رامي عصام مغني ثورة يناير بحاجة للشهرة كي يبقى حيا

فتح رامي عصام باب شرفة شقته في مالمو في السويد ليسمع الأصوات في الخارج لكن لم يكن هناك الكثير ليسمعه، بعض أصوات السيارات على الطريق الزلقة وطرق أحذية المارة على الرصيف. يقول عصام “المكان هادئ جدا هنا ليس كمصر… عندما انتقلت إلى هنا أقمت في شقة مؤقتة وكلما عزفت على الغيتار طرق جاري الحائط مشتكيا.. لست معتادا على هذا الهدوء”.

Screen Shot 2015-10-04 at 6.59.12 PM

قبل أربع سنوات كان عصام وسط إحدى أكثر اللحظات التاريخية ضجيجا، حيث تجمع الملايين مطلع 2011 محتلين ميدان التحرير لمدة 18 يوما مطالبين بإنهاء حكم حسني مبارك الاستبدادي الذي دام ثلاثين عاما. كان عصام وسط الحشود ينشد الأناشيد الثورية ويشارك في نضال الشباب الجماعي. جرى اعتقاله واستجوابه وتعذيبه بوحشية حتى أصبح مشهورا كأحد الرموز الحية للثورة. وظهر بقوة في الفيلم الوثائقي الذي رشح لنيل الأوسكار في 2014 “ذا سكوير” وكذلك في برنامج “60 دقيقة” الإخباري الأمريكي، كما جذب رامي آلاف المعجبين إلى حفلاته الموسيقية. وعندما عاد العسكر إلى السلطة في 2013 عزموا على إسكات صوت المعارضين وكان عصام واحدا منهم.

جرى توقيفه عند نقطة تفتيش في السويس ثم اعتقل وتم استجوابه طوال الليل، ومع إرغامه على أداء الخدمة العسكرية الإلزامية قرر عصام السفر. وقامت شبكة المدن العالمية للاجئين (ICORN) وهي منظمة توفر الملاذ الآمن للكتاب الذين يتعرضون للخطر بعرض إقامة مدفوعة التكاليف في مالمو مدة عامين فما كان منه إلا أن حمل غيتاره وغادر.

يمتلك عصام شخصية كاريزمية ويبدو كمغني روك، شاب طويل عريض الكتفين وبشعر أسود مجعد وطويل. وقبل وصوله إلى مالمو كان يملك فكرة مسبقة على أن السويد جنة الحرية الهادئة. لكن مشاعر الخوف من الإسلام ومعاداة المهاجرين بدأت تتنامى في ذلك البلد.

زمن الملاحقات

Rami Essam

منذ أن غادر عصام مصر وحملة السيسي على معارضيه تزداد عنفا سواء كانوا من العلمانيين الليبرالين كعصام أو من الإسلاميين المحافظين كجماعة الإخوان المسلمين. وقد قتل أكثر من ألفي شخص وجرى اعتقال حوالي أربعين ألفا. كما حوكم العديد من الناشطين في محاكمات جماعية سريعة بأقسى العقوبات كالسجن المؤبد والإعدام. وربما دق المسمار الأخير في نعش الديمقراطية بالحكم على محمد مرسي أول رئيس منتخب ديمراقراطيا بالإعدام لهروبه من السجن في 2011. جميع النشطاء اليوم إما في السجن أو غادروا البلاد أو قتلوا أو يعانون خيبة الأمل.

بعض الناشطين انتقد عصام في التخلي عن القضية. لكنه لا يزال يسجل أغاني الثورة في محاولة منه لإقناع نفسه والجماهير أن المعركة لم تنته. يقول عصام:

“أصدقائي الآن يعانون أكثر من ذي قبل وأنا بخير وسلامة… لا أريد القول بأني أشعر بالذنب ولكني أمضي وقتا صعبا لكوني بعيدا”.

