الجمهور عايز كده: لماذا حظيت هجمات باريس بتغطية إعلامية أكثر من نظيرتها في بيروت وكينيا؟

paris-attacks1

أثارت الهجمات الإرهابية المروّعة في باريس الأسبوع الماضي والتغطية الإعلامية الشاملة لتلك الهجمات تساؤلات عديدة حول مدى تناسب التغطية الإخبارية عندما يتعلق الأمر بكتابة تقارير صحفية عن الأحداث القاتلة.

حُجة ذلك هي أنّ هجمات باريس قد حظيت بتغطية إعلامية أكبر من أحداث مماثلة في أماكن أخرى حول العالم – مثل تفجيرات الضاحية الجنوبية في بيروت التي سبقت تفجيرات باريس، والتي أسفرت عن مقتل 44 شخصًا، أو حادثة إطلاق النار على 147 شخصًا في جامعة بكينيا في أبريل الماضي.

تفجير ات بيروت

تفجير ات بيروت

ومع وضع أعداد كبيرة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للعلم الفرنسي كصورة لحساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، يتساءل البعض لماذا لم يضعوا الأعلام السورية للتضامن مع ضحايا الهجمات الإرهابية في سوريا؟

بصفتي مراقب منذ فترة طويلة لكيفية تغطية وسائل الإعلام لمثل تلك الأحداث، أرى أنّ هذه التغطية غير المتكافئة ليست مفاجئة على وجه الخصوص، حتى لو أنّها لا تزال تشكل خيبة أمل لشخص يعتقد أنّ كل الناس سواسية ويجب أن يُعاملوا على هذا النحو.

والسؤال الآن هو: ما الذي يجب، أو ما يمكن القيام به حيال ذلك؟

ببساطة، يجب على الصحافيين تقديم تقارير متساوية ودقيقة عن عدد الوفيات، بغض النظر عن مكان وقوعها، وقد يكون الأمر جيدًا إذا تمّ ذلك من منظور معياري. ولكن هل هو واقعي؟

ظهور التحليلات والمقاييس

161374609000201

ينشر الصحافيون الأخبار التي يعتقدون أنّ جمهورهم سيقرأها، ويشاهدها أو يستمع إليها، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل ضغط زر الإعجاب أو المشاركة أو التوصية.

في الماضي، كانت هذه الأحكام تستند عمومًا على الحدس حول ما يمكن أن يثير اهتمام القرّاء. أما اليوم، فغرف الأخبار في جميع أنحاء العالم يمكنها الوصول إلى كل التفاصيل الدقيقة حول حقيقة الأخبار من خلال أدوات تحليل مفصلة. وهذا ما نطلق عليه “مقاييس الويب” (Web Metrics) والتي لها تأثير على التغطية الإخبارية.

أجريتُ مؤخرًا مقابلات مع مجموعة من الصحافيين عبر مجموعة متنوعة من غرف الأخبار الأسترالية حول استخدام المقاييس ومدى تأثيرها على التغطية الإخبارية.

يميل الصحفيون إلى توخي الحذر حول ردود الأفعال التي يتلقونها، ويشيرون إلى أن ردود الأفعال هي جزء من الأدوات الصحفية التي يمكن استخدامها لصناعة قصص أكثر أهمية. ولكن كثيرًا منهم يدرك أيضًا التأثير المثير للقلق لردود الأفعال من الجمهور.

قال لي أحد رؤساء التحرير إنّ هناك قصة عن جرائم قتل وانتحار كانت منتشرة بشكل جيد للغاية على شبكة الإنترنت، حتى تبيّن أنّ الأشخاص المتورطين هم من السكان المحليين. بعدها قال المحرر إنّ عدد قرّاء القصة انخفض بشكل كبير.

في هذه الحالة، لم تحذف غرفة الأخبار القصة. ولكن، على نطاق أوسع، يلعب عدد قراء المقالات دورًا متزايدًا في العديد من غرف الأخبار في تحديد ما هي القصص البارزة، إذ عادة ما تحاول وسائل الاعلام مقاربة مزاج الجمهور وتقديم أخبار تعجبهم عوضا عن نقل الأخبار كما هي.

البلدان التي “ليست مثلنا”

paris

الإشارة التي تبعث على القلق هي أن مقاييس الجمهور تقدم الآن أدلة تجريبية للقرارات التي يتخذها الصحفيون اعتمادًا على شعورهم. في الأيام التي سبقت تعليقات الجمهور المفصلة، كان من السهل إلقاء اللوم على الصحفيين لإدخالهم لأفكارهم واهتماماتهم الخاصة على تغطية أحداث قتل خارجية.

الآن، يتسلح الصحفيون بالأدلة التجريبية، ويزعمون في الواقع أن لا أحد يهتم بالوفيات الناجمة في البلدان التي “ليست مثلنا”، وأنهم يستجيبون فقط للطبيعة البشرية. كما قال الكاتب الأمريكي سوزان مولر ذات مرة:

“نحن نميل إلى الاهتمام أكثر بالمقربين منّا والأكثر شبهًا بنا. نحن نهتم بمن نعرف فقط”.

لقد طبقت غرف الأخبار مبادئ أوليّة منذ عقود عندما تعلق الأمر بكتابة تقارير عن أحداث القتل الخارجية. الصحفي الأسترالي ستيفن رومي، على سبيل المثال، انتقد ذات مرة إحدى العبارات الصحفية التي تقول:

“…  الأسترالي يساوي خمسة من الأميركيين، و20 إيطاليًا، و50 يابانيًا، و100 روسي، و500 من الهنود و1000 من الأفارقة”.  

في حالة هجمات باريس، دخلت عوامل أخرى أيضًا في المعادلة. ولأنّ تلك الهجمات وقعت في قاعة للحفلات الموسيقية، وعدد من المقاهي والمطاعم وملاعب لكرة القدم، فقد زادت من العامل الذي يقول “كان يمكن أن يحدث ذلك لي”.

أضف إلى ذلك فجائية الأحداث، والعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع فرنسا، وستجد أن القصة ستزداد انتشارًا كل يوم.

الجمهور يجب أن يشارك في المسؤولية

لكنّ الصحفيين ليسوا وحدهم المسؤولون عن التغطية غير المتناسبة. إذا قرأ عدد كبير من الناس من القصص عن بيروت أو كينيا، لكان من الصعب على وسائل الإعلام تجنب مثل تلك القصص لأنها ستمثل “اهتمام الجمهور”.

تفجيرات كينيا

تفجيرات كينيا

لتغيير التغطية الإخبارية، هناك حاجة إلى تغيير عقلية الناس أيضًا، وتغيير طريقة تعاطفهم مع الآخرين.

يمكن للمرء أن يجادل بأنّ السبب الوحيد لعدم اهتمام الجماهير بالقصص عن الناس الذين ليسوا “مثلنا” هو انسياقهم وراء التغطية الإعلامية. قد يكون هذا صحيح إلى حد ما، ولكن لا ينبغي بأي شكل من الأشكال تبرئة الصحفيين تمامًا.

قد يكون من السهل إلقاء اللوم على وسائل الإعلام، ولكن من المهم أن نرى أن تأثير المستهلكين النشطين للأخبار يمكن أن يكون على الأخبار نفسها، خاصة وأنّ السلوك الفعلي للجمهور يؤثر بشكل متزايد على اتخاذ القرارات الصحفية. هناك فرص للتغيير، ولكن المسؤولية تقع على عاتق كل من الجمهور ووسائل الإعلام معاً من أجل تحقيق ذلك.

فإذا كنت تشتكي من أن وسائل الإعلام تهتم بالحوادث التي تصيب الغرب أكثر من تلك التي تصيب بقية العالم قد ينبغي عليك مراجعة ما تقرأ وما تشارك الآخرين في قراءته، فقد تساهم -من دون أن تدري- في إبراز بعض القصص والأخبار على حساب غيرها.

المصدر: Rawstory

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.