العباقرة والمبدعون.. يولَدون أم يُصنَعون؟

العباقرة والمبدعون.. يولَدون أم يُصنَعون؟

البرت روثنبرغ

“العبقرية تُولَد ولا تُصنَع”.. هذا اعتقاد شائع على نطاق واسع، يشمل كل العباقرة المزعومين، أصحاب الإنجازات الكبيرة في مختلف الفنون والعلوم، و أولئك المنتمين إلى مجموعة متنوعة من المجالات التجارية والسياسية والاجتماعية، إضافة إلى الذين يبدو أنَّ قدَرهم هو تحقيق الإنجازات الكبيرة، والآخرين الذين لديهم مهارات وإنجازات لكنَّهم هادئون ومثابرون ولم يُقدِّرهم أحد بعد.

لكن، العبقرية كما تُعرَّف في المعاجم بوضوح؛ هي التمتُّع بذكاء شديد وقدرة كبيرة على الابتكار. لذلك، فإنّ استخدام مصطلح “العبقرية” فيما يتعلَّق بالإبداع مُربك قليلًا، إذ ليست كل منتجات العبقرية – مثل الأداء البارز والثابت في إجراء عملية جراحية، أو المهارة الجيِّدة في حل المشاكل باستمرار- هو بالضرورة إبداع (إنتاج شيء جديد وقيِّم). والعكس صحيح أيضًا؛ فليست كل النواتج الإبداعية مثل، برنامج كمبيوتر أو تطبيق قيِّم وجديد؛ هي بالضرورة صنيعة العبقرية.

ومع ذلك، ربما تتداخل العبقرية والإبداع كثيرًا وبصورةٍ مُتكرِّرة، فهناك إجماع على إمكانية تداخل الإبداع والعبقرية اللذين يقومان على القدرة والمهارة العالية في العلوم وفي المجالات الأدبية والموسيقية والفنية. فالعبقرية والإبداع تتضمنان حافزًا ودافعًا قويًّا للعمل على مشروعٍ واحد ليل نهار وعلى مدار شهورٍ وسنوات. لذلك، قررنا استكشاف بعض خصائص العبقرية لدى بعض الحائزين على جوائز علمية وأدبية بارزة، لنتعرف على الخصائص الحقيقية للعبقرية.

هل العبقرية تورَّث؟

فرانسيس جالتون

فرانسيس جالتون

إنَّ الأدلة العلمية على أنَّ العبقرية تُولَد ولا تُصنَع، أو أنَّ الإبداع أمر موروث، تعد ضعيفة جدًا، فهي حاليًا غير موجودة تقريبًا في الواقع. وقد أعابت دراسةَ “العبقرية المتوارثة” الكلاسيكية، التي أجراها فرانسيس جالتون في القرن التاسع عشر حول توريث العبقرية من الأب إلى الابن، إحصائيًّا ممارسةُ “البكورية” الإنجليزية (Primogeniture)، أي توريث التجارة والفرص والوظائف من الأب إلى الابن الأكبر (البكر). وقد وصلت الدراسات الأخرى التي أجريت منذ ذلك الحين، والتي بحثت في توريث الوظائف، إلى نتائج متنوَّعة وسلبية بالأساس (الإشارة هنا إلى دارسات جالتون وآخرين، وإلى دراسة الكاتب عن المبدعين في مجال الأدب).

بالرغم من ذلك، فقد ثبت بصورةٍ غير مباشرة أنَّ هناك عاملا واحدًا ينتقل جينيًا وهو الذكاء. لقد كان هذا العامل، من أبعاد كثيرة متنوعة، هامًا للإنجازات البارزة، الإبداعية وغير الإبداعية، خصوصاً في مجال العلوم.

سمات العباقرة

الفريد نوبل

الفريد نوبل

لكي أقيِّم التوريث والنقل الوظيفي عند الأشخاص المبدعين البارزين، صنعتُ مخططًا بأنماط الوظائف المرصودة لـ 435 من بين 488 فائزًا بجائزة نوبل للعلوم (الفيزياء، والكيمياء، والفسيولوجيا أو الطب) منذ بدء الجائزة عام 1901 وحتى عام 2003. كما صنعتُ مخططًا بخلفيات 216 شخصيةً أدبيةً بارزةً: 50 فائزًا بجائزة نوبل للأدب، و135 حاصلا على جائزة بوليتزر الأدبية، و31 فائزًا بجائزة بوكر الإنجليزية. ووجدتُ ثلاث سمات هامة فيما يخص الخلفية الأسرية.