لا يوجد الكثير في شقة عصام لكن معالمها تبدو مألوفة لموسيقيين مناضلين، فالفوضى سمتها. وهو يتدرب لأجل الحفلة الموسيقية التي سيقيمها قريبا. ومعه صديقه رامي صدقي عازف غيتار مصري والذي غادر مصر منذ فترة لدراسة العلاقات الدولية في جامعة أمستردام.

التقى صدقي بعصام في استديو القاهرة عام 2012 وكان صدقي مشاركا في الثورة لكنه لم يسمع موسيقى عصام، لكنه سمع بإسمه فقط وكان يظنه شخصاً متعجرفا. كان عصام يستمع أكثر مما يتحدث، يستمع لصديقه الذي يتحدث عن كل شيء بدءا من داعش والعلاقات المصرية وبوليوود وغيرها من المواضيع. ثم يحتضن عصام غيتاره ويبدأ بالغناء بصوت عميق مجروح أغنية “أنا صاحي”، وهي عن الثورة في مصر.

غنى عصام في عدد من المدن الأوروبية كما قام بجولة صغيرة في أمريكا الشمالية، مع وقفات في نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس ومدن أخرى، وعادة ما يكون الحضور ممن يقدرونه كشخص وليس لهم ارتباط وثيق بالموسيقى. فهم بحسب قوله “يودون معرفة القصة ولكن فجوة اللغة تلك لم أعتد عليها”.

كيف كان رامي قبل الثورة؟

ولد رامي عصام في مدينة المنصورة في أسرة من الطبقة المتوسطة، وكان والده مهندسا وتوفي عندما كان رامي في الثانية عشرة من عمره، عندها أصبح شقيقه شادي الذي يكبره بعامين بمثابة والده. وكان شادي أول من عرّف عصام على عالم فرق الروك مثل ميتاليكا و لينكان بارك. ولم يكن عصام بارعا باللغة الإنكليزية فلم يستطع فهم كلمات الأغاني لكنه أعجب بالقوة المتدفقة منها.

عندما بلغ السابعة عشرة اشترى له شادي غيتاره الأول. وبعد عدة أشهر اكتشف عصام موهبته في تأليف الألحان، وكان يغني أغاني الحب في البداية لكن حلمه كان أن يصبح نجم روك. وأكد له شادي أهمية كلمات الأغنية وألا يكون هدفه الشهرة فحسب بل الرسالة التي ينبغي إيصالها للآخرين.

في 2008 التقى عصام في مقهى إحدى المكتبات بشاعر يدعى أمجد قهوجي . وقد ساعد عصام نظرا لأنه يكتب كثيرا في الموضوعات السياسية والثورية، وحتى يومنا كتب أمجد حوالي 75% من كلمات أغاني عصام. وعلى الرغم من أن أغاني عصام جعلته شخصية مشهورة ومضطهدة، إلا أنه قليلا ما كتب كلمات أغانيه بنفسه. والغريب أن مؤلفي الأغاني يبقون غير معروفين ولا يتعرضون للملاحقة من قبل السلطات بل تقع كامل المسؤولية على المغني وحده.

رغم التحول السياسي في موسيقى عصام لكنه لم يتوقع قيام ثورة يناير. ولدى سؤاله عما كان يفعله في بداية المظاهرات أجاب بخجل أنه لم يكن مشاركا. فقد كانت المظاهرات الصغيرة أمرا مألوفا وظن أنها احتجاجات مماثلة. لذا عاش يوما عاديا من حيث رؤية الاصدقاء والذهاب للنادي. فيما كان شقيقه شادي ناشطا في أول مظاهرات المنصورة وحاول اقناع عصام بالانضمام إليه لكنه لم يتشجع.

في الثامن والعشرين من يناير قامت الحكومة بقطع كافة الاتصالات من انترنت ومحمول وهذا دفع المزيد من الناس للنزول للشارع وقال عصام ” اللعنة عليهم … سأنزل للشارع… لقد كان أسوأ قرار اتخذوه، لو كنت أستطيع مشاهدة الأمور من المنزل لربما بقيت فيه”.

