مذكرات إنجي أفلاطون وتأريخ لبداية الحركة النسوية والاشتراكية في مصر

مذكرات إنجي أفلاطون وتأريخ لبداية الحركة الاشتراكية في مصر

أفنان فهيد - مصر

أدركت لأول مرة، ولم أكن قد تجاوزت الثانية عشر ربيعًا، أن التمرد حالة ضرورية للتصدي فيما بعد للظلم الواقع عليّ. وقررت أن أبدأ. ومن هنا أستطيع أن أقرر دون فخر، وأيضًا دون تواضع، أن التمرد كانت السمة التي لازمت حياتي.

اذا كان الكتاب يعرف من عنوانه، فحتما سيلفت “مذكرات إنجي أفلاطون” انتباه القارئ للكتاب في بادئ الأمر بغلافه الأنيق المكون من لوحتين؛ اللوحة المرسومة على الغلاف الأمامي صورة بورتريه لامرأة في العقد الخامس من عمرها، ملامحها تبدو حادة تنم عن ذكائها، وأنها من أصل أرستقراطي. لن يلبث القارئ حتى يكتشف أن الصورة قد رسمتها الكاتبة لنفسها، وفي الغلاف الخلفي طبعت إحدى لوحاتها اللتي أسمتها “بكاء” إلا أن اللوحة ليست ظاهرة تمامًا. إلا أن ألوان لوحات إنجي أفلاطون حتماً ستجذب من تقع عينه على الكتاب.

Untitled

لا يمكن أن يتوقع القارئ غلافًا أقل أناقة أو فنًا من هذا الغلاف، خصوصًا عندما يحتوي الكتاب على مذكرات واحدة من أشهر الفنانات التشكيليات في مصر، صاحبة مدرسة منفردة ومختلفة عن نظيراتها. فمعظم أعمال إنجي تجسد معاناة طبقات الشعب المهمشة، من فلاحين، وعمال، وصيادين. وأيضًا كان للمسجونات نصيبًا كبيرًا من أعمالها فقد قضت إنجي فترة من عمرها في سجن النساء في أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات. وكان الاهتمام الأكبر في أعمال إنجي هو وجوه النساء والفتيات، في مختلف أعمارهن وطبقاتهن.

هذا وبجانب أعمالها التي خلدت أحداث سياسية، كلوحتها “لن ننسى” والتي تبرعت بها للمدينة الجامعية لجامعة القاهرة، والتي استوحتها من أحداث المظاهرة النسائية التي أقيمت في يوم 14 نوفمبر 1951 -والذي عُرف بيوم الشهداء-، والتي قام بتصويرها الطلبة فوتوغرافيا، ونشرها كمنشور سياسي، وأزيلت وأعيدت أكثر من مرة، إلى أن اختفت تمامًا ولم تعرف لها إنجي طريقًا.

6

نشأتها

وُلدت إنجي أفلاطون في السادس عشر من شهر أبريل لعام 1924، وهي حفيدة حسن الكاشف الشهير باسم “أفلاطون” وهو اللقب الذي لقبه به محمد علي رسميًا، وذلك لشهرته بمناقشاته الفلسفية وتساؤلاته. وأصدر الخديوي إسماعيل فرمانًا في يوم 22 مارس 1879 بأن يؤلف ولي العهد محمد توفيق النظارة التوفيقية (أو ما يعرف في زمننا هذا بـ”الحكومة”). وعين حسن الكاشف أفلاطون ناظرًا للجهادية والبحرية، إلا أن هذه النظارة لم تستمر سوى أيام، إذا صدر فرمانًا جديدًا في يوم 18 ابريل 1879 بأن يؤلف محمد شريف باشا النظارة الجديدة وأسندت نظارة الجهادية والبحرية لـشاهين باشا.

وكان والدها، الأستاذ الجامعي حسن محمد أفلاطون، قد درس العلوم في جامعات سويسرا وإنجلترا، وعاد للتدريس بكلية الطب في مصر، ثم انتقل لكلية العلوم قسم حشرات عند نشأتها عام 1930، وتولى العمادة بها لسنوات طويلة.

أما أمها، فكانت ابنة عمٍ لأبيها، وهي السيدة صالحة أفلاطون والتي انفصلت عن أبيها في نفس العام الذي ولدت به إنجي، وهي في التاسعة عشر من عمرها، ولم تتزوج مرة أخرى –إلا في وقت لاحق- خوفًا من سحب حضانة ابنتيها منها كما كان يهددها زوجها السابق.

