ممنوع القراءة: هل تقبل أن تقرر الدولة ما يجوز ولا يجوز لك قراءته؟

Book Censorship

بثينة العيسى - الكويت

قبل أيام، أطلق الزميل عبدالله الفلاح استفتاءً على تويتر لاستقراء موقف الناس من الرقابة على الكتب. تجاوب مع الاستفتاء 5594 شخص، كان 48% منهم مع الرقابة، و52% ضدّها.

الفارق بسيط، وهذا يعني أن المجتمع منقسم على نفسه فيما يتعلق بهذا الأمر. عندما قمتُ بدوري بإطلاق استفتاء حول نفس الموضوع ولكن مع صياغة مغايرة “هل تقبل أن تقرّر الدولة، بالنيابة لك، ما يجوز وما لا يجوز لك قراءته” أجابت الأغلبية الساحقة بـ لا. 91% من الشريحة المكونة من 2160 شخص كانوا ضد الرقابة.

الرقابة من وجهة نظري هي هذه بالضبط؛ دولة تقرّر (عنك) ما يصح وما لا يصح لك أن تقرأه. إنها وصية على أخلاقك وأفكارك، وتعرف مصلحتك أكثر منك. دولة تتصرف مثل أم أو أب. دولة راعية وليست جهة اعتبارية تنظيمية تدير علاقتك بالأرض التي ولدت عليها. هذه الدولة، تتمثل في الرّقيب، الذي يقرأ النصوص متشمّما مواطن الاختلاف، مطالبًا الكاتب بالتطابق الكامل مع النظام العام والمقرر الأيديولوجي الذي تريده السلطة. هذا الرّقيب سواء كان شابًا حديث التخرج من حملة الدبلوم، أو لجنة من الأكاديميين، أو فرقة عسكرية، أو – على سبيل الخيال العلمي – مجموعة من علماء ناسا الفضائية، وحتى لو كان لجنة مكوَّنة من مجموعة من العباقرة الأموات، آينشتاين وهوبكنز وراسل وشوبنهاور، على افتراض أن هؤلاء – بعد عودتهم من الموت – سيقبلون وصمة التحول إلى رقباء على أفكار الناس وأخلاقهم.. حتى هؤلاء، وصايتهم تبدو شيئًا مضحكًا ومرفوضًا في عين القارئ.

ما أعرفه هو أنَّ أي شخص يقبل بالرقابة على الكتب هو في الحقيقة إنسان لا يقرأ. لأنه لا يفهم طبيعة القراءة. القارئ سيصل إلى الكتاب الذي يريده حتى لو كان في آخر الدنيا. القارئ سوف يسرق الكتاب أو يقرصنه أو يهرّبه كالممنوعات إذا اقتضى الأمر حتى يصل إليه، معاييره عن الصواب والخطأ تختلف تمامًا عن الإنسان العادي، والجريمة الوحيدة في عينه هي أن يموت دون أن يقرأ كتابه. القارئ سوف يبحث عن الكتاب الذي يريده لسنوات، ويتتبعه كما يتتبع القراصنة ولصوص الذهب وعلماء الآثار الكنوز. سوف ينفق ماله وعمره جميعه من أجله. القارئ باحث ومكتشف ومغامر ورحّالة ولا يعنيه، بأي شكل، أن يحصل على موافقة أية جهة، شرعية أو غير شرعية، رسمية أو غير رسمية، على ما يقرأه.

القراءة هي رحلة في الحرية بأنقى أشكالها، إنها توغل في الأفكار والصور والمشاعر في عالمٍ لا يمكن تسويره. بالنسبة للقارئ، يستحيل أن يكون هناك رقابة “صحيحة” على الكتب، لأن الرّقيب يجيء من منطق مغاير، من منظومة مفارقة لمنظومة الكتاب، والقارئ يعرف بأن كل كتاب هو عالمٍ تحكمه قوانينه الخاصة، ويخضعنا لها بشكل غير مشروط. القارئ يعرفُ بأن الخلل الوحيد الممكن هو ألا تتسق قوانين الكتاب فيما بينها وأن ينقض بعضها بعضا، وحينها سيكف الكتاب عن كونه كتابًا جديرًا بوقتنا وسنواصل المضي باحثين عن عالمٍ / كتاب آخر. القارئ يعرف بأنك لا تستطيع أن تطالب المنتَج الثقافي، متمثلا في دراسة أو كتاب فكري أو رواية أدبية، إلا أن يخضع لشرطه الفني الخاص، وبناءً عليه فإن التطابق مع فكرة الدولة وذوق الدولة وأخلاق الدولة هو أمرٌ مستحيل التطبيق. القارئ يعرف بأن الكلمة كائن مشاغب، مسائِل، مراوغ، حمّال أوجه وتأويلات، بأن الكلمة حرّة بكل معنى الكلمة، ولا يمكن إخضاعها لتقول ما نريد لها قوله فقط.

ما أقوله هو أن هؤلاء الذين يؤيدون الرقابة على الكتب، والذين هم 48% منا على ما يبدو.. هؤلاء، لا يقرؤونها أصلا.

نشرت في الصدى الإماراتية.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن

There is one comment

  1. قارئة

    أنا أقرأ و أؤيد الرقابة ، لكن بقوانين واضحة و ليست عشوائية ، طبيعي أن ما ينافي العقيدة يجب أن يُمنع و أيضاً الإباحية و الجنس ، لكن بالتأكيد هذا الأمر لن يعجب الكل ، أصبح من يدخل الجنس في مواضيعه إنسان فلسفي و مثقف ، كمثال عندنا كتابات أوشو !! أما مسألة قرصنة الكتب و غيرها ، فهذا ليس عذراً لبيع الكتب عندنا ، الخمر يتم تسريبه و الحصول عليه ، من يريد شربه يستطيع السفر للخارج ، هل نسمح ببيع و شرب الخمر عندنا لهذا السبب ؟

    Like

Comments are closed.