لماذا تبدو الجماعات الجهادية أكثر سادية وشرًا من غيرها؟

11

فشل واستبداد الأنظمة العلمانية الدكتاتورية في البلدان المسلمة أعطى مصداقية أكبر للمعارضة الإسلامية التي ملأت الفراغ

هناك رابط خاص بين الإسلام والعنف رغم انتشار الوحشية بين أتباع كل الديانات

يرى الجهاديون أن الغرب مصدر جميع أنواع الرعب والرهبة وأي عمل جائز لمواجهته

شرور الإرهاب ليست مجرد جوانب أبدية للطبيعة البشرية لكنها نتاج العصر الحديث

كيف لأناس “لا يختلفون” كثيرًا عني وعنك، أن يكونوا حقًا مختلفين في أعماقهم، ولديهم القدرة على ارتكاب أبشع جرائم القتل الجماعي؟ ما الذي يجعل من يُطلق عليهم “الجهاديون” يشنّون حربًا دامية ضد بقية البشرية؟

قبل يوم واحد من مذبحة باريس، قتل اثنان من الانتحاريين ما لا يقل عن 40 شخصًا في منطقة شيعية في بيروت، وبعد أسبوع، وقع تفجيرين انتحاريين في نيجيريا ما أسفر عن مقتل 49 شخصًا. وفي مواجهة هذه الفظائع، لا يمكننا فعل الكثير من الأشياء سوى الحديث عن صفات مثل “البربرية”، “والخِسة”، و”الشر”. ولكن ما الذي يجعل الناس يتصرفون بمثل هذه الخِسة والعنف؟

Car-bomb-explosion-in-Har-014

في كتابها The Life of the Mind أو “حياة العقل” كتبت الفيلسوفة الألمانية حنّا أرندت: “الحقيقة المرة هي أنّ الشر يقوم به أناس لم يحسموا أمرهم بأن يكونوا من الأخيار أم من الأشرار”، كما تحدث مارك سيغمان، المسؤول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في أفغانستان، والذي يعمل الآن كمستشار لمكافحة الإرهاب، عن الجهاديين اليوم، موضحًا: “إنّه لأمر مريح أن نعتقد بأن هؤلاء الرجال مختلفون عنّا، لأنّ ما يفعلونه ضار للغاية. لكن لسوء الحظ، إنهم لا يختلفون عنّا كثيرًا”.

لكنّ الجهاديين مختلفون؛ فهم، رغم كل شيء، جهاديون.. إذن، كيف لأناس “لا يختلفون” كثيرًا عني وعنك أن يكون لديهم القدرة على ارتكاب أبشع جرائم القتل الجماعي؟

أين تقف حدود الخير والشر؟

عندما نصف عمل ما بأنه خسيس أو شرير، فنحن لا نصف شيئًا بغيضًا بشكل خاص، بل نطالب بحدود أخلاقية نحتكم لها جميعاً. غالبًا ما يختلف الناس حول أبسط القضايا الأخلاقية، يرى بعضهم، على سبيل المثال، أن التعذيب فعل خاطئ على الدوام، بينما يرى آخرون أنه مقبول للحصول على معلومات هامة، كلٌ يصف الآخر بأنه غير أخلاقي، ومع ذلك، يتفق كلا الطرفين أنهما يتناقشان حول الحق والباطل.

ولكن إذا قال شخص ما إنّ “تعذيب الناس أمر جيد لا تشوبه شائبة”، فإنّ عددًا قليلا سيرون أن هذا الشخص لا يقدم حُجة أخلاقية على الإطلاق، وسيصف معظم الناس مثل هذا الادعاء بأنه “باطل”.

بعبارة أخرى، لا يتعلق الشر بمجرد تعريف فعل ما بأنه شر تام؛ بل يتعلق أيضًا بتحديد الحيز الذي يمكننا أن نقيم من خلاله حوار هادف حول الجيد والسيء، والخير والشر.

ما يجعل تصرفات الجهاديين غير قابلة للتفسير هي أنها تحدث خارج العالم الأخلاقي الذي نعيش فيه.. إذن، ما الذي يدفع الناس “الذين لا يختلفون عنّا” إلى عبور الحدود الطبيعية للأخلاق؟

بطبيعة الحال، دائمًا ما يرتكب البشر الأفعال الخسيسة والشريرة، ولكنّ القول بأنّ “هذا يحدث على الدوام” لا يفسر ما يميز الإرهاب المعاصر، ولا يناقش السؤال الأكثر إثارة اليوم: لماذا تبدو الجماعات الجهادية على وجه الخصوص أكثر سادية وشرًا؟

هل يبرر الإسلام الشر؟

يرى البعض أنّ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في الإسلام نفسه، فهم يجادلون أنّ القرآن يحث على العنف، وأنّ المسلمين يأخذون بالتفسيرات الحرفية للقرآن، وبالتالي فهم أكثر استعدادًا لارتكاب الأعمال الوحشية.

الإسلام عامل مهم في هذا الأمر، من الناحية الأخرى، يصر ديفيد كاميرون وباراك أوباما على أنّ الجهاديين ليسوا مسلمين “حقيقيين” وبالتالي لا ينتبهون كثيرًا لهذه النقطة. لكن حقيقة أن أنصار “داعش” يمارسون دينهم بطريقة ترعب معظم الليبراليين لا تجعل “داعش” أقل إسلامية عن غيرها من الجماعات كما يرى أوباما وكاميرون.

ومع ذلك، وإذا كان هذا الإصرار على فكرة أن الجهاد منفصل عن الإسلام تبدو منطقية إلى حد ما، فالادعاء بأن الإسلام وحده يمكن أن يكون السبب الرئيسي لذلك وبأنه يفسر لماذا يتصرف الجهاديون بهذه الطريقة يبدو أمراً غير معقول أيضاً. فالغالبية العظمى من المسلمين يمقتون أفعال “داعش”، ويرون أن أفعالها لا يمكن تفسيرها من الناحية الأخلاقية، بينما في ميانمار ارتكب الرهبان البوذيون مذابح عديدة ضد المسلمين، وفي كنيسة تشارلستون بالولايات المتحدة أطلق ديلان روف النار على مواطنين أمريكان سود كانوا يتعبدون داخل الكنيسة، ومن ثمّ نرى بأن الوحشية منتشرة على نطاق واسع في العالم غير الإسلامي أيضًا.

ومع ذلك، يبدو أن هناك شيئًا خاصًا حول الإسلام في إثارة الرعب والاضطهاد. فالإسلام الراديكالي المعاصر هو النموذج الديني الذي من خلاله يعبّر نوع معين من الغضب الوحشي الكامن عن نفسه.

العنف ضد النفوذ الغربي

لذلك، لكي نفهم لماذا دخل الجهاديون في عالم أخلاقي يسمح لهم بالاحتفال بالأفعال اللا إنسانية، علينا أن نفهم لماذا أصبح الغضب السياسي ضد الغرب يأخذ هذا المنحنى العدمي، والأشكال الهمجية، ولماذا أصبح الإسلام الراديكالي الأداة الرئيسية لهذا الغضب؟

يرى الجهاديون أنفسهم باعتبارهم محاربون ضد الإمبريالية الغربية. ولكنّ القليل من مناهضي الإمبريالية من الأجيال السابقة يرون أنّ هناك رابط أيديولوجي بينهم وبين الجهاديين.

ثمة تاريخ طويل من النضالات الشعبية ضد الاستعمار والإمبراطورية. وفي حين أنّ هذه الحركات غالبًا ما استخدمت وسائل عنيفة لتحقيق غاياتها، إلّا أنها لم تكن “معادية للغرب” بالمعنى المطلق. بل عملت ضمن إطار أخلاقي كوني أكّد على الحرية والتحرر للبشرية جمعاء.

وعلى مدى العقود القليلة الماضية تمّ الكشف عن هذه التقاليد المعادية للإمبريالية. وغالبًا ما تعود جذور تلك الحركات الجديدة إلى الهوية الدينية أو العرقية، وتأخذ الشكل الطائفي أو الانفصالي. ويرتبط هذا التحول بالتراجع الكبير للحركات الاجتماعية التقدمية، وفقدان الثقة في القيم الكونية، واستبدال السياسة الأيديولوجية بسياسات الهوية. لقد أصبحت المعايير الأخلاقية تأخذ حيزاً ضيقاً ينحصر في إطار القبيلة أو الجماعة أو الدين بدلاً من أن تكون معاييراً عالمية. كما أفسح النضال السياسي من أجل عالم أفضل الطريق أمام إطلاق الناس لغضبها تحركهم في ذلك هوياتهم العرقية أو القبلية أو الطائفية.

علمانية مستبدة تنتج إسلاماً أصولياً

ولكن لماذا أصبح الإسلام الراديكالي الأداة الصاعقة لهذا الغضب؟

يرجع ذلك إلى الظروف التي سمحت بازدهار الإسلامويّة، وإلى طبيعة الإيمان الأصولي في عصر تلاشت فيه المثل السياسية العليا. لقد أدى فشل الأنظمة العلمانية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، والتي كانت في الغالب أنظمة ديكتاتورية مارست الانحطاط في عمليات الاستبداد الوحشي، إلى الربط بين العلمانية والقمع، وإعطاء مصداقية أكبر للمعارضة الإسلامية كونها “طوق نجاة”. كما أنّ السخرية من الغرب في دعم الأنظمة الاستبدادية عندما يناسبهم ذلك أثار المشاعر المعادية للغرب. وقد ساعدت التدخلات العسكرية المضللة في تدمير المجتمع المدني، وتفريغ مساحة للإسلاميين من أجل الازدهار، في حين تفاقم العداء تجاه الغرب.

ولم تكن البلدان الإسلامية وحدها التي ظهرت فيها حركات طائفية أو دينية لمعارضة الحكم الاستبدادي. ولكن في البلدان غير الإسلامية، من ميانمار إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. إلا أن الطابع العالمي للإسلام قد ساهم في تحويل تلك الحركات الطائفية إلى ظاهرة عالمية. إذ ساعدت تصرفات الحكّام المحليين والنتائج المترتبة على التدخلات الغربية في خلق فراغ سياسي ملأه الإسلاميون، كما ساهم تراجع السياسات التقدمية في خلق فراغًا آخر.

وقد أدى زوال حركات المعارضة التقليدية (الحركات الوطنية أو القومية المعتدلة) إلى بحث كثيرين عن أشكال بديلة من النضال، وخلق حالة من الاشتياق للحدود الأخلاقية التي وضعها الله، مما ساهم في انتشار الإسلام السياسي كبديل ناجح للاستبداد.

الإسلامويّة – مع مناداتها بالنضال من أجل إقامة نظام بديل تحكمه قواعد عقوبات إلهية – ملأت هذا الفراغ. وقد سمح وهْم العقوبة الإلهية والتفويض الإلهي للجهاديين بتبرير أفعالهم مهما كانت بشعة ووحشية.

صراع وجودي بين الإسلام والغرب

k

يتصور الجهاديون أنهم يشنون حربًا ضد الغرب؛ فهم يروا أنّ الغرب ليس مجرد مجموعة من الدول المسؤولة عن أفعال محددة، ولكن وحش أسطوري يسيطر على الجميع، ومصدر جميع أنواع الرعب والرهبة، وفي مواجهة هذا الوحش، يصبح أي عمل مقبولا وجائزًا.

لا تعمل الجماعات الجهادية وفق الإطار الأخلاقي الذي كان يوجه مكافحوا الاستعمار والإمبريالية في السابق؛ فهي تشكّلت وفق قيم جامدة بتأييد إلهي. يدفع تلك الجماعات الشعور بالغضب من غير المسلمين، والاعتقاد بوجود صراع وجودي بين الإسلام والغرب، ومن ثمّ يعيش الجهاديون في عالم أخلاقي مختلف يرتكبون فيه الأعمال اللاإنسانية ويرون أنها أعمال صالحة.

بالطبع هذا ليس مبررًا للجهاديين ولا لأعمالهم. ولكننا نشير فقط إلى أنّ “الشر” المعبّر عنه في هذا النوع من الإرهاب الذي دق أبواب باريس وبيروت ونيجيريا ومالي ليس مجرد جوانب أبدية للطبيعة البشرية، ولكنه نتاج العصر الحديث.

المصدر: The Guardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.