النشر في العالم العربي: هل تريد كتباً رخيصة؟

Book Market

بثينة العيسى - الكويت

أثناء التجول في معرض الكويت للكتاب، وقفت أمام كشك صغير لدار نشر قديمة وبديعة في اختياراتها للكتب. توقفت لكي أشد على يد الناشرة، السيدة الأنيقة التي كانت وراء تعريب كل هذه الكتب الآتية من بلدان بعيدة. كل كتاب قرأته منها كان بمثابة سفر في اللذة والمتعة البصرية، ناهيك عن الطرافة، والمفارقات، والفلسفة، والتساؤلات.

كتب الدار لا تتوفر غالبًا في أهم المكتبات المحلية، ونحن ننتظر معرض الكتاب سنة بعد سنة لكي نلتقي بهذه الناشرة التي تتهم دائمًا بغلاء أسعار الكتب التي تصدرها. أمرٌ طبيعي أن ترتفع تكلفة الكتاب، إذا كنت كناشر تدفع ثمن الحقوق، وأتعاب المترجم، وتكلفة الطباعة. أغلب دور النشر العربية تحمّل الكاتب تكلفة الطباعة وتشاركه في الأرباح، بنسبة فاحشة تصل إلى 90%، ومع ذلك هذه الدور لا تتهم بالاستغلال والرأسمالية، الكتاب الذي لم يكلفها شيئًا تبيعه بـ 9 دولارات على الأقل.

بسبب هذه النظرة العامة الضاغطة حول ضرورة أن يُقدم المنتج الثقافي مجانًا أو بسعرٍ رمزي، تعجز أغلب المشاريع الثقافية عن الصمود والاستقلال بذاتها. أغلب المشاريع الثقافية التي تكتسح الساحة العربية حكومية، أو برعاية أحد أفراد الأُسر الحاكمة، مما يعني توفر دعم غير مشروط يسمح بتوفير الفعاليات والإصدارات بسعرٍ رمزي. ولكن ماذا عن القطاع الخاص؟ ولماذا أصبح لزامًا على المنتج الثقافي أن يجد رعاية أو غطاءً حكوميًا لكي يكون؟ ماذا عن ضرورة أن يتمكن المنتج الثقافي من تمويل نفسه بنفسه، لكي يحصل على الاستمرارية التي يريدها؟

المفارقة الأخرى، أن معظم المتذمرين من أسعار الكتب لا يجدون غضاضة من دفع 120 دولار لوجبة عشاء، أو 12 دولار تذكرة للسينما، أو 6000 دولار لحقيبة جلدية من ديور مثلا.

تريد كتبًا رخيصة؟ هذا يعني أنك أمام خيارين، إما أن تقرأ للكتاب العرب فقط، وهم الذين يدفعون من جيبهم تكلفة الطباعة والنشر عن الناشر، أو أن تكون مع تأميم الثقافة. مع المؤسسات الحكومية التي تملك دعمًا ماديًا هائلا لتوفير أنشطتها وإصداراتها مجانًا أو بأسعار رمزية. ثمة ثمن باهظ سوف تدفعه لاحقًا. ستنتج ثقافة بلا مخالب ولا أظافر، ثقافة مدجنة لا تستطيع أن تسائل السلطة وأن تقول لا..

أعتقد بأنه دوري كقارئة هو أن أدعم المشاريع الثقافية المستقلة، واتجاهها نحو الخصخصة، وأن أوجه امتعاضي من الغلاء إلى سوق العقار، والمستشفيات والمدارس الخاصة وكل من “يستغل” حاجتي إلى العيش الكريم.

ما كتب أعلاه لا يخص الناشرين الذين يرفعون أسعار الكتب بشكلٍ خاص في المعارض التي تقام في “الدول النفطية”، والذين ينظرون لنا كشعوب على أننا مجموعة من البلهاء الأغنياء.

* نشرت في الصدى الإماراتية. 

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن

There are 2 comments

  1. Musaed AlShatti (@lightcup)

    دار نشر تبيع كتبها في مصر بجنيه و مكتوب على الغلاف الخلفي (ما يعادله بالدولار الأمريكي في كل بلدان العالم) و هكذا بقدرة قادر و بحركة سحرية ماهرة من الناشر يتنكر الجنيه إلى دينار كويتي. مع هذا اشتريت ليس دعماً للدار و لكن للمحتوى الذي أعجبني.
    سعر الكتاب ليس هو الحجة التي ابعدت القراء عن الكتاب .. هذه مشكلة عالمية. نعم عالمية للأسف. المشتتات أقوى من أي شيء آخر. أتذكر عندما كنت أصغر لما كنت أقرأ مجلة ماجد أشعر بفراغ كبير بعد آخر سطر من موزة الحبوبة. لو نفس الوضع اليوم فسأقوم بإخراج هاتفي الجوالي لأضحك على آخر تغريدة من سين من الناس (ليس سين صاحبنا).

    Like

Comments are closed.