وما أن نزل إلى الاحتجاجات حتى انجرف في تيار العاطفة والإثارة للمشهد. وانضم إلى معركة بين المتظاهرين ورجال الشرطة في المنصورة ورمى الحجارة والزجاجات الحارقة فيما أطلق عليهم رجال الشرطة الرصاص المطاطي. بدت مطالب المتظاهرين التي كانت أولا تدعو لإصلاح جهاز الشرطة ووزارة الداخلية والنظام الاقتصادي غير كافية بعد أن استخدم نظام مبارك العنف المفرط ضد المتظاهرين فأخذت الحشود تصرخ بجرأة وغضب “إرحل … إرحل”.

بعد ثلاثة أيام اختفت الشرطة المحلية في المنصورة وقررعصام ورفيقه السفر إلى القاهرة للانضام للمتظاهرين هناك. وأصر شادي عليه بأخذ غيتاره. في البداية غنى عصام لمجموعات صغيرة في ميدان التحرير ثم ما لبثت المجموعات أن أصبحت أكبر وبعدها دعي إلى العزف على منصة في إحدى زوايا الساحة. كان لدى عصام عدد من الأغاني الثورية لكنه اختار منها ما يجعل الناس يغنون معه فالمتظاهرون مشحونون بالغضب والحماس. وكان يغني أحيانا عشر ساعات في اليوم الأغاني الستة ذاتها وأشهرها أغنية “إرحل” .

“أول مرة غنيىت في ساحة التحرير كان في الأول من فبراير بعد الخطاب العاطفي لمبارك والذي ظهر فيه منكسرا ووعد بعدم خوض الانتخابات المقبلة وأنه سيرحل بعد ستة أشهر. وتلقي العديد من الشبان اتصالات من ذويهم بالعودة لمنازلهم حيث أن كل شيء سيكون على ما يرام. لكننا كنا مصابين بخيبة الأمل فهو لم يستمع لنا لذا غنيت “ارحل” فتغير المزاج على الفور”. وظن بعض المتظاهرين بأن عصام لا يملك النفس الثوري وكل ما يسعى وراءه هو الشهرة.

في الثاني من فبراير قام عدد من بلطجية مبارك باقتحام ميدان التحرير راكبين الأحصنة والجمال مهاجمين المتظاهرين فيما عرف ب معركة الجمل . لكن الهجوم فشل في إخلاء الميدان وأصيب عصام في المواجهات وظهر على شاشات التلفاز والضمادات تغطي ورأسه وشفته العليا. يقول عصام ” تغيرت نظرة كثير من الناس تجاهي بعد أن رأوني معهم في مقدمة المواجهات وبدأ الشباب الذين يديرون المنصة بتقديمي كمغني الثورة”.

لم يعرف الشباب الذين في العشرينات أمثال عصام رئيسا آخر عدا مبارك طوال حياتهم. كانوا جميعا مصممين على الاستمرار حتى النهاية لأنهم يعلمون تماما أنهم سيعتقلون جميعا إن تراجعوا. “لا يمكنك أن تتخيل ما يعنيه أن تغني أمام مئات الآلاف من الناس الذين يحملون ذلك الكم من الغضب ضد شخص واحد… القوة تتفجر في ذلك المكان إنه شعور مذهل”.

الاعتقال والتعذيب

في الحادي عشر من فبراير كان عصام يغني على المنصة عندما أعلن نائب الرئيس المصري عمر سليمان عن استقالة مبارك، تاركا مقاليد السلطة بيد المجلس الأعلى للقوات المسلحة. بدأ المتظاهرون بالعودة إلى بيوتهم في تلك الليلة راضين بالإنجاز الذي صنعوه ولكن عصام وجد أن بعض قادة المظاهرات مضطربين يصرخون في الناس بالعودة. فالمعركة لم تنته والهدف تحقيق حكومة مدنية ودستور جديد ومجموعة من الإصلاحات وليس الإطاحة بمبارك فقط. اعتصم الآلاف مجددا في ميدان التحرير وكان عصام أحدهم.

في التاسع من مارس قرر الجيش إخلاء ميدان التحرير واستخدم العنف لتفريق الحشود وقام الجيش بجر عصام وآخرين إلى المتحف القريب وهناك جردوه من ثيابه وأخذ ضباط ممن يرتدون ملابس الوحدات الخاصة في الجيش بتعذيبه، وقصوا شعره بزجاج مكسور وضربو رأسه بالحائط مرارا ثم ضرب بقضبان خشبية ومعدنية وركل وتعرض للصعق الكهربائي. يقول عصام “لم يسألوني عن شيء… لذا ظننت أنهم يريدون قتلي فقط… شعرت أني أموت لكني سمعت صوتا في داخلي يقول لا تعطيهم الفرصة لقتلك قاوم حتى النهاية” وبعد ثماني ساعات جرى إطلاق سراحه.

عاد عصام للمنصورة ليتعافى، بينما شعر أخوه شادي بالذنب لأنه شجعه على الانضمام للمتظاهرين. فقد كانت هذه الحادثة أسوأ كارثة تصيب العائلة بعد وفاة الأب. وطلبت منه والدته وجميع أقاربه عدم التحدث في السياسة، لكن شادي قال له إما أن تستسلم أو تتابع النضال.

استغرق الشفاء شهورا ويقول عصام أن تجربة الاعتقال في المتحف غيرت شخصيته للأفضل فقد بدأ بكسر حاجز الخوف. وما أن تعافى حتى عاد للقضية مع روح الثأر، وكان يطوف أنحاء البلاد ويغني في المسارح والاحتفالات وزوايا الشوارع. حاولت بعدها الأحزاب الجديدة التقرب منه لضمه لصفوفها لكنه أصر على البقاء مستقلا. ولم يشارك في الانتخابات التي انتهت بتقلد محمد مرسي مقاليد للسلطة، إذ لم يرغب بالمشاركة بأي عملية حكومية لأنه لا يثق بهم، وقد فقد الكثير من أصدقائه ولا زال الناس يموتون ويعذبون. وفي الفترة ما بين عامي 2011 و 2013 كانت حياة عصام مكرسة للغناء والاحتجاج فقد أولع بالاعتصامات والنضال.

تزوج عصام في عام 2012 وفي السنة التي تليها رزق بصبي. تأثرت حياته برمتها بالثورة وهو الآن يبعد آلاف الأميال عن أهله وبلده.

المقاتل المهزوم

بحلول منتصف عام 2013 لم تعد حكومة محمد مرسي تحظى بشعبية فنزل الناس إلى الشوارع في الثلاثين من يونيو بأعداد كبيرة مطالبين مرسي بالاستقالة. وعلى الرغم من أن عصام كان يخوض طوال العام حملات المطالبة بإسقاط مرسي لكنه شعر بانفصاله عن الملايين من المصريين الذين رأوا في العسكر منقذاً لهم. وفي اليوم التالي ذهب إلى ميدان التحرير وكان حسب قوله “مليئا بالحمقى الذين يحيون الجيش والمدرعات ويعانقون الجنود وحتى رجال الشرطة الذين كانوا ضد ثورة يناير حضروا إلى الميدان ورقصوا مع الناس”. صعد عصام للمنصة وبدأ يغني منتقدا الإخوان المسلمين لكنه ختم أداءه بأغنية عنوانها “تبا للمجلس العسكري”.

يقول عصام “كانت المرة الأولى التي أغني أمام مئات الألوف دون أن يغنوا معي. عندما أنهيت الأغنية أخبرتهم أننا لسنا مع الجيش فقد قتلوا أصدقائنا ولن ننسى ذلك… كنت غاضبا جدا لكن الجميع اكتفى بالصمت… بعد يومين قمت بالأمر عينه وتلقيت الاستجابة نفسها”. ثم أعلن السيسي بعزل الرئيس مرسي واستلام المجلس العسكري مقاليد السلطة مجددا، حينها غادر عصام ميدان التحرير وعاد للمنصورة كمقاتل مهزوم.