استقلت والدة إنجي ماديًا وانتقلت بطفلتيها إلى منزل منفصل عام 1936، وأنشئت دار أزياء “صالحة” التي كانت تخدم نساء الطبقة الأرستقراطية. فنشأت إنجي في جو أرستقراطي وبرجوازي لم تألفه ولم تحبه منذ سن صغير، وألحقها أهلها بمدرسة راهبات القلب المقدس والتي كانت تعرف بكونها “مصنع الزوجات الصالحات”، فقد كانت تربى بها التلميذات على الطاعة العمياء، وقتل الطموح بهن. فكان يمنع على سبيل المثال اصطحاب أي كتب غير الكتب المقررة، أو إنشاء أي صداقات بين الفتيات وبعضهن البعض.

وتعرضت إنجي أكثر من مرة للعقاب بسبب رفضها طاعة الأوامر، وكغيرها من مثقفات النصف الأول من القرن العشرين، رفضت الإكمال في مدارس الراهبات. فنقلتها أمها لمدرسة الليسية الفرنسية، والتي وصفتها إنجي بأنها أول خطواتها نحو الحرية. وفي مدرسة الليسية تشبعت بالآراء والأفكار الفلسفية للمفكرين الفرنسيين، وكانت المدرسة تشجع التلميذات على الدخول في نقاشات فلسفية.

وخلال دراستها، احتكت إنجي بطبقات جديدة لم تتعرف عليها في مدرسة القلب المقدس -والتي ضمت فقط بنات الذوات-، فابتعدت عن صديقات الطفولة ولاحظت الفروق بين طبقتها البرجوازية والطبقات المتوسطة والفقيرة، وهذا دفعها للتساؤل: كيف يقبل إنسان عاقل هذا الوضع الظالم؟

إنجي أفلاطون والرسم

كان الرسم هواية إنجي منذ الطفولة، وكانت عائلتها على دراية بموهبتها، وتسعى لتطويرها من خلال توفير دروس تعليمية لها في هذا المجال. إلا أن تلك الدروس لم توف أمال وطموحات إنجي فتمردت عليها. إلى أن تعرفت على الفنان التشكيلي كامل التلمساني وكان كامل كغيره من الفنانين في ذلك الوقت لا يستطيع أن يعيش على العائد المادي من لوحاته. فألجأته الظروف إلى إعطاء إنجي دروسًا في الرسم، وقد اعتقد في بادئ الأمر أن إنجي أحد فتيات الطبقة البرجوازية التي تريد تعلم الرسم كما تتعلم البيانو والحياكة، وأنه نوع من أنواع التنازل عن مبادئه. وما لبث كامل التلمساني أن أدرك أنه كان مخطئًا بشأن تلك الفتاة. وفتح الرسم لإنجي بابًا جديدًا على الحياة في مصر التي لا تعرف عنها شيئًا، واختلطت بدائرة المثقفين المصريين آنذاك.

11

التمرد وبدء النضال الشيوعي

في ذلك الوقت كانت الحرب العالمية الثانية دائرة بين دول المحور ودول التحالف، وكان الاتحاد السوفييتي مشاركًا في الحرب بجانب الدول الاستعمارية ضد دول المحور، فسمحت تلك الشراكة بوصول الكتب الماركسية التي تناقش الفكر الاشتراكي باللغة الإنجليزية إلى مصر. ووقعت تلك الكتب لأول مرة في يد إنجي. ووجدتها تتفق مع أفكارها المتمردة على طبقتها، بجنب أنها كانت تناقش كل كبيرة وصغيرة في وضع المرأة المستغلة في الأنظمة الرأسمالية.

وكانت تلك هي الخطوة الأولى نحو التحريك الفعلي؛ فرفضت إنجي أن تذهب إلى فرنسا لتتعلم الرسم كما أرادت عائلتها، وأصرت على البقاء في مصر. ولكي تتحرر من سلطة أهلها كان عليها أن تستقل ماديًا، فبدأت بالعمل كمدرسة رسم في مدرستها الليسية للأطفال الصغار.

