سينما المراهقين: أبطال خارقون في هوليوود وسذّج معتوهون في مصر

محمد خاطر

(يا مراهق) جُملة يستخدمها العديد ممن وطأت أقدامهم أرض المحروسة “مصر”، بغرض ذم شخص ما بعد قيامه بتصرف صبياني، فالمراهق في مجتمعنا ليس إلا فردًا يتهرب منه الكبار ولا يُشاركونه حياتهم بحجة أنّه لم يصل حتى الآن إلى الفهم الكامل لطبيعة أمورهم، وفي نفس الوقت أصبح مذمومًا وسط الأطفال، بعد أن تسبب شاربه الأخضر المكون من عِدة شعيرات أسفل أنفه الذي بدأ دورته في الاتساع والوصول إلى حجمه الطبيعي، في شعور كل من هم أصغر منه ولو بعامٍ واحد فقط أنه لم يعد ذلك الطفل البريء الذي قد يأمنه على شقيقته لو وقع نظره عليها مرة ما دون حجاب.

 بل وبسبب السرعة الرهيبة في نمو أجزاء من جسده وتأخر أجزاء أخرى في مرحلة النمو تلك، تجد صاحب الشارب الأخضر يخجل من شكله للغاية وكيف تحول من الطفل الذي يداعبه كل من حوله بكلمة “يا خلاسي” على أي تصرف يقوم به، إلى شخص هلامي صاحب أطراف طويلة تكسو ملامح البؤس وجه.

بشرة خير

photo_2015-10-21_11-56-04

ولكن انتبه صديقي العزيز! فأخيرًا السينما المصرية تنبهت لأطرافك تلك وعقلك الذي لا يتلاءم حجمه مع ضخامة جسدك خلال تلك المرحلة، وأدركت أخيرًا أنك أيضًا لك عليها حق، وستجعل منك بكامل عيوبك تلك بطلًا لها على شاشتها الفضية، من خلال أول فيلم مصري يلعب بطولته مجموعة من المراهقين، ولكن احذر في نفس الوقت قبل أن تأخذك السعادة إلى عالم الأحلام وتتخيل نفسك في لباس “الراجل العنكبوت” تنقذ كل ضعيف من أجل قُبلة ساحرة من فتاة شقراء، أو مراهق آخر يمتلك سيارة قديمة لتتفاجأ بعد ذلك أنَّه مُحارب جاء من كوكب آخر ليساعدك في إنقاذ الأرض من بطش أبناء جسده “المتحولون” فتخوض معركتك أنت الآخر حالمًا بقبلة فتاة شقراء أخرى، وقبل أن تستمر في أحلامك تلك اعذرني كل خيالاتك هذه لن تجدها حتى في أحلام الليالي الصيفية حينما تهرب من حرارة الجو وانقطاع الكهرباء المستمر إلى نسمات بلكونات بيتك الصغير، ولكن ما ستشاهده في تجربة السينما المصرية الأولى مع أفلام المراهق -تجربة “الجيل الرابع”- ليس إلا عددًا من المواقف التي تقع فيها يوميًا بحكم سذاجتك في أوقاتٍ ما وغبائك في أوقاتٍ أخرى ثانية.

بداية الحكاية

أبطال فيلم الجيل الرابع

أبطال فيلم الجيل الرابع

فيلم “الجيل الرابع” بدأ الإعداد له وفق صاحب فكرته السيناريست عمرو سمير عاطف، حينما أوضح عبر حسابه الخاص على موقع “فيس بوك” أن أول “draft” للعمل كتب منذ خمس سنوات عام 2010، وكان يحمل الفيلم وقتها اسم “عيال سيس”، وبعد العديد والعديد من التعديلات التي قامت بها ورشة كتابة مكونة من محمد إسماعيل أمين ومحمد حماد ومحمد قنديل الشهير بـ “أنديل”، توصل فريق العمل إلى السيناريو الذي شاهده الجمهور بالسينمات المصرية، خلال إجازات عيد الأضحى الماضي بعدسة المخرج أحمد نادر جلال، وبفريق تمثيلي مكون من ثلاثة مراهقين يقفون للمرة الأولى أمام الكاميرا بفضل نجل المخرج الراحل نادر جلال، إلى جانب المراهق الرابع بالعمل أحمد مالك، الذي بدأ يكون له قاعدة جماهيرية كبيرة في الفترة الأخيرة بعد مشاركاته في بطولة عِدة أعمال سينمائية أهمها الجزء الثاني من “الجزيرة” رفقة النجوم أحمد السقا وخالد الصاوي والراحل الحاضر دائمًا خالد صالح والمخرج شريف عرفة، وكذلك فيلم “أهواك” رفقة المطرب تامر حسني والقدير محمود حميدة والجميلة غادة عادل والمخرج محمد سامي.

حتى الآن منتج العمل كان سيعتبر ذلك مغامرة كبيرة للغاية لم يقم بها من قبل أي منتج باستثناء منتج فيلم “أوقات فراغ” حينما قدم خلاله الفنانين أحمد حاتم وكريم قاسم وعمرو عابد، ولكن بحيلة سبكية (نسبة للمنتجين محمد وأحمد السبكي صاحبا خلطة السبكية في صناعة الأعمال السينمائية) لجأ منتج الفيلم إلى العديد من الفنانين الكوميديين الذين أصبحوا في الخمس سنوات الأخيرة تميمة الحظ الناجحة في أي فيلم كوميدي مبني على سيناريو جيد، وذلك لتمتع هؤلاء الفنانين بموهبة تمثيلية حقيقة من ناحية، ومن ناحية أخرى إضافة أكثر من اسم سينمائي معروف يجبر المشاهد على الذهاب لمشاهدة فيلم يقدمه، ومن بين هؤلاء كان القدير حسن حسني وشريف رمزي وبيومي فؤاد وحسام حسني (ليس مطرب كل البنات بتحبك) وأحمد رزق وطلعت زكريا وأيمن قنديل وبدرية طلبة.

