لماذا تضغط أمريكا على استخباراتها للتقليل من خطر “داعش”؟

البيت الأبيض

نشر موقع “ديلي بيست” الأمريكي تقريراً صحفياً عن مجموعة من المحللين العاملين في وكالة المخابرات المركزية الذين يفيدون بأن أذرع إدارة أوباما تضغط عليهم ليعدلوا من تقاريرهم حتى تتوافق مع الرواية الرسمية لها بأن أمريكا على وشك تحطيم داعش، على الرغم من أنهم يؤمنون أن هذه التصريحات عاريةً من الصحة.

“الحملة التي تقودها أمريكا ضد داعش لا تسير بشكلٍ جيد”.. هذا الاستنتاج يأتي وفقًا لمحللي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، الذين لا زالوا يُرددون ذلك على الرغم من ضغط رؤسائهم عليهم كي يعيدوا التفكير في محتوى تقاريرهم.

قوة “الدولة الإسلامية”

وأبلغت ثلاثة مصادر مطلعة على القضية موقع “دايلي بيست”، أن كبار مسؤولي المخابرات والجيش قاموا بالضغط على المُحللين المختصين بشأن الإرهاب، كي يغيّروا آراءهم عن قوة الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)، وأن يصوروها على أنها أضعف مما يعتقدون، مع تحسين صورة الجهود التي تقوم بها الإدارة الأمريكية في محاربة داعش.

وقد أعد المحللون تقارير اعتبرها البعض متشائمة جدًا حول فعالية الحملة التي تقودها الولايات المتحدة على “داعش”، كما تساءلوا في بعض التقارير عن قدرة الجيش العراقي الذي دربته أمريكا على هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وقد أعيدت هذه التقارير للوكالة أو لم يتم إطلاع كبار صناع القرار عليها، كما زعم العديد من المحللين.

وعلى الجانب الآخر، يقول كاتبو هذه التقارير أنهم يتفهمون ضرورة أن تكون استنتاجاتهم محصورة في إطار معين، لذا فهم يمارسون رقابة ذاتية على أنفسهم بفعل الضغط الواقع عليهم بألا تبتعد هذه الاستنتاجات عما يؤمن به المسؤولون.

“العبارة التي أحب أن أستخدمها هي تسييس الاستخبارات”.. هكذا وصف المدير السابق لوكالة استخبارات الدفاع، الفريق المتقاعد مايكل فلين، ما يراه كضغط حكومي مكثف على مدار الأشهر السابقة للوصول إلى معلومات تساعد على خلق رواية أفضل تحكي عن الجهود المبذولة في محاربة “داعش” والجماعات المتطرفة الأخرى مثل القاعدة، متابعًا: “هذا هو ما يحدث هنا، وهو في منتهى الخطورة”.

الرواية الأمريكية

شعار الاستخبارات الأمريكية

أما عن وحدة القيادة المركزية في الولايات المتحدة -ومقرها مدينة تامبا بولاية فلوريدا- المسؤولة عن الغارات الجوية على مناطق نفوذ “داعش” بالعراق وسوريا، فإن العديد من المحللين العاملين بها يعانون من الإحباط الذي لازمهم لشهور، بسبب تغيير محتوى تقاريرهم على أيدي كبار الضباط وهي في طريقها إلى أعلى السلسلة الوظيفية، وذلك كي تناسب الرواية الرسمية للإدارة الأمريكية.

وأوضح المحللون الثلاثة، أنهم لم يكونوا على دراية بالجهة التي تحرك هذه الضغوط كي تعدل من تقاريرهم، الوضع الذي وصفه أكثر من واحدٍ منهم بأنه “محيّر”، في حين فسره البعض بأنه نتيجة الثقافة التي خلقها قادتهم.

أما عن كيفية انتقال هذه التقارير من المقر الرئيسي للقيادة المركزية إلى أيادي كبار المسؤولين، فالأمر ليس بالبساطة التي قد نتصورها، إذ تذهب بعض التقارير مباشرة إلى البيت الأبيض، لكن غالبًا ما تمر أغلب التقارير على العديد من المؤسسات الداخلية التي تقرأها وتتفحصها كي تقرر مدى أهمية المعلومات المعروضة وتحدد ما الذي سترفعه منها إلى كبار المسؤولين.

اثنان من مسؤولي الدفاع أعربوا عن شعورهم بأن رؤساء المخابرات في القيادة المركزية قد فشلوا في إبعاد الضغوط السياسية -الواقعة على كاهلهم من قِبَل واشنطن- عن المحللين. وعلى الرغم من أن هذه الضغوط كانت مُستترة وليست مُعلنة، إلا أنها كانت واضحة تمامًا.