“الاشتراكية والمبادئ الهدامة”.. هكذا وصفتها الحكومة في عهد الملك –ومن بعده مما لا شك فيه-، فعلى حد قول إنجي إنه بالرغم من وجود دستور وحياة نيابية تكفل عددًا من الحريات إلا أن إنشاء حزب شيوعي يعد جريمة يعاقب عليها القانون بأحكام قانونية تبدأ بسنة وتنتهي بعشر سنوات من الأشغال الشاقة.

انضمت إنجي لـ منظمة اسكرا عام 1944، وكانت تلك هي أولى المنظمات الشيوعية التي تنضم إليها، ولكن العقبات التي واجهتها لم تكن في التضيقات الحكومية عليهم فقط، بل وأيضًا في اللغة العربية التي لم تكن إنجي تجيدها تقريبًا بحكم تنشأتها، وكانت تشق خطواتها نحو الحياة وفي جيبها قاموس صغير أضافت عليه المصطلحات والكلمات التي كانت تسمعها. كما كان الاختلاط بين النساء والرجال في بادئ الأمر أمرًا غير مستحب بسبب المجتمع، مما حدا بالتنظيم لإنشاء قسم نسائي.

“في الحقيقة أنني أنا نفسي لم أستطع التخلص من هذه العقدة، عقدة أشبه بعقدة الذنب لفتاة غنية واشتراكية معا”.

 شكلت تلك العقدة عقبة في حياة إنجي أفلاطون لم تتخلص منها حتى ساعدها زوجها على ألا تخجل من مستوى عائلتها، وأنه لا يجب عليها أن ترتدي الملابس القديمة لأن حرصها على مظهرها هو أمر طبيعي جدا.

المرأة ليست إنساناً من طبقة ثانية

 

كانت أولى القضايا التي اهتمت بها إنجي هي قضية العدالة والمساواة بين كل طبقات المجتمع، ولكن جاء الدور على قضية جديدة لتشغل حيزًا كبيرًا من تفكير إنجي وهي قضية المرأة المصرية، والتي كانت –ولازالت- تعامل على أنها إنسان من الطبقة الثانية، كحال العديد من النساء في عالمنا العربي، فتعاني من التفريق بينها وبين الرجل في المعاملة والتعليم وأجور العمل، هذه بجانب حقها في الانتخاب والذي كان ممنوعًا حتى قيام ثورة الضباط الأحرار في 23  يوليو 1952، ولكنه لم يكن إجباريًا أيضًا كما كان على الرجل بل كان اختياريًا. وبجانب ذلك فلم يكن للمرأة دوراً سياسياً فعالاً، ولم تكن تشارك في “تحرير الوطن” أو في أي قرارات مصيرية.

Egyptian Women Speaking on Patriotism in Public Square

في ذلك الوقت كان هناك حزبان نسائيان؛ أولهما حزب هدى شعراوي والذي فقد هدفه بعد موت مؤسسته، والحزب الثاني هو الحزب الذي أسسته السيدة فاطمة نعمت راشد عام 1942.

تذكر إنجي في مذكراتها أنها وزميلاتها من الفتيات الماركسيات حاولن العمل من خلال الحزب النسائي الوحيد الموجود وقتها ولكنه رفض التزحزح عن آراءه القديمة أو ضم عناصر شابة جديدة، وكذلك حاولن العمل مع اتحاد بنت النيل الذي أنشأته درية شفيق لكن بلا فائدة أيضًا، لذلك وجدوا أنه لا مفر من تكوين جمعية نسائية مستقلة ذات طابع ديمقراطي جديد، وضمت الجمعية العديد من الفتيات منهم لطيفة الزيات، وفاطمة زكي وآسيا النمر وعنايات النيرلي وسموها رابطة فتيات الجامعة والمعاهد المصرية. وأعلن عنها في منتصف عام 1945. واستمرت الجمعية في نشاطاتها المحلية والعالمية ضد الرجعية والاستعمار.

أحداث كوبري عباس

كوبري عباس

كان يوم 9 فبراير لعام 1946 هو اليوم الذي حددته اللجنة التنفيذية العليا لعقد مؤتمرات الطلابية لأخذ القرارات السياسية المناسبة وإعلان مطالب المعارضة الشعبية. وانتهي اليوم بكارثة حقيقية، فعندما خرج الطلاب في مظاهرة للتعبير عن مطالبهم قابلتهم قوات الداخلية المصرية وقوات الاحتلال الإنجليزي، وحاصرتهم على كوبري عباس، وفتحت عليهم النيران، كما قاموا بفتح كوبري عباس، فانتهي الحال بالطلبة بين غريق وقتيل. 

إلا أن الأمر لم يمر هكذا.. فقد فجرت هذه المجزرة ثورة الشعب المصري بكامله، وعلى رأسهم طبقة العمال، فخرجت المظاهرات مرة أخرى وشملت كل أنحاء مصر، وأسفرت عن إعلان تكوين اللجنة الوطنية للعمال والطلبة.

 وبعد مجزرة كوبري عباس أقيلت وزارة النقراشي لفشلها في السيطرة على ثورة الشعب، وعينت وزارة إسماعيل صدقي للقضاء على الثورة الشعبية، لذا تم تقرير يوم فبراير أنه يوم الجلاء للقوات الانجليزية المستعمرة والإضراب العام لجميع هيئات الشعب.

وسارت المظاهرات إلى أن اصطدمت بقوات الاحتلال وتحول اليوم إلى مجزرة جديدة. وقد تعين اليوم أنه يوم الطلبة العالمي في مؤتمر الطلبة العالمي في براغ، كنوع من أنواع التضامن مع كفاح الطلبة المصريين.

المظاهرة النسائية

al ahram

تتابع كفاح إنجي أفلاطون وزميلاتها في السنوات التالية فكان من أهم الأحداث التي اشتركت بها المظاهرة النسائية في يوم الشهداء 14 نوفمبر 1951، وضم الموكب آلاف السيدات والفتيات من جميع الطبقات، وكانت تتقدم المظاهرة السيدة سيزا نبراوي حاملة صورة لـهدى شعراوي، وبجانبها سيدة أخرى تحمل لوحة زيتية للشهيدة أم صابر أول شهيدة مصرية سقطت في منطقة القناة، إذ كان الكفاح المسلح مشتعل بين الفدائيين والاحتلال في منطقة القناة بعد إعلان النحاس إلغاء معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا.

وقد تم تحضير اللوحات واللافتات والملصقات من قبل الفنانين والفنانات من كلية الفنون الجميلة.

ثورة الضباط الأحرار وسجن الشيوعيين

كان خبر الثورة محيرًا لنا، هذه هي المرة الأولى في التاريخ –فيما أعلم- التي يطلق فيها على انقلاب عسكري أنه ثورة. فقبل عام 1952 كانت الخبرة التاريخية تقول بأن أي انقلاب عسكري هو لخدمة اليمين حيث يقمع الطبقات الشعبية. يبدأ بإلغاء الدستور والبرلمان والأحزاب، ويلغي الصحف ويصادر الحريات لصالح الطبقات المستغلة.

هكذا وصفت إنجي ثورة/انقلاب 23 يوليو 1952 فور إعلانها. وقد زادت شكوكها عندما تم الحكم بالإعدام على العاملين خميس والبقري اللذان تزعما إضراب عمال مصانع كفر الدوار من أجل مطالب نقابية. وجعلها هذا تترك منظمة حدتو (الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني) بسبب تأييدها الأعمى للضباط، كما أشارت إلى مقالات جريدة الراية -وهي نشرة سرية كانت تنشرها منظمة أخرى من منظمات الحزب الشيوعي- بأنها كانت تهاجم وتنتقد العنف والإجراءات الدموية التي ترتكبها الثورة ضد العمال وكانت تصنف النظام بأنه اقلاب عسكري مضلل لكسر الثورة الوطنية الديمقراطية التي كانت قريبة وعلى الأبواب.

egypt history women

كانت المواجهة الأولى بين إنجي والنظام الجديد عندما تم اعتقال زوجها حمدي بسبب انتماءه لمنظمة الحزب الشيوعي، وأتت المواجهة الثانية عندما صدر قرار بانتداب الدكتور إسماعيل صبري –زوج أختها- مديرًا للإدارة الاقتصادية والمالية لرئيس الوزراء، وفي مساء ذات اليوم أصدرت النيابة قرارًا باعتقال إسماعيل بتهمة أنه “الرفيق خالد”، سكرتير منظمة الحزب الشيوعي المصري. واختفى إسماعيل بعد اعتقاله ثم تم التعرف على مكانه بأنه كان في السجن الحربي يتعرض للتعذيب الوحشي، وبالرغم من ذلك لم يعترف على هوية الرفيق خالد الحقيقية.

إنجي والسجن

قام نظام عبدالناصر عام 1959 بشن حملة اعتقالات واسعة شملت اسم إنجي أفلاطون، وقد تمكنت إنجي من التواري عن الأنظار والهرب لمدة قصيرة جداً إلى أن تم إلقاء القبض عليها وحبسها في سجن النساء بالقناطر الخيرية مع العديد من زميلاتها، كما اعتقل العديد من زملائهن الرجال الذين حبسوا في سجن أبو زعبل، وتعرضوا لكل أنواع التعذيب، وهو لحسن الحظ ما لم يكن يحدث للمعتقلات النساء وقتها.

تحكي إنجي بأنهن كن في عنبر منفرد بعيدًا عن المسجونات بقضايا جنائية، وكانت تمارس عليهن الكثير من التضييقات والتعذيب المعنوي، من منع زيارات أو وصول الطعام والأموال لهن، بالإضافة إلى غلق العنابر عليهم فلا تفتح سوى لساعة واحدة صباحًا للذهاب للحمام، وساعة مساءً، إلا أنهن تمكنوا من التغلب على ذلك بالحيلة وبمساعدة الأطباء بالسجن، فكانوا يحولوهن على مستشفى قصر العيني، حيث يمكنهم هناك مقابلة ذويهم، كما كانوا يقومون بتهريب الرسائل عبر المسجونات بقضايا جنائية، كما تمكنت إنجي من الحصول على حق بممارسة الرسم مما مكنها من تجسيد ملامح السجن من الداخل، من وجوه للمسجونات، أو للأشجار خارج سور السجن، بجانب رسم أوجه الحياة فيه. وكانت إنجي ترسم السجن في على أنه مكان مكدس بالنساء المحبوسات في مكان ضيق، يستطيع المشاهد أن يشعر بالضجة الخارجة منهن دون أن  يسمعها.

112

في نهاية الكتاب سيدرك القارئ أكثر من أمر مهم، الأول: أنه في بداية الحركة الشيوعية في مصر لم يكن هناك فرق جوهري أو كبير بين الاشتراكية والشيوعية في مصر، ولم تختلف الاشتراكية عن الشيوعية كثيرًا -ربما مسألة الللادينية فقط كانت هي كل الفرق-، فنجد صاحبة المذكرات تقول تارة الشيوعية وتارة الاشتراكية وتارة أخرى الماركسية.

وبجانب تأريخها لدور الحركات النسوية المصرية ومطالبها المهمة جدًا والتي مع الأسف لم يتحقق منها إلى يومنا هذا سوى القدر الضئيل، إذ تنشغل الحركات التي تطلق على نفسها مسمى “حركات نسوية” بأمور فرعية وهامشية بجانب القضايا الجوهرية والمطالب الرئيسية التي لم تنفذ.

وبجانب تأريخها للحركة الطلابية المصرية في الأربعينيات، فقد أرخت إنجي حياة السجن وتفصيلها لمظاهر المعيشة فيه، من ضجة وطعام غير آدمي وشذوذ جنسي وغيرها، علاوة على المسرحيات والأغاني التي كن يقدمنها في السجن لتضييع الوقت. كما ذكرت أنواع السجانات؛ فمنهن الطيب ومنهن العنيف والشرس، وكذلك أمراء السجون، بين الطيب المحب للفن، وبين الغليظ الذي يهوى تكدير السياسيات.

women egypt history

مذكرات إنجي أفلاطون مرجع تاريخي مهم لمراحل مهمة من التاريخ المصري تأتي من خلال تأريخ الحركة الاشتراكية في بدايتها أيام الملك، وكيف تمت معاملتها أيام عبد الناصر، فبالرغم من أنها كانت غير مرحب بها أيام الملك، إلا أن الاعتقالات والتعذيب والتضييق قد زاد بعد رحيله، وامتد ليضم كل العاملين بها من نساء ورجال في عهد عبد الناصر، الزعيم التاريخي الذي ادعى الديمقراطية وأنه جاء ليخلص البلاد من الدكتاتورية والظلم.

إنجي أفلاطون أرخت لتلك الفترة من الزمان ليس فقط برسوماتها التي كانت تحاكي الواقع، بل وأيضًا بمذكراتها التي كتبت فيها العديد من التفاصيل بشكل يجعل القاريء في قلب الأحداث التي مرت بها.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن