينا أن ننظر للمشاعر كجزء لا يتجزأ من نظام التفكير الأخلاقي وأنها وعاء لهذا التفكير وليست أمراً منفصلاً عنه”.

وتتابع نوسباوم: “لا يمكننا تجاهل المشاعر إذا ما اعترفنا بأنها تحمل في مضمونها أحكاماً يمكنها أن تكون صحيحة أو خاطئة، فهي بذلك تكون عبارة دليل أو مرشد لأي اختيار أخلاقي فتدلنا على ما هو جيد أو سيء. بل سيتوجب علينا التعامل مع المادية الفوضوية لمشاعر الحزن والحب، والغضب والخوف، والدور الذي تقوم به هذه المشاعر المضطربة في مساعدتنا على التفكير حول الخير والعدل”.

وتضيف: “المشاعر ليست الوقود الذي يشغّل الآلية النفسية لهذا الكائن المنطقي المسمى بالإنسان، بل هي أجزاء، غاية في التعقيد والفوضى، من منطق هذا الكائن بذاته”.

البنية المعرفية للمشاعر

ومن النقاط المركزية المهمة في أطروحة نوسباوم أن البنية الإدراكية المعقدة للمشاعر تتخذ شكلاً سردياً؛ أي أنّ القصص التي نرويها لأنفسنا عن “من نحن وماذا نشعر، تشكّل واقعنا العاطفي والأخلاقي، وهي بالطبع وظيفة نفسية كبيرة للأدب وهي كذلك السبب في أنّ الفن يمكن أن يكون بمثابة شكل من أشكال العلاج النفسي، وبذلك تظهر أهمية إدراج الفنون السردية في الفلسفة الأخلاقية.

لكن هذا الجانب السردي يعني أيضًا أنّ عواطفنا لها بُعدٌ زمني يمتد إلى تجاربنا التكوينية السابقة كبشر. لذا، تكتب نوسباوم: “لا يمكننا أن نفهم حب [شخص].. دون معرفة الكثير عن تاريخ أنماط التعلق (Patterns of Attachment) التي تمتد إلى مرحلة طفولة [هذا الشخص]. إنّ علاقات الحب القديمة تلقي بظلالها على أنماط التعلق الحالية، وتقيم بداخلها. لذلك، وحتى نفهم كيف نتحدث جيداً عن تلك العلاقات القديمة وأنماط التعلق المتكررة، ينبغي علينا وضعها في سياق سردي، مما يعمق ويصقل فهمنا لأنفسنا ككائنات لها تاريخ زمني معقد”.

1

لماذا نخشى الثقة في مشاعرنا؟

تنظر نوسباوم في السمات الأساسية للمشاعر من حيث علاقتها بالفلسفة الأخلاقية موضحة أنه “بقدر ما تنطوي مشاعرنا على اعتراف بالعوز والحاجة وانعدام الاكتفاء الذاتي، فإنها تكشف أننا عُرضة لأحداث لا نتحكم بها”.

وتضيف: “تبدو المشاعر وكأنها تتسم بالتناقض نحو أهدافها. ففي طبيعة العلاقات المبكِّرة للإنسان نكتشف أن ما يتربص بنا دائماً هو مجموعة مشوّشة من مشاعر الحب والاستياء في آن واحد، وهي مشاعر مبعثها إدراكنا لفكرة أننا بحاجة للآخرين من أجل البقاء والازدهار، لكننا لا نتحكم في تحركاتهم. وإذا كان الحب، بهذه الطريقة دائمًا، أو حتى عادة، يختلط بالكراهية، فإنّ هذا يقدم لنا بعضًا من أسباب عدم الثقة بالمشاعر على الإطلاق في حياتنا الأخلاقية، فنجعلها تلعب دور محدود في إطار التوجيه الشخصي وكقواعد للواجبات التي يجب أو لا يجب أن نقوم بها”.

في هذا السياق، أجرى عالم النفس آدم فيليبس دراسة يختبر فيها الدور الأساسي للازدواجية في الحب، وهنا تشير نوسباوم إلى حالة معينة من الرومانسية باعتبارها مظهرًا حادًا لهذه الازدواجية، فتقول: “لطالما اعتقدنا أنّ الحب الشخصي رائع جدًا لدرجة أننا لا يمكننا نزعه من حياة الإنسان؛ ولكن الكثيرين (ليس فقط الفلاسفة) يرونه كمصدر لخطر معنوي كبير بسبب تحيزه وشكله المتطرف، فمشاعر الحب المتطرفة تجعلنا عرضة للخطر وتجعلنا في حالة ضعف مما يجعل ارتباط الحب بالغيرة والغضب أمر حتمي كوسيلة لحماية أنفسنا من هذا الضعف الذي أتى به الحب”.

وعادت نوسباوم إلى دور المشاعر بوصفها اعتراف، ضروري ومربك في الوقت نفسه، بحاجتنا وعدم اكتفاءنا ذاتياً، فتقول: “تنطوي المشاعر على أحكام حول الأمور الهامة؛ أحكام نقدّر فيها كائن خارجي بوصفه شيء بارز وأساسي في سعادتنا، فنعترف بحاجتنا ونقصنا أمام عالم لا نتحكم به بشكل كامل”.

المشاعر.. اضطرابات جيولوجية للفكر!

2

كما تعيد نوسباوم النظر في الأساس المنطقي وراء عنوان الكتاب (ثورات الفكر: ذكاء المشاعر)، موضحة: “ينبغي فهم المشاعر بصفتها ’اضطرابات جيولوجية للفكر‘.. أي بوصفها أحكاماً يعترف من خلالها الناس بأهمية الأشياء التي لا يسيطرون عليها في سعادتهم وازدهارهم، فهي اعتراف بالحاجة والعوَز في وجه العالم وأحداثه”. لكن هذا الشعور وهذه الفكرة بـ”الحاجة” دائماً ما يكتنفها حكم سلبي وشعور بالخجل – لأنها اعتراف بافتقارنا للقيادة والتحكم- وهو أحد السمات الأساسية التي تجعلنا بشراً.

وتتابع نوسباوم: “يبدو أن البشر هم الكائنات الفانية الوحيدة التي ترغب في تجاوز المحدودية الخاصة بهم حتى يصبحوا كائنات غير محدودة. وبالتالي فهم الكائنات العاطفية الوحيدة التي ترغب في تكون كائنات غير عاطفية، بل ترغب في حجب هذه الاعترافات بالحاجة والضعف وعدم التحكم، وتصميم حياة أخرى لأنفسهم لا مكان فيها لتلك الاعترافات. وهذا يعني أنهم في كثير من الأحيان يتعلمون رفض الاعتراف بضعفهم وقمع أية تعلقات تنطوي على هذا الشعور.

وتضيف: “إنهم الكائنات الوحيدة التي تشعر بالعار من مشاعر الحاجة، ويحددون ويربطون مشاعر اعتزازهم بأنفسهم بدرجة تخلصهم من الضعف”. لكنّ العوز، كما تجادل نوسباوم، هو محور العملية التنموية لدينا كبشر. فكما أنّ الكثير من مشاعر الإحباط تعتبر ضرورية للشعور بالسعادة، فإن الحاجة أيضاً ضرورية لإحساسنا بالسيطرة على مجريات حياتنا: “تنطوي عملية التنمية على لحظات عديدة من الانزعاج والإحباط. في الواقع، فإنّ بعض الإحباطات التي تشعر بها مربية الأطفال تجاه رغبات الرضيع تعتبر أمرًا أساسيًا في عملية التنمية؛ لأنه إذا تمّ توفير كل شيء ببساطة قبل الشعور بالانزعاج، فإنّ الطفل لن يحاول بدء تجربته الخاصة في التحكم بحياته”.

وتتابع: “إدراك الطفل المتطور والذي تفشل المربية أحيانًا في تنفيذ ما يريده يؤدي إلى الشعور بالغضب الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحب الناشئ بسبب حاجته للمربية. في الواقع، إنّ الإدراك بأن وجود الأشياء الجيدة وغيابها يعتمد على مصدر خارجي يضمن وجود كل هذه المشاعر في نفس الطفل، على الرغم من أن الرضيع لم يعترف حتى الآن بأن كلا الشعورين يأتيان من مصدر واحد وهو المربية”.

لكن في حين أنّ هذه التجارب التكوينية يمكن أن تغذي ذكائنا العاطفي، إلا أنها يمكن أن تدمره مع عواقب وخيمة تمتد مدى الحياة، كما في حالة أحد المرضى، تشير له نوسباوم باسم “ب”، حيث كانت والدته لا تتوانى عن اشتراط كمال نفسها لدرجة أنها تفسر عوز رضيعها بأنه فشل شخصي، وتمتعض من كل النزعات الإنسانية الأساسية وترفضها بوصفها نقيصة في طفلها ونفسها أيضًا. تتبعت نوسباوم التداعيات التنموية لهذا الطفل وكتبت: “في حين يقوم “ب” بالتواصل مع هذه الذكريات، يصبح المريض تدريجيًا على دراية بمطلبه الخاص لتحقيق الكمال في كل شيء، كنتيجة طبيعية لعدم قدرته على السماح لنفسه بأن يكون طفلًا محتاجًا. ولأن أمه تريد الكمال (الذي كان يشعر بأنه طلب يدل على الجمود والموت)، لم يسمح لنفسه بأن يكون معتمدًا على غيره، أو أن يثق بأي شخص آخر”.

3

قبل كل شيء، تربية الأطفال الماهرة في الناحية العاطفية – أو “الدعم” – في وقت مبكر من الحياة تنبه الطفل للشعور بأنه قادر على كل شيء وكونها عالة على غيره بشكل كامل في الوقت ذاته. تقول نوسباوم:

“إن قدرة الآباء (أو غيرهم من مقدمي الرعاية للطفل) على مقابلة القوة والقدرة الكلية للطفل من خلال الرعاية المناسبة والمستقرة من شأنه أن يخلق إطارًا تنمو فيه الثقة والاعتماد المتبادل تدريجيًا وفي وقت واحد، وسوف يتحكم الطفل تدريجيًا بقوته المطلقة، وسرعة تلبية متطلباته على الدوام بمجرد أن يدرك أنّه يمكنه الاعتماد على الآخرين، وأنه لن يتم التخلي عنه في حالة فيكون في حالة من اليأس المطلق. وهذا الإطار من الثبات والاستمرارية يوفر موردًا قيمًا في أزمة التناقض التي تعقب ذلك.

من ناحية أخرى، فإنّ الطفل الذي لا يتلقى الدعم الكافي، أو يتلقى دعم مفرط أو متطفل، دون مساحة له بالاسترخاء والاعتماد على النفس في علاقة من الثقة بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخرين، سوف يتشبث، في الحياة في وقت لاحق، بالقوة الخاصة به، مطالبًا بكمال الذات، رافضًا تحمل النقص سواء في العلاقات الإنسانية أو في العالم الداخلي”.

تأثير استجابة الوالدين

وتشير نوسباوم إلى أن “علاقة الرضيع المتأرجحة تجاه قدراته يمكن أن تتشكل عن طريق التفاعلات التي تؤدي إلى تفاقم الشعور الأوليّ بالعار أو الحد منه. هذا الشعور الأوليّ بالعار في إحدى نقاط الضعف والعجز هو على الارجح سمة أساسية وعالمية في الحياة العاطفية. لكن الوالد الذي يفرح عند وجود طفل، والذي يكشف عند التفاعل مع الطفل بأنه من الجيد والطبيعي أن تكون إنسانًا محدوداً، فإنه بذلك يخفف تناقض العلاقات الإنسانية لهذا الطفل في وقت لاحق”.

هذه النوعية من استجابة الوالدين لحاجة الطفل في الأشهر القليلة الأولى من الحياة، كما تقول نوسباوم، تؤثر علينا بعمق وبشكل دائم عندما نكبر. إنها تشكّل كيفية تواصلنا مع هذه “الحاجة” أو “العوز” في أنفسنا، فنرى العوز على أنه “علامة عار وشعور بالعجز” لعدم قدرتنا على بلوغ “الكمال المطلق” الذي نعتق أنه الحالة المقبولة الوحيدة لوجودنا لكننا نعجز عنها باستمرار مما يفاقم الشعور بالعجز، وقد تكون استجابة الوالدين بشكل يجعلنا نرى “الحاجة” و”العوز” كجزء طبيعي ومقبول من التجربة الإنسانية. فالكمال -بحسب الكاتب نيل غيمان – يكمن في معرفة كيف نحافظ على ذواتنا الصغيرة والرضا بحدودها.

وتتناول نوسباوم تعقيدات الشعور بالعار، التي تصبح الاستجابة العاطفية السائدة تجاه العوز تحت طغيان الكمالية: “تقترن القدرة المطلقة للرُضع بالعجز، فلا يمكن للطفل أن يشعر بقوته وقدرته دون أن يشعر في الوقت ذاته بعجزه. عندما يدرك الرضيع أنه يعتمد على الآخرين، يمكننا بالتالي أن نتوقع عاطفة بدائية وشعور بالعار يترتب على ذلك. وينطوي هذا الشعور بالعار على إدراك الفرد بأنه ضعيف وعاجز. كما ينعكس هذا الشعور في الاختباء عن أعين الذين سيرون هذا النقص، لإخفائه. إذا كان الطفل يتوقع السيطرة على العالم، كما يفعل كل الأطفال تقريبًا، سيشعرون بالعار والغضب، لعدم قدرتهم على التحكم في العالم من حولهم”.

وتواصل: “لاحظ، إذن، أنّ ’العار‘ هو أبعد ما يكون عن انخفاض التقدير الذاتي؛ بمعنى أن الشعور بالعار يتطلب أن يقدّر الشخص ذاته كأساس للشعور به، وذلك لأن الشخص يتوقع أن يكون له تقدير خاص أو ’صورة كاملة‘ في أذهان الناس تمنحه قيمة لنفسه، بالتالي نرى المرء يحاول تغطية عيوبه أو إخفاءها حتى يشعر بأنه كامل، رغم عدم وجود هذا الكمال أساساً. يستمتع جميع الأطفال بالشعور بالقدرة الكلية، ويشعرن بالعار من الاعتراف بالنقص البشري؛ وهي تجربة عالمية كامنة وراء القصص الدينية التي تشير إلى شعورنا بالعار من عُريّنا. لكن التطور الجيد للطفل سيسمح بالتحرر تدريجيًا من القدرة المطلقة -الزائفة- لصالح الثقة بالمحيط، فيتعلم الأطفال عدم الشعور بالعار من العوز والحاجة، واتخاذ وجهة نظر إيجابية في ’التفاعل الذكي‘ والإبداعي مع النقص البشري”.

4

هذا التفاعل مع النقص البشري، كما لاحظ الباحث والكاتب جوزيف كامبل، هو جوهر الحب الرومانسي. لكنّ التعصب ضد النقص والإنسانية والعوز، كما تلاحظ نوسباوم، يمكن أن يعوق قدرتنا على الاتصال وجعل عواطفنا تبدو وكأنها أحداث عمياء غير مفهومة تحل بنا وتسيطر علينا بدلا من كونها جزء من ذكائنا الطبيعي: “تبدو المشاعر في حياة البالغين أحيانًا كما لو كانت فيضانات تأتي من حيث لا نعلم، بطريقة لا تتطابق مع نظرتنا الحالية للأشياء أو قيمتها بالنسبة لنا. وينطبق هذا بشكل خاص على الشخص الذي يحافظ على نوع من الدفاع الزائف عن النفس، وهو بذلك بعيد كل البُعد عن مشاعر العوز والتبعية، والغضب والعدوان، التي تميز الذات الحقيقية”.

العاطفة وتاريخها السردي

وتعود نوسباوم إلى البنية السردية للمشاعر وكيف أنّ رواية القصص يمكن أن تساعدنا في إعادة علاقتنا بالحاجة الإنسانية والعوز، فتقول: ” فهم أي عاطفة هو فهم ناقص ما لم يتم فهم تاريخها السردي في أذهاننا، ودراسة الضوء الذي تلقيه على تفاعلنا مع هذه العاطفة حالياً. وهذا يشير إلى الدور المركزي للفنون في حياة البشر ومساعدتهم على فهم ذواتهم؛ حيث تعطينا الأعمال الفنية السردية المختلفة (سواء الأعمال الموسيقية أو البصرية أو الأدبية) المعلومات حول هذه المشاعر التاريخية التي لم نتمكن من الإحساس بها بطرق أخرى. وهذا ما قصده (الكاتب الفرنسي) بروست عندما جادل بأنّ بعض الحقائق عن المشاعر البشرية يمكن نقلها، في شكل شفهي ونصيّ، عن طريق العمل السردي الفني، مثل هذا العمل يوضح بدقة وبشكل كامل الهيكل الزمني العاطفي المترابط ’للأفكار‘، فهي تجعلنا نلاحظ كيف تكون مشاعر قلوبنا مزدوجة بين الاعتراف بالعوز والحاجة وإنكارهما في الوقت ذاته”.

وتتابع نوسباوم: “الأعمال الفنية السردية مهمة لما تُظهره للشخص الذي يرغب في فهم المشاعر. كما أنها مهمة نظرًا لما تفعله في الحياة العاطفية أيضًا. إنها لا تحاول أن تعرض لنا التاريخ، بل تدخلنا فيه. تلعب القص والسرد دورًا أساسيًا في صقل إحساس ومشاعر الطفل أثناء وحدته، أو ما نسميه عالمه الداخلي. فهي تدعم قدرة الطفل على تخيل مشاعر جيدة أثناء وحدته حتى إن لم تكن تلك المشاعر حاضرة، فبإمكان الطفل استحضار تلك المشاعر في نفسه سواء كانت موجودة أو لم تكن موجودة باستخدام لعب الأطفال التي تعمل “كأدوات انتقالية” تتيح له التواصل مع تلك المشاعر بشكل فردي. ومع مرور الوقت، تعمق هذه السردية العالم الداخلي للطفل، وتصبح مكانًا لإبداع الفرد، وبالتالي الثقة في التفريق بين الذات والعالم”.

فيما تبقى من كتاب “ثورات الفكر“، الذي لا يزال إلهامًا في محتواه الضخم، تستكشف نوسباوم كيف يمكن للفنون السردية إعادة تشكيل البنية النفسية العاطفية للإنسان، وكيف يمكن لفهم ذكاء المشاعر أن يساعدنا على اجتياز فوضى مشاعر الحزن والحب والغضب والخوف بجعلها حليفاً عوضاً عن كونها مشاعر مسيطرة على ذواتنا.

المصدر: Brainpickings

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.