التعليم المصري: مصير أسود ينتظرك.. والفشل قد يجعلك وزيرًا

محمود جمعة العريني

نكتة سخيفة يشترك فيها خريجو كليات القمة والقاع

في بلد تعتبر الحفظ والمجموع الطريق الوحيد للنجاح تأتي صدمتك بسوق عمل بعيد تمامًا عما درسته

التعليم في الكليات العسكرية والشرطية مثال صارخ لواقع غريب لا تحكمه أي معايير سوى الوساطة

تتفاقم مشكلة اكتشاف الذات بسبب عدم وجود قواعد ومعايير لمعرفة مهارات ومواهب الطلاب

تصالح مع ذاتك واعلم أن العلم في بلادنا نكتة سخيفة.. عندها قد تصبح وزيرًا للتعليم!

حين يتمكن العبث من رحلتك، وتكتشف مع مرور الوقت أن هناك شيئًا ما قد حال بينك وبين يقينك بهدفك، تذكر أنك تعلمت في مدرسة مصرية حكومية، وحصدت طوال اثنين وعشرين عامًا تاريخ مضلل، ولغة ثانية لم تترك أي ذكرى في ذهنك بسبب أسلوب دراستها العقيم، وتلعثم واضح في أصول وقواعد لغتك الأم، وبعد مرحلة الثانوية العامة درست في جامعة اختارها لك مكتب التنسيق الذي دائمًا وأبدًا يعرف مصلحتك ومستقبلك أفضل منك، لتتوالى الأحداث وتأتي صدمتك بعد ذلك بسوق العمل البعيد تمامًا عما درسته.. في بلد تعتبر الحفظ والمجموع المرتفع هو الطريق الوحيد للنجاح.

للجهل وجوه أخرى

الجهل ليس فقط عدم تمكنك من القراءة والكتابة، الجهل له وجوه أخرى كثيرة أولها ألا تعرف سوى موادك الدراسية التي لن تمنحك أي معرفة قيّمة، أو تترك نفسك لقناعات وهمية ومعتقدات بالية عفى عليها الزمن، ومن أهم ظواهر الجهل التي نعاني منها في مصر أكذوبة كليات القمة والقاع، الجميع في مصر يريد أن يدخل كليات الطب والهندسة والصيدلة وأي كلية أخرى غيرهم ما هي إلا تحصيل حاصل وتعليم جامعي والسلام.. حتى الآن ما زال المصريون يعتقدون أن مصير هذه الكليات الثلاث هو الأفضل اقتصاديًا واجتماعيًا حيث توفر لك عمل فوري بعد التخرج وعائد مادي مناسب لا يناله خريجي الآداب والحقوق والتجارة.. ولا يمكننا إنكار أن للأهل دورًا كبيرًا في ذلك العبث بسبب الوهم المترسخ في أذهانهم منذ سنوات وحلم المكانة الاجتماعية المسيطر عليهم والتي في اعتقادهم ستضمن لأولادهم حياة كريمة في المستقبل.

ما لم يعلمه كثيرون أن المصير واحد بعد المرحلة الجامعية في مصر، حيث طريقك لتأدية خدمتك العسكرية ومن ثم جلوسك على المقهي حتى تأتيك الفرصة أو تبحث عنها بنفسك أو تسير بمبدأ الوساطة.. فالآن مصير الطبيب مثل المحامي مثل المدرس، مصير أسود بلا أي بوادر يتسلل منها الأمل، لأن الفرصة لا تأتي في بلدنا وإذا بحثت عنها لن تجدها، وما عليك إلا أن تستخدم الخيار الأخير، هكذا تسير مصرنا الحبيبة.

مقطع لرئيس الوزراء الأسبق ابراهيم محلب: الوظائف الحكومية انتهت.. اشتغلوا سواقين توك توك

ومن زاوية أخرى، يجب علينا أن نتأمل التعليم في الكليات العسكرية والشرطية، لأنه مثال عظيم لواقع غريب لا تحكمه أي معايير، حيث لا تهتم هذه الكليات بمجموع الطالب وتفوقه لأن هناك ما أهم من ذلك.. وهي علاقاته ومعارفه التي تساعده بمنتهي الثقة على الالتحاق بها، ربما بكارت شخصي أو مكالمة هاتفية حتى لو درجاته لا تتعدى 50% ، لنراه بعد سنوات قليلة ضابط شرطة أو قائد جيش حصيلته المعلوماتية الثقافية والفكرية تكاد تكون صفر. وينعكس ذلك بالتأكيد على أداء هذه المؤسسات فيما بعد.

أزمة مصر في التعليم

281434

والعمل في مصر ليس خاضع بالمرة لما تعلمته، ولست هنا بصدد الحديث عن الفروق بين سوق العمل والمواد الدراسية، لكنني أتحدث عن مشكلة اكتشاف الذات وقدرتها ومعرفة ما تجيده، المشكلة التي تزيد وتتفاقم بسبب عدم وجود قواعد ومعايير جيدة لمعرفة مهارات ومواهب الطلاب.. لا أحد منا يدرس ما يحبه أو يعمل في مجال دراسته، لذلك تجد من يحب الرسم يدرس التجارة ومن يعشق دراسة الكيمياء يصبح محامي ومن يجيد حرفة ما يتحول إلى مدرس، برأيك ما الذي ينتج عن هذه العشوائية؟

هل يحق الآن لطالب أن يحلم بتعليم ومستقبل أفضل في ظل أسلوب الحفظ والتلقين، والمناهج والمواد التي لا تحظى بأي تطور أو تغيير على مدار سنوات طويلة بالمقارنة مع الطفرة التكنولوجية التي يشهدها العالم حاليًا وكأن صلاحيتها لمدى الحياة؟ كيف لنا أن نطلب منه أن يلقي بها في عقله دون فهم أو تحليل؟

وكذلك ماذا نطلب من أولياء الأمور المُكبلين بالدروس الخصوصية وتلبية احتياجات أبنائهم، معتقدين أن المجموع المرتفع هو المنقذ الوحيد في هذه البلاد، لنرى كل عام مشهد الدموع المتكرر حزنًا على نتيجة التنسيق وضياع الفرص، الوضع يزداد سوءًا بكل المقاييس فأزمة التعليم لا نستطيع تناولها في عدة سطور أو في مقال واحد لأنها – في رأيي- أكبر عقبة تقف أمام تقدم مصر.

ماذا لو أنهينا هذه المهزلة باختبار قدرات حقيقي قبل مرحلة الثانوية العامة والجامعة ونترك الطلاب يختارون ما يريدون دراسته مثلما يحدث في كليتي التربية النوعية والفنون الجميلة، حينها فقط لن نرى أي مشكلة وسيكون لدينا أطباء أكفاء ومدرسين مولعين بالتدريس وبتطوير مهاراتهم في توصيل المناهج وفنانين مُبدعين وحرفيين ماهرين، ولن يكون هناك مجال للتهافت غير المبرر على كليات بعينها لمجرد إرضاء الآباء والمجتمع بنظرتهم السطحية.

تعلَّم كأنك وزير

وزير التربية والتعليم المصري د.الهلالي الشربيني

وزير التربية والتعليم المصري د.الهلالي الشربيني

وللتأكيد على أنه لا مكان للتميز والإبداع والجودة في التعليم المصري، ظهر منذ أسابيع قليلة نموذج حي لرداءة التعليم في مصر وبالصدفة البحتة تجسد شخصيًا في وزير التربية والتعليم الحالي د.الهلالي الشربيني، حيث تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي خواطر بها أخطاء إملائية كتبها الوزير على صفحة منسوبة له على موقع فيسبوك.

أخطاء وزير التعليم المصري الجديد “الفيسبوكية” تشعل مواقع التواصل

وهو الأمر الذي استنفر كثير من رواد هذه المواقع للتهكم من الوزير بمئات التغريدات، ما دفع الوزير لإغلاق صفحته، ثم قام بتفعيلها مرة أخرى ونشر اعتذارًا.

زيارة لفيسبوك وزير التربية والتعليم الجديد: أخطاء إملائية وشتائم وتحريض ودعوات لحكومة حرب وأحكام عرفية وقتل الكلاب الضالة

والواقع ان أخطاء الوزير لم تقتصر على الجانب اللغوي فقط، بل امتدت إلى أبعد من ذلك من حيث الأسلوب والذي لا يتناسب مع رجل عادي فضلا عن كونه رجل تربوي وأستاذ جامعي.

ورصدت عديد من الصحف توجهات الوزير والتي تجاوزت الأخطاء الإملائية وحتى اللباقة في الحديث، لتتضمن قيامه بدور القاضي والجلاد في آن وهو يؤلب ضد كل من يخالفون النظام القائم حتى ولو كانوا شركاءه في يوم من الأيام، ومن ذلك موقفه من د.محمد البرادعي.

وحتى حينما حاول الوزير أن يبرر أخطاءه، وقع في مزيد من الأخطاء، وأظهر مزيدًا من الجهل بعدم معرفة الفارق بين الأخطاء الإملائية والأخطاء النحوية.

وزير التعليم يرد على أخطائه الإملائية: “ده خطأ نحوي”

وفي هذا السياق، كتب عدد من المشاهير “تغريدات” تهكمية بها أخطاء إملائية متعمدة للسخرية من الوزير.

مشاهير يسخرون من أخطاء وزير التعليم الإملائية:#نحو_الأمية

وغرد المطرب حمزة نمرة بتغريدة تتضمن عديد من الأخطاء المتعمدة قال فيها: “كان عندنا أستاذ تربية وطنية كان يملينا كده “في الوقت.. اللزي..كانت…المصريين…” الله يمسيه بالخير. شكرا.. حمذة نمرة

وبالطبع لم يفوِّت الإعلامي الساخر د.باسم يوسف فرصة كهذه، فغرد بدوره قائلا: “زهب المعذ و صيفه” #طويط_كأنك_وذير“، قاصدًا “ذهب المعز وسيفه”!

ورد الفنان محمد هنيدي على تغريدة باسم يوسف بتغريدة ساخرة أيضًا قال فيها: “الصخرية مش حل يا بسم”، ويقصد “السخرية مش حل يا باسم”.

وتفاعل الإعلامي يسري فودة مع الحدث، فرد على “باسم يوسف” بتغريدة تتضمن مزيدًا من الأخطاء المتعمدة قال فيها: “عذيذي باسم يوسف.. “البرنامج” شغّال لوحده .. مش محتاجينك خلاص 🙂 #نحو_الأمية

في النهاية أريد أن أكتب لك حلًا عزيزي الطالب لكنه يتطلب شجاعة لتنفيذه، ربما اطلب منك أن تتعلم في مدرسة خاصة أو تترك المدرسة وتتعلم ذاتيًا عبر الإنترنت، لكن يبقى الحل الأكيد والمناسب لك الآن هو أن تتعلم كأنك وزير.. احفظ هذه القاعدة جيدًا وتصالح مع ذاتك واعلم أن العلم في بلادنا نكتة سخيفة.