يقول المحللون:

“يجب أن تكون التقارير التي نكتبها عن داعش متناغمة مع وجهة نظر صانعي القرار ورفيعي الشأن في السياسة الأمريكية، فنقول: أن الحملة التي تقودها أمريكا على داعش بدأت تؤتي ثمارها”.

أصبحت هناك عملية ثابتة يقوم من خلالها مسؤولو وكالة استخبارات الدفاع، ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية، بالعمل على حشد ما يشبه إجماعًا عامًا من جميع وكالات المخابرات التي تشارك في النقاش حول تهديدات “داعش”، والجهود الأمريكية المبذولة ضدها.

الوضع الحقيقي: الأمور لا تسير على ما يرام

us intellegence

يرى محللو الإدارة المركزية أن الحملة الأمريكية ضد “داعش” لا تسير على ما يرام، لكن المسؤولين الكبار يريدون لهذه التقارير أن تتفق تمامًا على عدم الذهاب إلى استنتاجات بعيدة عما يريدون.

يقول أحد المحللين: “أعتقد أن كل ذلك يحدث بسبب كبار المسؤولين الذين يحتكون بالساسة”، الأمر الذي يشق طريقه عبر السلم الوظيفي وصولاً للمحللين.

كان مدير استخبارات الإدارة المركزية يحرص على إبعاد المحللين عن الضغوط الخارجية، لكن هذه الحماية لم تعد على قدر الضغوط في العامين الماضيين. ويضيف قائلًا: “ستقع في النهاية تحت هذا الضغط، إنه أسلوب بارع ويحقق التأثير المطلوب”.

رفضت الإدارة المركزية أن تعلق على الاتهامات الموجهة إليها بشأن الضغوط الواقعة على المحللين. وهي القضية المُثارة أيضًا في وكالة استخبارات الدفاع، التي تقدم تقاريرها إلى القادة العسكريين والمدنيين على حد سواء.

ووفقًا لتقرير النيويورك تايمز في أغسطس الماضي، يبحث المدعي العام لوزارة الدفاع، المزاعم القائلة بأن بعض المسؤولين العسكريين قد غيّروا تقارير المخابرات المناوئة للحملة الأمريكية على “داعش”. ومن المقرر أن يكون هذا التحقيق مبنيًا على شكوى واحدة على الأقل من محلل مدني في الوكالة كان قد ادعى بأن مسؤولو الإدارة المركزية قاموا بإعادة كتابة استنتاجات تقاريره الاستخباراتية التي يعدها لكبار القادة وعلى رأسهم الرئيس باراك أوباما.

مبالغة

“لم أكن مندهشًا من هذا التحقيق”، يخبرنا فلين الذي قد لاحظ أن كبار قادة الجيش ومسؤولو إدارة أوباما قد بالغوا في التفاؤل في تقديراتهم عما صارت إليه الحرب ضد “داعش”.

وعلى الرغم من اعتراف فلين بأنه ليس لديه أية معلومات دقيقة عن الوضع الحالي للتحقيق -الذي أكدت عدة مصادر على أنه ما زال قائمًا-، أوضح أن السلطة اللازمة لتغيير تقارير المخابرات أو تبديلها عن صيغتها الأساسية لا تكون إلا في أيدي كبار المسؤولين فقط.

CIA HQ

ورغم ذلك، فقد جاءت تحليلات وكالة استخبارات الدفاع “صادمة للغاية”، على حد وصف فلين، ولم تحاول رسم أي صورة غير حقيقية عن الوضع الحالي للحرب على داعش والقاعدة. “تقاريرنا لا تحاول تزيين الحقائق أو تتحدث عن الكثير من الاحتمالات… هي فقط تعكس ما نؤمن به هنا”.

يقول المحللون أن التقارير السابقة قد عدلت لتشير إلى أن الجهود الأمريكية الحالية المكرسة لهزيمة “داعش” تسير بشكل جيد، كما أصبحت تميل لأن تترك بداخلها مفتاحًا مستقبليًا يعفي من قدمه من المسؤولية، وذلك بإضافة ما يفيد بأنه على الرغم من النجاح الحالي، فإن هنالك احتمال بتراجع النتائج في أي لحظة. هذا النوع من التحايل يقوم بحماية المسؤولين الكبار من أن يتم اتهامهم فيما بعد بأنهم قد قللوا من قدرة “داعش”، وفي نفس الوقت يسمح لهم بأن يدّعوا أن هذه الجماعة الإرهابية على حافة السقوط.

دلائل أخرى

وبعيدًا عن شكاوى المُحللين، هنالك دلائل أخرى داخل الجيش والبنتاغون تبرهن على التناقضات بين مضمون التقارير التي يقدمها المحللون. فقد بدا الجنرال العسكري، مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية في شهاداته وتصريحاته الرسمية أقل تفاؤلًا  من المسؤولين في إدارة أوباما.

من الضروري أن تأخذ عملية التنسيق بين تقارير المخابرات في اعتبارها وجهات النظر المختلفة التي تقدمها جميع الوكالات، لأن دورها تقديم تحليل للموقف، آخذين في الاعتبار ما حدث في عام 2002، عندما أشارت تقارير المخابرات لكون العراق تعمل على برنامج لأسلحة الدمار الشامل –على الرغم من أن ذلك لم يكن حقيقيًا- وهو ما كان حجر أساس لعملية الغزو الأمريكي للعراق فيما بعد. يجب أن يُسمح لوكالات المخابرات بأن يتبنوا وجهات نظرهم الخاصة، خاصة لو امتلكت إحداها أو بعض منها وجهات نظرٍ مخالفة لوجهة النظر السائدة.

ردًا على أسئلة دايلي بيست عن تقرير المحقق العام، قال المتحدث الرسمي للقيادة المركزية، الكولونيل باتريك رايدر: “من المعتاد أن تتبنى هيئة الاستخبارات الأمريكية العديد من الآراء المختلفة من خلال تقاريرها حول الوضع الأمني الحالي.. وعادة ما تنسق هيئة الاستخبارات بين تقارير المخابرات التابعة لها قبل أن تُنشر. بشكل أدق، يُمنح أعضاء هيئة الاستخبارات الفرصة كي يعلقوا على مسودات هذه التقارير”.

ويشير رايدر إلى أن القرار النهائي بـ”تضمين التغييرات أو الإضافات المقترحة” يعود في النهاية لوكالة المخابرات الأولية التي قامت بكتابة هذا التقرير. يواصل رايدر: “بالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة عملية إصدار التقارير المعتمدة على العديد من المصادر، تقف حائلًا  أمام التقارير والآراء التي يراد بها التأثير المبالغ فيه على القادة وصناع القرار”.

أما عن كيفية التأثير على كبار المسؤولين باستخدام التقارير فذلك أمرٌ يختلف من شخصٍ إلى آخر. “يقوم كبار القادة بالتخطيط واتخاذ القرارات بعد النظر في التقارير المختلفة التي تُقدم لهم، بالإضافة إلى الآراء التي “تُطرح عليهم من المسؤولين التابعين لهم بالإضافة إلى المستشارين” على حد وصف رايدر.

ليست المرة الأولى

intelligence agencies centcom

هذه ليست المرة الأولى التي يدعي فيها المحللون أن تقاريرهم عن الإرهاب، يتم العبث فيها من أجل أغراض سياسية.

ويقول الكولونيل المتقاعد ديريك هارفي، المسؤول الرفيع السابق في وكالة استخبارات الدفاع: “سواء كانت القاعدة قد دُمرت أو لم تعد لاعبًا أساسيًا، صدرت أوامر لنا بأن نتوقف ونمتنع تمامًا عن إصدار مثل هذه التقارير”، وذلك بعد الحملة الأمريكية التي قتلت أسامة بن لادن في باكستان عام 2011.

يواصل هارفي: “أعلنت إدارة أوباما بأن قلب القاعدة أصبح منتهيًا”، على الرغم من الأدلة التي عُثر عليها في وثائقٍ حصلت عليها القوات الأمريكية من مقر إقامة أسامة بن لادن في باكستان. “من وجهة نظرنا، أصبحت القاعدة أكثر تشعبًا وأقوى من أي وقتٍ مضى، على الرغم من الضربة القاضية التي وُجهت لقلبها”.

وفي السنوات التي تلت ذلك، بات واضحًا أن القاعدة حافظت على قدراتها وطموحها في شن هجمات داخل الولايات المتحدة. فوفقًا لمسؤولي المخابرات، يُعتقد أن فرع القاعدة باليمن، إضافة إلى مجموعة من مقاتليها الذين يحاربون في سوريا، قد تمكنوا من تهريب أجهزة تفجير -لا تستطيع الأنظمة الأمنية في المطارات أن تعثر عليها- إلى طائرات ركاب متجهة إلى الولايات المتحدة.

قد يكون سبب تعديل التقارير للمحافظة على صورة الإدارة الأمريكية أمام الرأي العام بأنها تنجح في حربها على الإرهاب وبأنها قادرة على السيطرة، وقد يرى البعض -وهم كثر- أن سبب تعديل التقارير هو مؤامرة ما تحيكها الولايات المتحدة، وقد يرى آخرون أن الإعلام يبالغ في قضية عادية.. إلا أن ما ستسفر عنه الفترة القادمة من تبعات حيال التحقيق في هذا الموضوع قد يكشف عن معلومات مثيرة، أو قد ينتهي به الأمر كالعديد من القضايا الأخرى التي يطويها النسيان في الولايات المتحدة.

المصدر: The Daily Beast

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.