صور: مع هدم “سور محمد محمود” جولة عبر فن الغرافيتي في مصر

استخدمه أولًا مشجعو الأندية الرياضية قبل أن تنفجر شرارته بـ”الشعب يريد إسقاط النظام”

شخبطة على الحيطان مكَّنت الثوار من توثيق يوميات الثورة وتقديم إعلام بديل

محمد خاطر - القاهرة
تصوير: هشام عبدالحميد وريم الهواري وآخرون

في كل بقعة على وجه الأرض، يُبدع الفن للفن لا لشيء غيره، أي كان شكله أو الرسالة التي يحملها، فالفن في النهاية يتمحور حول إشباع المتلقي بأحاسيس لا تهدف في الغالب سوى لسد شهوة واحتياج النفس البشرية إلى البقاء أو الحب أو التسلية، لكن ذلك لا يمكن تطبيقه على فن الغرافيتي الذي عرفه المصريون خلال السنوات الأخيرة، والذي لم تكن انطلاقته بهدف إمتاع المتلقي أو سد احتياجاته وغرائزه، لكنه وُجد للنضال وليس لشيء آخر.

فكيف ظهر هذا الفن في مصر، وعلى يد من؟ وما هي طبيعة دوره خلال السنوات الخمس الأخيرة مع اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير وحتى وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى مقعد الرئاسة بقصر الاتحادية بمصر الجديدة؟ نبحث عن تلك الإجابات مع فريق النقاش، وهم مجموعة من رسامي الغرافيتي المصريين).

9

كيف ومن؟

يعتقد كثيرون أن بداية فن الغرافيتي مرتبطة بثورة 25 يناير، والحقيقة أن البداية جاءت عام 2007 عن طريق مشجعي فريق النادي الأهلي  المعروفين بـ “ألتراس أهلاوي”، بالإضافة إلى ألتراس نادي الزمالك “White Knights”، الذين استخدموا الجرافيتي للتعبير عن انتمائهم لفريقهم المحبب والتقليل من شأن الفريق المنافس وجماهيره، برسومات بسيطة للغاية تتلخص في شعارهم وجمل تشجيعية لناديهم على جدران المدارس والمؤسسات الحكومية وأسوار أنديتهم، بعيدا تماما عن أية شعارات أو رسائل سياسية.

ثم ظهرت آية طارق من أوائل رسامي الغرافيتي المعروفين في مصر، والتي شاركت في فيلم “ميكرفون” مع الفنان خالد ابو النجا، بشخصيتها الحقيقية كخريجة فنون جميلة وموهوبة برسم الغرافيتي، إلى جانب انها حفيدة أحد أهم رسامي أفيشات الأفلام المصرية قديما.

حتى ذلك الوقت لم يكن الغرافيتي موجهًا لخدمة شعارات ورسائل سياسية، إنما بدأ يذهب في ذلك الإتجاه بعد ظهور حركات سياسية معارضة مثل حركتي 6 أبريل وكفاية، لتتفجر بذلك ينابيع الإبداع من خلال أنامل فناني الغرافيتي مع انطلاق شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير متضمنة شعارات حاسمة مثل “الشعب يريد إسقاط النظام” و”إرحل”، وظهر معها ما عُرف برابطة فناني الثورة التي ضمت العديد من مواهب كليات الفنون الجميلة، الذين قاموا بدور محوري في تأجيج المشاعر وتوصيل أهداف الثورة من خلال رسومات غرافيتي بكلمات بسيطة على سور الجامعة الأمريكية من ناحية شارع محمد محمود، وهو أول مكان احتضن جدرايات كاملة لرسامي الغرافيتي بشكل جماعي، وفي الوقت نفسه احتوى جدار شارع محمد محمود على رسومات منفردة، ما لبثت أن انتشرت على كثير من جدران القاهرة خلال فترة الـ 18 يوما منذ قيام الثورة وحتى تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وخلال تلك فترة حدثت الطفرة الكبيرة لفن الغرافيتي، واستقطب اهتمام كثيرين داخل مصر وخارجها.

تقاليد الشارع

12

الغرافيتي في مصر ليس مجرد رسومات مبهرة تخرج من رسامين مهرة فحسب، فهو يبدأ من مجرد جملة يريد أي فرد كتابتها على حائط مثل “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” التي أغرقت جدران مصر أثناء الثورة للتعبير عن مطلبها الأساسي، وحتى الشخبطة التي ملأت شارع محمد محمود آنذاك وكانت بمثابة التليفزيون أو الجريدة الرسمية الناطقة باسم الثوار في مقابل سيطرة نظام مبارك على الإعلام وقيامه بنقل صورة مشوهة عما يحدث في ميدان التحرير وميادين مصر الأخرى، فكان الثوار يتناقلون وجهات نظرهم عن طريق رسومات الغرافيتي لتوثيق ما يحدث وإطلاع باقي المتظاهرين عليه، حتى تطور الأمر وظهرت جداريات عملاقة تنقل لسان حال الثوار في الأزمات والأحداث المتلاحقة.

13

وخلال تلك الفترة خضع الغرافيتي لما يعرف باسم تقاليد أو قانون الشارع، والذي يعني أن كل ما يحتويه الشارع هو ملك للجميع دون استثناء وبلا أي خطوط حمراء، فيحق لك الحديث عن كل شيء أو الاعتراض عليه، وحين  ينفذ فنان ما رسماً قد يستغرقه ساعات وربما أيام من العمل الجاد، كان من الطبيعي أن يأتي في اليوم التالي ليجد رسمه وقد شوهه الآخرون أو أضافوا عليه أو حتى مسحوه من الأساس، وتقضي تقاليد الشارع ألا يحزن الفنان من ذلك، بل يكون أكثر فرحاً لأن محوها يعني أن رسالته قد وصلت بالفعل، أما إذا وجدها مشوهة برسومات أخرى عليها، أو بتعليقات سواء مؤيدة لمضمون الرسمة أو معارضة لها فهذا يؤكد للفنان أيضاً  أن رسمته قد أحدثت التفاعل المطلوب مع المارة وأنهم لم يمروا على رسمه مرور الكرام.

طبيعة ما قام به ورسائله؟

6

وهكذا أصبح الغرافيتي بمثابة الموثق الرئيسي لكل ما مر على مصر من أحداث ثورة 25 يناير، ورغم أن جميع الأنظمة التي تولت الحكم في مصر كانت تحارب تلك الرسومات وتقوم بمحوها إلا أنها نجحت في توثيق الأحداث لاسيما من خلال نقلها عبر كاميرات الإعلام، فمثلا خلال حكم المجلس العسكري انتشرت بشدة صورة “اللي كلف ما متش” وكانت عبارة عن وجه واحد لشخصين النصف الأيمن مبارك والثاني المشير محمد حسين طنطاوي” ما يعني أنهما وجهان لعملة واحدة، وقد توالى ذلك بعد تولي الرئيس محمد مرسي بالإشارة إلى تكليفه من قبل مرشد الإخوان (شاهد الصور أدناه).

6922821144_66324a0990_b

اللي كلف ما ماتش – النسخة الأولى


_

اللي كلف ما ماتش – أثناء حكم الإخوان

أما الرسمة الأشهر منذ مجيء السيسي وخروجه بتصريحه الشهير حينما قال للمصريين “إنتو مش عارفين إنكو نور عينينا ولا ايه” حتى فوجىء ميدان التحرير بجدارية كبيرة في مقدمه شارع محمد محمود من ناحية ميدان التحرير يسيطر عليها شكل الزي الرسمي للجيش المموه ولكن باللون الوردي الحالم تعبيرا عن كم المشاعر الرومانسية التي حملتها تصاريحات السيسي وعلى تلك الجدراية كتبت جملة “اسحل وعري.. اسجن وطري.. مجهزينهولك مغري”!

egypt graffiti sisi

شهداء الغرافيتي

11796448_898648293541062_6819334939430419829_n

وكان فنان الغرافيتي عمار أبو بكر من وقت إلى آخر يرسم على نفس الرسمة وجوه عدد من الشهداء من بينهم الطفل سيد خالد وهو أحد أطفال الشوارع توفي شقيقه الأصغر في موقعة الجمل الشهيرة، فظل في الميدان حتى لقى مصرعه هو الآخر في أحداث العنف التي شهدها شارع محمد محمود.

من الرسومات التي قدمها عمار أيضًا على نفس الجدارية كانت رسمة هشام رزق وهو رسام جرافيتي قُتل في ظروف غامضة بعدما اختفى قبلها بأسبوع وحتى الآن لم يُعرف سبب وفاته منذ أن وجدت جثته بمشرحة زينهم.

عمار قدم أيضًا أكثر من رسمة سياسية عبر من خلالها عن وجهة نظره في الأحداث والأنظمة الحاكمة، قبل أن يُقتل هو الآخر في ظروف غامضة بعدما اختفى لمدة اسبوع، وعُثر على جثته بعده في مشرحة زينهم دون توضيح أسباب وفاته أو معرفة المكان الذي تواجد فيه طيلة الأسبوع الذي سبق مقتله.

كذلك، هناك باسم محسن الذي رسمه عمار على نفس جدارية شارع محمد محمود، وهو شاب من السويس واظب على المشاركة في كل التظاهرات السياسية التي تحدث بالقاهرة، حتى لقي مصرعه في اشتباكات بين قوات الجيش وجماعة الاخوان بمدينة السويس، وكان قبلها قد فَقَدَ عينه اليسرى في أحداث محمد محمود، ومازالت ذكراه مخلدة على جدران محمد محمود والسويس باقية حتى الآن.

محمد محمود.. شاشة العرض الأولى

8

ويعتبر شارع محمد محمود بمثابة شاشة العرض الأولى لهذا الفن، فقد شهد جميع فترات طفرة الغرافيتي خلال السنوات الخمس الأخيرة، لدرجة أن كثيرين من محبي الغرافيتي وليس من مبدعيه ثاروا وعبروا عن غضبهم الشديد بعد قرار الجامعة الأمريكية بالقاهرة بهدم سورها المطل على الشارع، والذي يتضمن العديد من الجداريات والرسومات، والغريب أن رسامي هذا الفن أنفسهم لم يهتموا بهدم السور، مبررين ذلك بأن الغرافيتي موجود في كل محافظات مصر وليس في شارع محمد محمود فقط، وبأنه “لا يوجد أكثر من الحيطان في مصر”.

ويكاد يكون من المستحيل معرفة صاحب رسم غرافيتي وتمييزه عن رسومات فنان آخر، وذلك لأن رسامي هذا الفن يعملون بمبدأ أن رسالة الرسمة هي الأهم، لذا لم يهتم غالبيتهم بالتوقيع أسفل رسوماتهم، وحتى حينما ينشرونها على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لا يقومون بتوضيح ما اذا كانت من أعمالهم ام أعمال اصدقاء لهم.

هدم الحائط

11135798137d0dd89672d78abf71641850d107f471

حاليًا، ومع تراجع الزخم الثوري في الشارع المصري، ومع آلة القمع الأمنية التي تجوب الشوارع ليل نهار، لا يعيش الغرافيتي أفضل حالاته ولا يتشابه من قريب أو بعيد بالفترات التي شهدت طفرته، ويبرر رسامو الغرافيتي ذلك بأن المصريون أنفسهم أصبحوا لا يساندونهم، كما كان في السابق إبان الثورة، وأصبح على الفنان قبل البدء في رسمة جديدة أن يتساءل عن كم العقبات والمصاعب التي سيتعرض لها إذا ما قام بتنفيذ رسم لا يرضي النظام الحاكم، وهل سيمر الأمر بسلام أم سيجد نفسه في أحد مقرات الأمن الوطني متهًا بالانضمام إلى جماعة إرهابية والعمل على قلب نظام الحكم، إضافة إلى أنه لم يعد متاحًا الدخول في مشاريع مشتركة كما كان في السابق، ويقتصر الأمر على محاولات فردية على استحياء وخوف شديدين.

ويمكن لأي زائر للقاهرة اليوم أن يلمح ما تبقى من شارع محمد محمود المتفرع من ميدان التحرير، والذي ظل طوال السنوات السابقة معرضاً مفتوحاً ومتحفاً يوثق الحراك الثوري المصري عبر الرسومات، كما تنتشر في بعض شوارع وسط البلد والزمالك -وإن كان على استحياء- بعض الرسومات الصغيرة التي تكشف عن عالم فن الغرافيتي في مصر وأفكار الثوار وتطلعاتهم، فيما مسحت غالبية الجداريات الكبيرة الأخرى غالباً لما تضمنته من رسائل سياسية.

للمهتمين يمكن الإطلاع عن كافة حكايات وتفاصيل رسم الغرافيتتي في مصر منذ نشأته وحتى نهاية عام 2013 عبر كتاب “جدران الحرية” الممنوع من نشر في مصر. كما يمكنك التعرف على تفاصيل أكثر عن رسومات الغرافيتتي المنتشرة بشوارع القاهرة وباقي محافظات مصر عبر صفحة Graffiti In Egypt على فيس بوك.

المزيد من الصور:

11

14

غرافيتي معارض أثناء حكم محمد مرسي


3

اهتم فنانوا الغرافيتي بتخليد تضحيات زملائهم الثوار الشهداء عبر الرسومات


4

إوعوا تنسوا أنا مت ليه


جانب من سور الجامعة الأمريكية عند شارع محمد محمود الذي شهد معارك ضارية أثناء الثورة بين الثوار وأجهزة الأمن

جانب من سور الجامعة الأمريكية عند شارع محمد محمود الذي شهد معارك ضارية أثناء الثورة بين الثوار وأجهزة الأمن

5

2

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن