برنامج باللغة العربية على التلفزيون الألماني: غزوٌ ثقافي أم خطوة على الطريق الصحيح؟

في سلسلة من الفيديوهات التي عرضتها قناة n-tv على موقعها الرسمي وقناتها على اليوتيوب، يتحدث الصحفي الألماني قسطنطين شرايبر باللغة العربية إلى اللاجئين من خلال برنامج يُطلق عليه (مرحبا) في محاولة جديدة لاستيعابهم في المجتمع الألماني، ليأتي البرنامج وسط مخاوف ألمانية من غزو ثقافي عربي محتمل.

<

p style=”direction:rtl;text-align:right;”>

أتت ردود الفعل على الحلقة هجومية، فكانت التعليقات تذكر عبارات كـ “مثالية فارغة” و “مُنحط” و “شاذ”، فيما اعتبر البعض ان البرنامج يُمثل “الانحسار الغربي”، وعلّق واحدًا على أنه “نهاية لألمانيا”، وبرزت دعوات لمقاطعة قناة n-tv، بينما تكرر سؤال واحد بين التعليقات: “هل وصلنا إلى هذا الحد؟ هل سيتوجب علينا تعلم اللغة العربية؟”.

في المقابل، جاءت ردود فعل الجانب الآخر متناقضة تمامًا، فقد وجه بعض اللاجئين رسائل لشرايبر يشكرونه على البرنامج ويقترحون مواضيع أخرى كي يتم نقاشها في البرنامج، أو يعرضون المساعدة. بينما أبدى ممثلو اللاجئين العرب رغبتهم في التحدث عن قضاياهم من خلال البرنامج.

نهضة جديدة لألمانيا؟

لم يقتصر الأمر على ذلك التقريع الذي تلقاه البرنامج من المشاهدين الألمان، بل قام أيضًا العديد من القراء بتسجيل أفكارهم في رسائل بعثوها للقناة تعبر عن قلق الشعب الألماني، وضرورة أخذ قلقهم هذا على محمل الجد.

يتساءل شرايبر “أقلقٌ أنت من أن ننسى الأمر ونتخلى عن هويتنا؟”، ويكمل “أرسلت لي إحدى السيدات العجائز قصتها فتقول أنها هربت في صغرها من سيليزيا إلى ألمانيا، كواحدة من بين 15 مليون شخص حلّوا على ألمانيا الغربية كلاجئين من أوروبا الشرقية، لا يحملون أكثر مما يمتلكه اللاجيء السوري الوافد على ألمانيا: الثياب التي تستر أجسادهم، وأوراقهم الشخصية، وصورًا لعائلاتهم التي تركوها خلفهم”.

ويضيف “كانت أمي من بين هؤلاء النازحين إلى ألمانيا، وُلدت في أراضٍ تابعة لألمانيا قديمًا، في مدينة لم تعد تذكر اسمها. لم تتحدث أمي أو أي فردٍ من عائلتها عن خبرتهم العصيبة أثناء الانتقال. إلا أنني بعدما كبرت بدأت أدرك سبب خوف جدتي من العواصف الرعدية، فقد كان صوتها يذكرها بقصف القنابل”.

يقول شرايبر أن “هؤلاء اللاجئون من الشرق الأوروبي ساهموا في صنع ألمانيا الحديثة، وذلك بشهادة المؤرخين الذين يرون أنهم أحد عوامل المعجزة الإقتصادية الألمانية عقب الحرب العالمية الثانية. هؤلاء الملايين الذين استطاعوا الامتزاج في النسيج الألماني يمثلون درسًا من التاريخ عن قضية اللاجئين”.

ورغم تأكيده بأن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن أزمة لاجئي الحرب العالمية الثانية تختلف جوهريًا مع الفارين من فوضى الحروب في الشرق الأوسط، فالفروق اللغوية والدينية تمثل تحديًا كبيرًا أمام لاجئي هذا العصر. يؤكد شرايبر كذلك أنه يتفهم تمامًا مخاوف الناس على التاريخ الألماني، إلا أنه يرى أن “هذه الحكاية القادمة من صفحات التاريخ تخبرنا الكثير عن حقيقة العوامل التي شكلت بلدنا ألمانيا”.

الهجرات وتحديد الهوية

هذا الجدال الذي يجري حول مسألة الهوية لا يقف على الحدود الألمانية فقط، وإنما يشترك فيه العالم أجمع. ففي دبي -كما يرى شرايبر، على سبيل المثال- وفي ظل الأسواق التجارية الضخمة والتغيرات السكانية التي تشهدها المدينة، يتساءل الناس عن مدى استطاعتهم الحفاظ على الهوية الإسلامية لمجتمعهم. بينما يعيد الأمريكيون ذوو الأصول اللاتينية تشكيل ديموغرافية البلد التي هاجروا إليها. يقول “العالم يتغير الآن، وربما تنظر في المستقبل إلى وقتنا الحالي على أنه العصر الذي بدأت فيه الهجرة الحديثة في المجتمعات والثقافات” بعد هجرات البشر الأولين عبر القارات.

يقول شرايبر “الأمر يتمحور فقط حول التفتح، فما نشهده حاليًا لا يمثل بأي شكل نهاية ألمانيا، وإنما بداية شيء جديد، هذا ما يدفعني لأن أكمل البرنامج باللغة العربية. فقط عندما نضرب مثالًا للآخرين على التفتح، سيكون بإمكاننا عندها أن نتوقع منهم المثل. وأنا أتوقع منهم ذلك”. ويؤكد شرايبر أنه  يطالب “الناس الذين يعيشون معنا في ألمانيا أن يتحدثوا لغتنا ويحترموا قانوننا وثقافتنا. لكنني أخبرهم ذلك باللغة العربية، وكلي يقين بأنهم سيفهمونني بهذه الطريقة”.

اضغط هنا للوصول لصفحة البرنامج على موقع n-tv

المصدر: Panteres