لم يعد عصام قادرا على التعبير عن رأيه فقد منع من الغناء في الأماكن الحكومية وحتى الأماكن الخاصة رفض أصحابها استقباله خوفا من النظام الحاكم. ثم تم تمرير قانون يقيد الاحتجاجات بشكل حاد ويحظر كافة أنواع التظاهرات كتلك التي أطاحت بالنظامين السابقين.

بعد انتخاب السيسي جرت محاكمات سريعة لأصدقاء عصام وعقوبات بالسجن لعقود. وفي طريق عودته من سيناء تم اعتقاله وتفتيشه واستجوابه طوال الليل قبل إطلاق سراحه. جاء أولي ريتوف مدير “فري ميوز” وهي منظمة غير ربحية تساعد الموسيقيين المضطهدين في أنحاء العالم لزيارة عصام وأخبره أن السلطات تستهدفه وأنه حان وقت مغادرة البلاد.

أخبر عصام ريتوف أن مشكلته ليست الاعتقال بل أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وقد تلقى الكثير من التهديدات المباشرة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي ويعتقد بأنه إذا التحق بالجيش فستكون نهايته.

كان ريتوف حلقة الوصل بين عصام ومنظمة ICORN . بعدها تمكن عصام من السفر بعد أن منع من ذلك مرات عديدة. أمضى شهرا في هلسنكي وفي أولى حفلاته هناك قاطعه عدد من المصريين صارخين وملوحين بصور السيسي، وتبين له لاحقا أن السفارة المصرية وراءهم وكأنهم يقولون له “نحن نراقبك حتى في الخارج”.

لدى وصول عصام إلى مالمو لم يكن يعرف أحدا سوى ريتوف المقيم في كوبنهاجن، وهو صحفي سابق في هيئة الإذاعة الدنماركية التقى عصام في عام 2011. “عندما تسير معه في ميدان التحرير جميع الناس شيبا وشبانا يتحدثون إليه فالجميع يعرفه … هنا لا يعرفه أحد” حسب قول ريتوف.

من ميدان التحرير إلى مالمو – السويد

essaminsweden

يمضي عصام معظم وقته في كتابة الأغاني ويدرس الموسيقى في جامعة محلية لكنه يشعر بالغربة والوحدة. ومنذ خروجه من مصر أطلق عدة أغنيات عبر الانترنت إحداها يوجهها للسيسي تحديدا باسم “عهد العرص“. وبرغم منع جميع ألبومات عصام في مصر والتي تتحدث عما يجري فيها إلا أنها تصل للناس. من غير الواضح كيف يمكن لعصام أن يؤثر في الناس عن بعد لكنه يشعر بأنه عليه إكمال مسيرته فكثيرون يؤمنون بضرورة متابعة الكفاح ومواصلة الثورة، وهم بحاجة إلى موسيقى ثورية تعبر عن مشاعرهم.

في هذا الوقت تمر أوروبا بنوع من التحول، حيث أسفر الربيع العربي عن مئات آلاف اللاجئين الذين توجهوا لأوروبا كملاذ آمن. وكانت السويد وجهة مفضلة للكثيرين لأنها تؤمن إعانات سخية وبرامج رعاية اجتماعية. لكن الحزب الديمقراطي السويدي اليميني المتطرف المعادي للمهاجرين واللاجئين يمثل الآن ثالث أكبر حزب في البلاد. وقد تعرضت ثلاث مساجد لهجمات وحرق متعمد خلال عشرة أيام في فترة أعياد الميلاد. وفي مالمو يمثل الأشخاص المولودون خارج السويد 31% من السكان. كما تعرض عدد من الأجانب لاعتداءات من قبل يمنيين متطرفين. وقد تفاقمت مواقف اليمين المتطرف بعد الاعتداء الأخير على مبنى “شارلي إيبدو” في باريس.