أولاً: لم يرث أيٌ من الفائزين بجائزة نوبل للعلوم والفائزين بالجوائز الأدبية الوظائف من آبائهم من نفس الجنس (<2%، و<1% على التوالي)، وهو ما يتعارض بصورةٍ كبيرة مع آخر إحصائية سكانية أمريكية مُفصَّلة للوظائف الأبوية، والتي تشير إلى أنَّ 21% من الأبناء يعملون بنفس الوظائف التي عمل بها آباؤهم من نفس الجنس.

كما قستُ أيضًا مجموعة ضابطة مختارة من 548 شخصية دولية بارزة ممن ذكروا في كتاب “موطن التميّز: طفولة أكثر من 700 رجل وامرأة مشهورين” (Cradles of Eminence: Childhoods of More Than 700 Famous Men and Women) لغورتزل وغورتزل، ممن كانوا يعيشون خلال الفترة نفسها التي عاش فيها الفائزون بنوبل وبالجوائز الأدبية. فكانت من بين المجموعة التي تتكوَّن من غير العلماء (وظائف في مجالات غير عملية) نسبة إحصائية عالية جدًا، إذ تبين أن 20% من الأبناء يعملون في نفس وظائف آبائهم من نفس الجنس، بينما كانت من بين المجموعة التي تتكوَّن من غير الأدباء (مجالات العلوم) نسبة أكبر، إذ تبين أن 61% من الأبناء يعملون في نفس وظائف آبائهم من نفس الجنس.

ثانيًا: تواجد في كلٍ من المجموعتين المبدعتين أعداد كبيرة جدًا ممَّن عمل آباؤهم في نفس الوظائف التي كانت إمَّا تكنولوجية أو ما يعادلها من وظيفةٍ أدائية في العلوم (النسبة بين علماء نوبل 53%) أو ما يعادلها من وظيفة أدائية لغوية في الأدب (النسبة بين الفائزين بالجوائز الأدبية 47%)، بينما في التقرير السكاني الأمريكي المُفصَّل الأخير كان 12% فقط يعملون في مثل هذه الوظائف.

ولتقييم هذا التوزيع القائم على الوظائف التطبيقية/الأدائية، قمنا بقياس نوعًا آخر من المجموعات الضابطة، كانت المجموعة تتكوَّن من 560 شخصية ذات معدل ذكاء عالٍ جدًّا لم تفُز بجوائز، درسها تيرمان وآخرون دراسةً منهجيةً في كتاب “دراسات جينية للعبقرية” (Genetic Studies of Genius). كانت من بين هذه المجموعة نسبة منخفضة جدًا (26%) من الآباء من نفس الجنس الذين يعملون في العلوم، و(17%) من الذين يعملون في الوظائف الأدائية أو التطبيقية.

تشمل أمثلة الوظائف الأدائية التطبيقية التي يعمل بها بعض آباء الفائزين بجائزة نوبل للعلوم والد الفيزيائي والرياضي آينشتاين، والذي كان يعمل مهندسًا كهربائيًّا، وكان والد عالم الكيمياء الحيوية لينوس باولنغ صيدليًّا، ووالد عالم الذرة الفيزيائي غلينن سيبورغ خبير ماكينات، وكان آباءُ فائزين آخرين بجائزة نوبل يعملون وظائف مثل اختصاصي أشعة واختصاصي علم المناخ وهكذا. أمَّا بين المجموعة الحاصلة على جوائز أدبية فكانت الوظائف في المجموعة التي يعمل آباؤها من نفس الجنس في نفس الوظائف تشتمل على مهارات فنية أو لغوية أو مهارات الإقناع. فكان والد يوجين أونيل على سبيل المثال مُمثِّلًا، وكان كلٌ من والد جون هيرسي ووالدة بيرل باك مُبشِّرًا مسيحياً، وكان والد ثورتون وايلدر مُحرِّرًا وناشرًا.

روبرت بن وارن

روبرت بن وارن

ثالثًا: بالإضافة إلى وظائف الآباء، فوجئت عند اكتشافي إشارات إلى أنَّه كان لدى الآباء من نفس الجنس للعلماء الفائزين بنوبل (بنسبة 24%) والفائزين بالجوائز الأدبية (بنسبة 36%) أمنيات لم تتحقَّق بالعمل في المجال العلمي أو طموحات لم تتحقَّق بكتابة الروايات والقصائد والمسرحيات. فقد تخلَّى والد الروائي والشاعر روبرت بن وارن على سبيل المثال عن طموح حياته بأن يُصبِح شاعرًا، لكي يُنفِق على أسرته. وقد اعترف لي وارن شخصيًّا بأنَّه كان راضيًا بتحقيق طموح والده وتجاوزه أيضًا.

كما درس والد الفيزيائي ريتشارد فينمان في كلية الطب، وتمنَّى لو كان أصبح عالم أبحاث بدلا من ذلك، ومن الواضح أنَّه قد علَّم ابنه لاحقًا كيفية التفكير بطريقةٍ علمية.

كما تبين أن الأطفال يتأثَّرون بسرعة بميول الآباء وأمنياتهم التي لم تتحقَّق، ويشير هذا الأثر الكبير نسبيًّا في هذه المجموعة الأبوية إلى تفاعل إيجابي للأبناء مع الآباء وسعيهم لتحقيق أمنياتهم وأحلامهم.

ما الذي يعنيه ذلك؟

ويشير العدد الكبير من الآباء من نفس الجنس الذين يعملون في مجالات متصلة لأبنائهم حملة الجوائز إلى جانب جديد من التشابه الأبوي الإيجابي. وإلى جانب هذا التشابه من المحتمل أن تكون المنافسة من أجل التفرُّد قد وقعت بين الأب والإبن من نفس الجنس. فالكاتب أو العالم الناشئ كان يتنافس من أجل إكمال العمل من الناحية الكيفية، فمن المحتمل وجود عناصر الاهتمام بالموضوع من قبل الأبناء، بالإضافة إلى مشاركتهم آباؤهم لعملهم، علاوة على الأمنية الكامنة في حل محل الآباء في مجال عمل متصل والحصول على تميز اجتماعي أكبر من ذلك الذي حصل عليه الآباء، فيكون طموحهم أكبر مما حققه آباؤهم.

وتُمثِّل العوامل المُحفِّزة للإبداع؛ التشابه المرتبط بالمهنة، والتنافس، وتحقيق أمنيات الأب التي لم تتحقَّق؛ حوافز قوية للإنجاز، ومن المحتمل أن تكون مسؤولة بدرجةٍ كبيرة عن الدافع القوي للإنجاز الأدبي والعلمي في أعلى المستويات.

التأثيرات الأسرية

متى يصبح إنجاب الأطفال أمرًا غير أخلاقي؟

 

ولذا، يبدو أنَّ التأثيرات الأسرية تلعب دورًا مهماً في تطوُّر أنواع مختلفة من الأشخاص المبدعين، بمن فيهم العباقرة. إذ تنجح عملية القوة المزدوجة للتشابه مع الأب والتنافس معه في ذات الوقت – خصوصاً مع الأشخاص الذين يتمتَّعون بدرجةٍ ما من المهارة الجينية والموهبة المرتبطة بوظائف الآباء، إضافة إلى الذكاء- في إنتاج دافع قوي لدى الشخص للإنجازات الإبداعية يدوم طوال الحياة. فالمثابرة الشديدة، والدافع الاستثنائي للعمل، والاستكشاف، والرغبة في المخاطرة -وهي كلها سمات يتمتَّع بها الأشخاص المبدعون في مجالات مختلفة – تدفعها على الأرجح تأثيرات نمت مع نمو الطفل وتطوره.

وهكذا، فإنَّ تحقيق الأمنيات الأبوية الخفية أو الظاهرة بأن يُصبِح الأبناء علماء، أو في مكانة بارزة أخرى، كأن يكونوا كُتَّابًا مبدعين، قد يكون حافزًا قويًّا، سواء كان الابن على وعيٍ ظاهر به أم لا. وفي الحقيقة، فعندما تكون هذه الأمنيات خفية فإنها قد تشكل تأثيراً نفسياً أقوى على الإبن من التوجيهات الظاهرة والمباشرة للخيارات والسلوك.

المهارات الخاصة

أيضًا، قد تكون المهارات الخاصة، موروثة كانت أم مكتسبة، نابعة من وظائف الآباء الأدائية أو التطبيقية. هناك ممارسات تربوية أخرى قد تزرع أنماط التفكير الإبداعية (التي وصفتها في موضع آخر في كتاب Flight from Wonder) والإخلاص في التعلُّم. كما اكتشفتُ أنَّ آباء الفائزين بنوبل وجوائز عديدة أخرى، كانوا يُشجِّعون أبناءهم ويوفِّرون لهم الكثير من التعليم والتدريب التمهيدي وكذلك المُتقدِّم، رغم كونهم فقراء إلى حدٍ ما في الكثير من الحالات، أو أمِّيين أو مُشرَّدين. وإجمالًا، يبدو أنَّ الحقيقة الأساسية هي أنَّ العباقرة والمُفكِّرين المبدعين -على عكس ما هو متعارف- يُصنَعون ولا يولَدون.

einstein

المصدر: Psychology Today