الانتخابات الأمريكية: لعبة المال والتوجهات السياسية

Republican presidential candidate and former Massachusetts Gov. Mitt Romney delivers his concession speech at his election night rally in Boston, Wednesday, Nov. 7, 2012. (AP Photo/Charles Dharapak)

مع اشتعال المنافسة في السباق الانتخابي لرئاسة الولايات المتحدة يعود الجدل في الساحة الأمريكية حول تأثير المال على السياسة ودعم رجال الأعمال للسياسيين الآخذ في التزايد مما يراه البعض تهديداً لمستقبل الديموقراطية في الولايات المتحدة. وينقسم الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة -الجمهوري والديموقراطي- حول هذا المسألة إذ يغلب على الديموقراطيين معارضتهم لقوانين تمويل الحملات الانتخابية الحالية، بينما يبدو الجمهوريون سعداء بهذه القوانين التي تتيح لهم جمع المزيد من الأموال في حملاتهم، ولكن مع هذه المواقف يبرز تساؤل في الساحة السياسية الأمريكية عما إذا كان الأغنياء في الولايات المتحدة فعلاً أكثر محافظة وميلا باتجاه الجمهوريين من غيرهم، وعما إذا كان المال يدفع أصحابه نحو الاتجاهات الأكثر محافظة اقتصادياً.

الجواب هو نعم، ولكن الجدل لا يزال محتدما بهذا الخصوص. ففي دراسة حديثة سلط إيريك بيترسون بعض الضوء على هذا الجدل مستخدما حدثا عشوائيا يمكنه أن يغير الميول السياسية للأفراد كربح “اليانصيب”.

هل الأغنياء أقل إيمانًا بالمساواة؟

اختبر بيترسون في هذه الدراسة كيف أثر الفوز في اليانصيب على 1900 ناخب مسجل، وقد سار في عمله على نهج دراسة سابقة لباحثين آخرين وجدا أن الفائزين في اليانصيب يميلون للتحول باتجاه دعم الحزب السياسي اليميني، ويصبحون أقل إيمانا بالمساواة. وكلما ازداد مبلغ اليانصيب ازداد الميل نحو اليمين السياسي، حيث يبدي الفائزون تأييدهم للتوزيع الحالي للثروة. وقد سبق أن أشارت دراسة سابقة لدانييل دوهرتي وزملائه إلى أن الفائزين في اليانصيب كانوا أكثر معارضة لفرض الضرائب على العقارات وإعادة توزيع الثروة.

وخلافا لعمل زملائه تجنب بيترسون الدراسات الاستقصائية (الاستبيانات)، واستخدم بدلا من ذلك بيانات من ملفات الناخبين الفائزين في اليانصيب، ليجد أن الفائزين يميلون لأن يصبحوا جمهوريين. كان التأثير متواضعا بالنسبة للمسجلين في القيود الانتخابية قبل الفوز، ولكنه كان كبيرا لمن لم يكونوا مسجلين من قبل. فقد اكتشف أن كسب المزيد من المال يزيد الهوية الجمهورية.

وكما تشيرالبيانات أدناه (من دراسات الانتخابات الوطنية الأمريكية)، فإن الأغنياء أكثر محافظة من الأمريكي العادي ويتجهون على الأرجح للتصويت للجمهوريين. وفي دراسة حديثة وجد نولان مكارثي وزملاؤه أنه في الفترة بين عامي 1956 و1996 أصبح تأييد الأحزاب في الولايات المتحدة أكثر تأثرا بدخل الأفراد والطبقة التي ينتمون لها. وقد شملت البيانات كل من المحافظين والليبراليين على حد سواء.

lotto-1

التصويت للجمهوريين مقارنة بالنسبة المئوية للدخل

ويميل الأغنياء أكثر إلى تأييد تخفيض الإنفاق العام للدولة وخفض الإنفاق على الخدمات العامة بدلاً من زيادتهما.

lotto-2

نسبة المؤيدين لتخفيض الخدمات والإنفاق بحسب بالنسبة المئوية للدخل

لذلك فإذا كان الأغنياء أكثر ميلا باتجاه المحافظين، لماذا ينفي بعض الصحافيين المؤثرين أمثال ديفيد بروكس من نيويورك تايمز ذلك؟

قد يكون ذلك في إطار التضليل، فالجمهوريون يسعون إلى تغيير سمعتهم كحزب للأغنياء وقد يستخدمون بيانات غير دقيقة لإثبات العكس، كبعض استطلاعات الرأي التي تشير أن أغلب الذين يجنون أكثر من 200,000$ في السنة قد صوتوا لأوباما في 2008.  وحتى لو لم يكن لدى الصحافيين أي دوافع سياسية فهناك عوامل مؤثرة أخرى.

الفرق بين الحزبين عبر الطبقات الاجتماعية

يميل الأغنياء لأن يكونوا أكثر انفتاحا على الصعيد الاجتماعي من الفقراء والطبقة المتوسطة. في إحدى الدراسات استخدم بنيامين بيج وزميله بيانات التأمينات الاجتماعية لإجراء استبيان ولاستطلاع وجهات نظر الأربعة بالمائة الأكثر غنى في البلاد. وخلصت نتيجة الدراسة أن هذه الشريحة تميل لأن تكون ليبرالية اجتماعياً لكنها من الناحية الاقتصادية أكثر محافظة من المواطن الأمريكي العادي. ويظهر أن لدى الأغنياء وجهات نظر سياسية أكثر اعتدالا وتوسطا بسبب آرائهم في القضايا الاجتماعية. فيما وجد ستيفن أنسولابهري وزملاؤه أن أولويات السياسة الاقتصادية أكثر أهمية من أولويات السياسية الأخلاقية عند تحديد اتجاهات التصويت والهوية الحزبية. فعندما يشير ديفيد بروكس أو غيره من الصحافيين إلى أن الليبرالية الاجتماعية للأغنياء هي دليل على أنهم ديموقراطيبن، فإنهم بذلك يتجاهلون القضايا الاقتصادية التي توجه الأصوات.

وتنتشر فكرة خاطئة في الولايات المتحدة مفادها أن الطبقة العاملة هي طبقة محافظة اجتماعيا وهذا يقودها للتصويت للجمهوريين، لكن الأمور ليست بهذه البساطة، فهناك عامل آخر مهم ينبغي أخذه بالحسبان وهو علاقة الجغرافيا والعرق بالانتماء الحزبي. ويشير لاري بارتلز إلى أن ناخبي الطبقة العاملة من البيض يرون أنفسهم أقرب للحزب الديمقراطي في القضايا الاجتماعية مثل حق المرأة في الإجهاض وحقوق اختيار اسلوب الحياة بالنسبة للمثليين، الا أنهم أقرب للحزب الجمهوري في القضايا الاقتصادية. ويبين آندرو غيلمان في كتابه “الدولة الغنية، الدولة الفقيرة” أن الأشخاص ذوي الدخل الأعلى يميلون للتصويت للجمهوريين خصوصاً منذ عام 1970، وقد وجد أيضا أن الناخبين في الولايات الأغنى يدعمون الديموقراطيين ولكن الناخبين الأغنياء في أي ولاية أخرى يميلون لدعم الجمهوريين.

في الولايات الحمراء الفقيرة (ذات الأغلبية الجمهورية)، يجري استقطاب وجهات النظر الحزبية بشكل كبير عبر الدخل، كما ويلعب العرق دورا ملحوظا. أما في الولايات الزرقاء الغنية (ذات الغالبية الديموقراطية) فهناك استقطاب أقل ولا يؤثر الدخل كثيرا.

وهناك جزء آخر لهذه القضية، فحتى الأغنياء الذين يتعاطفون مع الحزب الديموقراطي يختلفون عن الناخب الديموقراطي العادي.  ففي دراسة رائدة لبنيامين بيج وفريقه ولاري بارتلز، جرت مقابلة 83 شخصا من ذوي الثروات الكبيرة. و فحص موقع ديموز هذه النتائج بعمق أكبر ولكن النتيجة الرئيسية التي نادرا ما تناقش هي أن:

ضعفي أصحاب الثروات الكبيرة يعتبرون أنفسهم جمهوريين (58%) فيما يعتبر (27%) أنفسهم ديموقراطيين… وفي القضايا الاقتصادية فإن المشاركين من الديموقراطيين الأغنياء يميلون لأن يكونوا أكثر محافظة من ديموقراطيي عامة الشعب.

ولا يزال الديموقراطيون الأغنياء يميلون لتبني وجهات نظر محافظة اقتصاديا وفقاً لاستبيانات دراسات الانتخابات الأمريكية لعام 2012، ولدى فحص اختلاف الآراء حول الإنفاق بين الناخبين الديموقراطيين من طبقات اجتماعية مختلفة، وجد أن هناك اختلافات بسيطة جدا حول قضايا كالبيئة والمدارس لكن التباين الشاسع يظهر فيما يتعلق بقضايا الضمان الاجتماعي والإنفاق على الفقراء. بالإضافة للاختلافات في الأولويات حول حجم الحكومة، إذ يرى الجمهوريون أن تكون الحكومة صغيرة الحجم ولا تتدخل في حياة الأشخاص الذين يتحملون تبعات قراراتهم أو ظروفهم، فيما يؤمن الديموقراطيين بحكومة ذات دور أكبر توفر الضمان الاجتماعي والرفاه للمواطنين من خلال برامج حكومية.

lotto-3

صافي الدعم لزيادة الإنفاق، قياسا على الدخل (ناخبي أوباما)، ويلاحظ أنه كلما ارتفع الدخل انخفض التأييد للإنفاق

ماذا يفعل الفقراء؟

وبالنظر إلى مدى انحياز النظام السياسي الحالي للأغنياء، فإن هذه النتيجة تبدو مقلقة للفقراء، إذ أن حتى  الديمقراطيون الأغنياء لا يدعمون الليبرالية الاقتصادية بقوة، وهي النظريات التي تساهم في تدعيم الطبقة العاملة والمتوسطة. وتكمن أحد الحلول في مواجهة هذا التأثير المتزايد للأغنياء من خلال تعزيز النقابات والتي تدافع باستمرار عن السياسات التي تصب في مصلحة الطبقة الوسطى والطبقة العاملة. كما أن هناك حل آخر مرتبط بقوانين التمويل العام للانتخابات والذي يمكن أن يجعل أصوات الأمريكيين العاديين مسموعة بشكل أكبر، إذ قوانين التمويل الحالية تتيح للشركات والأغنياء التبرع بطرق مختلفة لدعم مرشحين معينين مادياً مما يزيد من حظوظهم على حساب المرشحين الآخرين. المشكلة في السياسة الأمريكية، أنه حتى يكف الأغنياء عن الهيمنة على النظام السياسي عبر استخدامهم للمال والنفوذ، فستبقى هذه الطبقة هي الأكثر تأثيراً وذات الصوت المسموع داخل الكونغرس.

Congress Capitol Future of Democracy

 

إقرأ أيضاً | خيبات أمل متزايدة: هل آن أوان تطوير النظام الديموقراطي؟

المصدر: Salon

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.