مازلنا هنا: نساء سوريا ثائرات في وجه النظام والتقاليد

زينة ارحيم

زينة ارحيم

من تريد أن تكون امرأة في حلب؟! تجد النساء في ثاني أكبر المدن السورية نفسها مُهددة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الكاره للنساء، ومن الحلفاء الروس لبشار الأسد الذي يشنّ غارات لا هوادة فيها لا تتوقف حتى في الظروف الجوية السيئة.

تقول زينة ارحيم، مخرجة أفلام وثائقية من حلب:

“في السابق، لم تكن قوات الأسد قادرة على إسقاط قنابلها عند سقوط الأمطار أو حين تكون السماء ملبدة بالغيوم، وكنا نسعد كثيرًا بتلك الأيام.. ولكن الآن جاء الروس الذين يمكنهم القصف في هذه الظروف الصعبة، لذلك ليس هناك شيئًا أكثر راحة من الموت الذي يأتي من السماء”.

زينة ارحيم

زينة ارحيم

وسط المذابح والمعاناة التي تعيشها حلب، انتهت ارحيم من فيلم وثائقي يحاول سرد القصة التي كان من الممكن أن تندثر: قصة النساء اللاتي اخترن عدم الرحيل، وقررن البقاء ومساعدة المدينة على الصمود في أحلك أوقاتها.

“ليس فقط الرجال هم من يخوضون الحرب في سوريا، بل النساء أيضًا، لكنهن منسيات”.. هكذا قالت ارحيم، مضيفةً: “تعمل الناشطات من النساء بجد، ضد الكثير من المشاكل، ولكنهن في طيّ النسيان في ظل هوس الغرب بتنظيم الدولة الإسلامية. في سوريا هناك مواجهة بين الأسد وداعش، لكننا ما زلنا هنا في هذا المكان الخراب والآن نحن نواجه عدوين، داعش والأسد”.

كيف يمكن لحُرمة أن تعرف أفضل من الرجال؟

11

 

في الفيلم الوثائقي “نساء سوريا الثائرات” الذي صنعته خلال الأشهر الـ 18 الماضية، تذكر ارحيم أسماء بعض صديقاتها اللاتي أسهمن في توثيق تلك الحرب، وإيصال الإمدادات إلى المدنيين وتقديم الخدمات الطبية بطرق يعتبرها البعض داخل بلادهم الآن أنها سلوك غير مقبول للنساء. تقول ارحيم: “تقاليدنا الأبوية الآن بات لديها بنادق”.

تقول ارحيم التي تعمل منسقة ومدربة في المشاريع التابعة لمعهد صحافة الحرب والسلام في سوريا: “على الرغم من الإهانة التي تحملها الكلمة، لم أعد أنزعج ممن ينادونني (حُرمة)، مما يشير إلى الضعف والتبعية، أو أنّ المرأة مجرد أداة لإسعاد الرجل، أو واحدة من ممتلكاته”.

وتضيف: “كمدربة، لستُ بحاجة لبذل المزيد من الجهد حتى يأخذني المتدربون الذكور على محمل الجد؛ فهم يعتقدون أنّ الحُرمة هي من تدربهم! وكيف يمكن لمجرد حُرمة أن تعرف أفضل من الرجال؟”.

“يقولون إنني، كامرأة، يجب أن أبحث دائمًا عن الرجل، أي رجل، ليكون وليّ أمري والمسؤول عني. يتحدث الرجال المسلحون مع ولي أمري عند نقطة التفتيش ويجيب نيابة عني، لأنني كامرأة من المتوقع أن أكون ضعيفة جدًا لدرجة أنه لا يمكنني الحديث مع شخص غريب. هذه هي القاعدة العامة، ولكنني استثناء مع مئات من النساء الثائرات اللاتي يقاومن كل هذا”.

خمس نساء

Syria_women

قابلت ارحيم خمس نساء: غالية، وعد، منار، زين وعهد. انسحبت منار من المشروع لأنها تخشى على سلامة عائلتها. بينما أقنعت وعد والدها بالسماح لها بالرحيل عن عائلتها في بلدة تسيطر عليها الحكومة للانتقال إلى حلب والعمل كمسعفة في الخطوط الأمامية. وقالت:

“لقد ذهب الرجال إلى الخطوط الأمامية، وأنا أعمل هناك أيضًا.

يحمل الرجال السلاح، وأنا أحمله أيضًا.

يعمل الرجال في المستشفيات الميدانية، وأنا أفعل ذلك أيضًا”.