الحدوتة

photo_2015-10-21_11-55-48

مشهد من فيلم الجيل الرابع

قصة الفيلم تتناول يوميات أربعة مراهقين بمرحلة التعليم الثانوية، يحاول أحدهم أن يصاحب زميلته بالمدرسة وابنة ناظر المدرسة في نفس الوقت بالمصطلح الشبابي المصري (يُشقطها)، ولكن لأن الفتاة التي اختارها قلبه لم يكن يعلم أنها فتاة لعوب بالمصطلح الشبابي المصري أيضًا (خِبرة) يجد هذا المراهق نفسه وبصحبة أصدقائه الثلاثة أمام العديد من المشاكل، مطاردون من الداخلية المصرية كعصابة إجرامية وكذلك جماعة إرهابية في نفس التوقيت، وهو ما يخلق العديد من المواقف الكوميدية بسبب تعامل هؤلاء المراهقين الغبي دائمًا مع كل عائقة تقع أمامهم في محاولة هروبهم من الجهات الثلاثة المُلاحقة لهم.

ورشة كتابة الفيلم حاولت بشتى الطرق أن تظهر مدى سذاجة الأربعة مراهقين، ليس لنية سيئة، ولكن للتمكن من خلق أكبر كم ممكن من المواقف الكوميدية، وبالمناسبة لم تكن في احتياج لمخرج في قدرات مخرج فيلم “واحد من الناس” ومسلسلات يوسف الشريف الأكثر نجاحًا في ماراثون دراما رمضان كل العام وبالأخص “اسم مؤقت”، ولكن تواجد نجل نادر جلال على مقعد المخرج ساعد بشكل كبير في خروج العمل بصورة مبهرة، بالأخص مشاهد المطاردات والأكشن التي خرجت على مستوىٍ عالٍ من الحرفية.

تساؤل

photo_2015-10-21_11-56-00

مشهد آخر من الفيلم

لكن السؤال الأهم هنا لماذا لم يكن من بين هؤلاء الأربعة اثنين أو واحد على أقل تقدير يملك من المقومات ما يجعله يوجِّه فريقه دائمًا، ويكون القائد لهم في رسم طريقة هروبهم ممن يطاردونهم، لا نطلب أن يكون ذلك نابعًا من قدرة خارقة اكتسبها بفعل تأثره بحادث ما كما نشاهد في الأفلام الأمريكية، التي تحرص دائمًا أن تظهر بطلها أيًا كانت فئته العمرية، حتى لو طفل، على أنه الأكثر ذكاءً والأقدر على التعامل مع أحلك الأمور من مثيله في كل دول العالم.

ورغم ذلك فإن الواقع المصري أظهر قدرة هؤلاء المراهقين على التأثير والتغيير كما حدث في ثورة الـ 25 من يناير المجيدة، إذا أنت بالفعل أمام مراهق حان الوقت لتغيير طريقة نظرك له ليس فقط لتتعاطف معه بفيلم أو فيلمين تقدمهم عن حياته، فصناع العمل كانوا أمام فرصة  لإكساب مراهقي مجتمعهم صفات البطل الخارق أو الـ”Hero” مع الحفاظ في الوقت نفسه على الطابع الكوميدي الذي طالما أرادوه أن يُغلف الفيلم.

إشادات نقدية وإيرادات مُرضية

الفيلم وبعد أربعة أسابيع كاملة من طرحه، استطاع أن يُحقق صدىً طيبًا جدا من حيث آراء النقاد ورضا الجمهور، فبشكل عام لا يوجد ناقد تحدث عن الفيلم إلا وأكد أنّه من نوعية الأعمال التي تتخطى مزاياها عيوبها ونقاط ضعفها.

ورغم ذلك فإن الفيلم من ناحية الأرقام الضخمة بشباك التذاكر أو بالمقارنة مع الأرقام التي حققتها التجارب التي طرحت معه في نفس التوقيت، تعتبر مخيبة للآمال إلى درجة كبيرة، ولكن  إذا نظرنا للإيرادات التي حققها حتى الآن بالنسبة لفيلم لا يوجد في أسماء أبطاله أحد النجوم التي تتعدى أجورها الجنيه الواحد ذو الـ 6 أصفار، تعتبر مُرضية بشكل كبير بعدما قاربت على الوصول إلى المليون الخامس وفق آخر إحصاء أصدرته غرفة صناعة السينما المصرية، خاصة أن مثل تلك الأفلام يعتمد المنتجون بشكل كبير في أرباحها على مبلغ البيع الفضائي لأي من الفضائيات التي تحرص على شراء حقوق بثه بشكل حصري بعد انتهاء العرض فيدور السينما.

في النهاية، العمل في مجمله تجربة جيدة للغاية ومشروع سينمائي مختلف عن الموجة السائدة في صناعة السينما المصرية في الفترة الأخيرة، لكن نتمنى ألا يقتصر الأمر على أن الفيلم كان تجربة فردية وانقضت، لأن الفيلم بما له وما عليه يكفي أنّه اهتم بفئة ليس هناك من بيننا من يعترف بوجودها من الأساس.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن