المجتمع الحر: لماذا يجب أن ندرس الفنون الحرة والفلسفة؟

لماذا أقوم بتدريس أفلاطون للسباكين؟

هل للفلسفة والعلوم الإنسانية قيمة لعامة البشر؟ أم أنها مواضيع حكر على النخبة؟
سكوت سامويلسون، أستاذ الفلسفة في كلية كيركوود المجتمعية في سيدار رابيدز بولاية آيوا، يجيب على هذه التساؤلات عبر مقال له نشرته مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية.

ذات مرة وأثناء تجاذب أطراف الحديث مع مسافر بجواري على الطائرة سألني عن مهنتي فأجبت بأني أدرس الفلسفة في كلية تعليم المجتمع، فرد قائلًا : “إذا أنت تدرس أفلاطون للسباكين؟”.

في الواقع نعم، لكني أيضا أدرس أفلاطون لمساعدي الممرضات والجنود ومدرسي الموسيقى للروضة وأفراد حراسة المباني واللاجئين السودانيين وفنيي محركات الرياح وأي مجموعة من الطلاب بحاجة للشهادة كتذكرة دخول إلى سوق العمل. وبسبب وظيفتي وجدت نفسي في موقع يدفعني لأفكر في قيمة العلوم الإنسانية لعامة البشر.

هناك أمور كثيرة لنقلق بشأنها كالتبخر المستمر لوظائف التدريس بالدوام الكامل، وانتقاص حقوق الأساتذة المساعدين، وتخفيض التمويل الحكومي للتعليم المجتمعي، وانكماش الدورات التدريبية والتخصصات في فروع العلوم الإنسانية، وازدياد ديون الطلاب، ومعاملتهم كمستهلكين من قبل النظام التعليمي. وأخشى أن سيادة نوع معين من الاقتصاد (ذلك النوع الذي يركز على الناتج  والتقييم والدخل الصافي) لن يعمل على تآكل القيم التي تربط مجتمعنا بالعلوم الإنسانية فحسب بل سيؤدي إلى تآكل الديمقراطية نفسها.

المجتمع الحر: لماذا يجب أن ندرس الفنون الحرة والفلسفة؟

philosophy

المشكلة لا تواجه العلوم الإنسانية وحدها وإنما تتعلق بالفنون الحرة بشكل عام، حتى أنها تتضمن الرياضيات والعلوم والاقتصاد. وهذه تشكل نصف ما يعرف بمواد STEM (Science – Technology – Engineering – Mathematics) وهي مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فإن كان الهدف من التعليم الازدهار الاقتصادي والقوة التقنية، فإن تخصصات العلوم الإنسانية والفنون الحرة ستكون ثانوية بالنسبة للمستقبل الوظيفي والتقدم التقني.

وهنا تبرز التساؤلات: لماذا لا تقدم المؤسسات التعليمية دروسًا في الحسابات التجارية والجبر للممرضات؟ ولم لا يمكن لأي شخص، عدا الهواة والمتخصصين، أخذ دورات في علم الفلك أو التطور الإنساني أو تاريخ الاقتصاد؟

من هذا المنظور نتساءل لماذا يجب دراسة الفنون الحرة وتحديدًا مواد كالفلسفة؟ أو باختصار لماذا يجب أن يتعرف السباكون على أقوال أفلاطون؟

الجواب يتمثل في أننا يجب أن نسعى لتشكيل مجتمع حر، ليس مجتمعًا قائمًا على المدراء الأكفاء والموظفين المنفذين. وبهذا الخصوص قال الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو:

“يبدو أننا نسينا تعبير (التعليم الحر) الذي عنى به الرومان بالأساس التعليم الذي يستحقه الرجال الأحرار، فيما كانوا يعدون تعلم التجارة والحرف بغرض كسب الرزق أمر يستحقه العبيد فقط”.

امتيازًا للطبقة العليا

SchoolOfAthensDetail

تاريخيًا كانت الفنون الحرة امتيازًا تحظى به الطبقة العليا في المجتمع، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية.

أولاً: ينبغي على أبناء الطبقة الراقية أن يقضوا أوقات فراغهم باكتشاف المتطلبات الأعلى لحياة الإنسان، كالعزف لبيتهوفن أو دراسة الحياة النباتية أو قراءة مؤلفات أرسطو أو القيام برحلات استجمام استطلاعية.

ثانيًا: نظرًا لأنه حق طبيعي بالنسبة لهم أن يشغلوا المناصب القيادية في السياسة والسوق، فإنه يتوجب على الطبقة الأرستقراطية تعلم مهارات التفكير. بينما يُقيّم الآخرون من الطبقات الأدنى من خلال براعتهم في تحقيق ما طلب منهم من أعمال.

وأخيرًا (وعادة لا يجري الحديث عن هذا السبب) فإن الفنون الحرة تعد علامة على الامتياز والمكانة الاجتماعية، فمن خلال الفكر يمكن للطبقة الراقية تمييز نفسها بوضوح عن أولئك الذين يضطرون للعمل من أجل الحصول على بعض المتعة والثروة.

نحن لا ندعو لمجتمع تستمتع فيه النخب بالمتعة والثروة، فيما تكدح حشود الشعب نيابة عنهم، فلا ينبغي أن يكون الوضع كذلك ولكن في الوقت الذي يدفع فيه النخبة وصفوة الأثرياء أموالا طائلة في مدارس وجامعات نخبوية، ليتمكن أبناؤهم من الحصول على فرص تعليم ذكي ينمي عقولهم ويكسبهم المهارات الضرورية التي تؤهلهم وتعزز دورهم مستقبلًا في أن يكونوا أعضاء مؤثرين في المجتمع، فإننا في الوقت ذاته نجد أولائك “الصفوة” لا يتوقفون عن التأكيد على أهمية التعليم للطبقات الدنيا ولمن هم أقل تميزًا – في نظرهم – مشددين على أن ذلك من شأنه إعداد مخرجات تعليم قادرة على التعامل بإيجابية مع الاقتصاد العالمي، إلا أن هذه النخبة ذاتها دائمًا ما نراها تدعم أنظمة تعليم مصممة لـ”تدجين الخريجين” وتأهيلهم ليكونوا فقط “مطيعين” و”منفذين”، الأمر الذي يفرض على أبناء الطبقة الوسطى -ناهيك عن الفقراء- خوض معركة شاقة قد تستنزف وقتهم وأموالهم في اكتساب المهارات المناسبة للتحرر مما يقرره لهم مجتمع النخبة.

نظرًا لكوني أستاذًا مع الكثير من الخبرة بإعطاء الدرجات المتدنية لطلابي، فإني أعلم جيدًا أن قيمة الفنون الحرة ستضيع عند بعض الناس، على الأقل في مراحل معينة من حياتهم. فكلما عدت من مؤتمر أشعر بالقلق من النماذج التي أراها، وأخشى أن يكون بعض من أضاعوا قيمة الفلسفة ومعناها قد وجدوا عملا في تدريس الفلسفة! ومن خلال خبرتي في التدريس في مدارس للنخب والمدارس العامة تبين لي أنه هناك بين سباكي المستقبل من هم متحمسون لأفلاطون بقدر ما بين أولئك البارعين ممن يعيشون في وادي السيليكون، وهناك بين مساعدي الممرضات والجنود أصوات مهمة لديمقراطيتنا كما بين الأطباء ورواد الأعمال.

رسالة من تلميذ

شوبنهاور

شوبنهاور

حصلت مؤخرًا على رسالة من تلميذ سابق وهو عامل في مصنع يشكرني فيها على تعريفه بشوبنهاور. كنت متفاجئا لأنني لم أُدرِس شيئا للفيلسوف الألماني المتشائم. لكن الرسالة وضحت أنني اقتبست بعض السطور لشوبنهاور في الدرس. وقد أشعلت تلك العبارات مخيلة الطالب الذي حاول البحث عنها من خلال قراءة عدة كتب لشوبنهاور حتى عثر عليها. وأرفق مع رسالة الشكر الطويلة قصة قصيرة كتبها مؤخرا حول أفكار شوبنهاور.

وفي إحدى المحاضرات التي قدمتها حول الرواقيين (مدرسة فلسفية يونانية قديمة)، الذين بينوا أنه مع التهذيب الروحي المناسب يمكن للمرء أن يكون حرًا وسعيداً حتى تحت التعذيب، نظرت لأرى إحدى الطالبات والدموع في عينيها، حيث تذكرت شقيقتها في السودان والتي ترزح تحت الاعتقال لتحديها السلطات، وأنها قد تكون تحت التعذيب الآن تسعى للوصول إلى ما أشار له الرواقيون.

عمل لدي في أحد الأوقات عامل نظافة قارن تجربته الصوفية بتجربة الغزالي الصوفية من القرون الوسطى. فيما قرأ تلميذ والداه من الأمريكيين الحمر كتابي دون كيشوت لأني استخدمت كلمة “دونكيشوتية”. ولا أنسى الأم التي سمحت لابنها المُقعد بإجراء جراحة خطرة أدت لوفاته حين أتت تسألني والدموع في عينيها: “هل كان الفيلسوف ’كانت‘ على حق في أن عواقب أي فعل لا تلعب دورا في قيمته المعنوية؟”.

تلك النار الفكرية التي في داخلنا ستبقى مشتعلة دوماً، فهل سنستمتع بها أم نحاول إطفاءها؟

المصدر: The Atlantic