تشعر وعد بالغصب لأنه لا يمكنها ارتداء الملابس التي تحلو لها أو التحدث مع من تحب. وعندما استطاعت فعل ذلك ذهبت مع زوجها عبر الحدود إلى تركيا، حيث يمكنها ارتداء فستان وخلع حجابها.

واجهت الناشطة المجتمعية غالية هجوم متكرر ومحاولات اغتيال. عند باب منزلها ينتظرها ابنها المراهق كل يوم حتى عودتها بسلام. لقد تعلم الطهي وإعداد الطعام والتنظيف، والواجبات التي كانت تقوم بها غالية قبل الحرب.

التدريب المهني للنساء

ff

قالت غالية: “أفتقد حياتي القديمة، أفتقد الطهي وتنظيف بيتي لعائلتي”. وبدلًا من ذلك كله، أسست غالية سلسلة من المراكز التي توفر التدريب المهني للنساء، وتقدم أماكن آمنة للنساء لتقديم وتعليم الإسعافات الأولية والمهارات الهامة الأخرى في حياتهن التي مزقتها الحرب. لكنّ تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف قصف أحد تلك المراكز.

قالت ارحيم: “في غضون عشر سنوات، أريد أن تبحث امرأة شابة على شبكة الانترنت لمعرفة ما حدث في سوريا والعثور على أدلة للأدوار التي قامت بها النساء. هذا هو السبب في صناعة هذا الفيلم ومخاطرة جميع النساء بحياتهن للظهور فيه”.

تعيش ارحيم في حلب مع زوجها وتقول إنّها عازمة على العودة عند انتهاء جولة فيلمها في الولايات المتحدة. كان من المفترض أن تسافر اثنتين من النساء اللاتي ظهرن في الفيلم معها لكن بريطانيا لم تمنحنهما تأشيرات السفر لكنهما انضما لها في واشنطن.

وتقول ارحيم بحزن شديد: “نحن سوريات يُنظر لنا على أننا إرهابيات. هذا بلدكم الجميل، أمريكا، شكرًا لك، لكننا لا نريد البقاء هنا. إنّ بيتي هو المكان حيث يوجد أصدقائي، وليس لدي أي نية لمغادرته”.

نضال السوريات

قتل العديد من النشطاء منذ بداية الثورة يعني أنها لن تسمح أن يذهب موتهم هباءً.

“لقد خرجت مع الشعب في المظاهرات، وهم يهتفون (لن نخذل بلادنا، وسوف نفديها بأرواحنا)، فهل يضحون هم بأنفسهم ونحن نرحل بهذه البساطة؟ لا أستطيع أن أفعل ذلك”.

اثنتان من أصدقائها تعملان الآن كمسعفات في المستشفيات الميدانية التي فرّ منها الأطباء والممرضون. تتحدث زين وعهد عن بكائهما عند الاعتناء بالمصابين. لقد عانت كل منهما من ضرب مبرح من قِبل جنود الأسد، وتنظيم الدولة الإسلامية وعلى أيدي الرجال من الفصائل الأخرى.

مقبرة الأحياء

syriaii_922102_large

قضت زين 14 شهرًا في سجن الحكومة لمشاركتها في المظاهرات. وقالت: “مركز الاعتقال هو مقبرة للأحياء”. لقد اغتصب الجنود أحد المساجين الذكور أمام عينيها. وعندما أُطلق سراحها وجدت بيتها مُدَمّر وعائلتها قد رحلت.

“أردتُ فقط الالتحاق بجيش سوري حر. لكنني وجدتُ الجيش السوري الحر، وجبهة النصرة وداعش. قلنا إنّ سوريا للجميع. ودخلها الجميع بالفعل”.

تخلت زين عن أملها في الزواج، أو أن يكون لها أسرة. وتقول ارحيم أيضًا إنّ زوجها توقف عن “إزعاجها” لإنجاب طفل بعد أعقاب غارة جوية على مدرسة رياض أطفال قرب شقتهما. تمّ استهداف العديد من المدارس ومن ثم بات الآباء يخافون من إرسال أطفالهم إلى المدراس.

وفي النهاية قالت ارحيم: “التقيتُ امرأة أخرى تجلس خارج المدرسة طوال اليوم بينما أطفالها الخمسة في الداخل. قلتُ لها، لا يمكنكِ حمايتهم عن طريق الجلوس هناك، فقالت “لا، ولكن إذا تمّ قصف المدرسة سأموت معهم”.

المصدر: The Guardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.