يمضى عصام معظم وقته في شقته لكنه لاحظ المواقف العنصرية من بعض السويديين تجاه المهاجرين. ذات مرة لم يسمح له بدخول حانة بسبب مظهره. ويقول ريتوف أنه قام بترتيب الأمور في مالمو، لكنه يصعب على الفنان أن يصل لمكان يفترض ان يشعر فيه بالأمان ولكن لا يجده.

ويقول فريدرك إلغ مسؤول التطوير في مديرية الثقافة في مالمو والمنسق المحلى لبرنامج ICORN أن لديهم خطة لحماية عصام، فهم لم يكشفوا عن مكان سكنه الذي حصنت نوافذه وأبوابه، لكن عصام يرغب بأن يكون شخصية عامة. كما تقدم المنظمة لعصام سكنا وراتبا شهريا حتى أكتوبر 2016. وهو ينوي البقاء في السويد إلى أن يتجاوز الثلاثين من عمره عندها يمكنه تجنب الخدمة العسكرية الإلزامية بدفع غرامة مالية. وبعدها سيعود إلى وطنه رغم كونه أمرا محفوفا بالمخاطر. وهو يعتقد أن بناء قاعدة معجبين واسعة ومتابعين عالميين أثناء وجوده في السويد سيؤمن له نوعا من الحماية لدى عودته لبلده. ويكمل عصام بهدوء “قوتي هي الشعب”.

Screen Shot 2015-10-04 at 6.44.04 PM

لا يمتلك عصام حلولا سياسية كبيرة لمصر وهو يتحدث بتردد عن “مجلس رئاسي” يتبنى أساسيات الديمقراطية البرلمانية على غرار النمط السويدي. ويوضح بأنه ضد الجيش والشرطة والإخوان المسلمين وكل السياسيين الذين استغلوا ثورة الشباب لمآربهم الخاصة.

شدة التنظيم في السويد لا تتلاءم مع طبيعة عصام الفوضوية. ففي الحفلة التي أقامها كانت المرأة التي ساعدته على تنظيم الفعالية تشرح الجدول الزمني للحفل بدقة، وتبين له أماكن الخروج والدخول، وأنها ينبغي أن تكون بصحبته في كل تحركاته في الكواليس لتأمين إغلاق الأبواب وعدم انطلاق أجهزة الإنذار. يقول عصام “أنا أفتقد نوعا من الحرية الفوضوية الموجودة في مصر… فهنا كل شيء منظم جدا حتى الفنانين والموسيقيين منظمون. في مصر هناك أماكن كثيرة يمكنك أن تفعل فيها أي شيء… أن تشعر فقط بالحرية”.

جزء منه يتوق لحياة الفوضى والشغب في مصر لكن جزءا آخر يخاف من أن بعده بلده سيجعله أقل تقبلا له عند عودته. ويقول “أحتاج لبعض الإثارة… لا أريد أن أكون طريا”، وقد انخرط في دورة “كيك بوكسينغ” لأنه يشعر أنه بحاجة إلى تعلم بعض الفنون القتالية للدفاع عن نفسه.

يؤكد عصام أنهى لا يعتبر نفسه منفيا في السويد. فهو لم يتقدم بطلب للجوء أو لم يتخل عن جواز سفره، بل ترقب العودة إلى مصر هو جل ما يشغل باله. كما أنه يعمل على ألبوم جديد وبدأ بكتابة أغان بالإنجليزية في محاولة للوصول بسهولة للمستمعين الأوروبيين والأمريكيين.

إنه يعمل على كافة المحاور استعدادا للعودة فقد تعلم كيف يتكيف مع الحياة ويحارب الوحدة، ولا يزال على اتصال يومي بعائلته وأصدقائه. وأخبره شقيقه شادي أن إقامته المؤقتة في السويد ستكون نقطة قوة في مسيرته، إذ أن جميع الشخصيات العظيمة في مرحلة ما من نضالها الثوري غادرت بلادها لتعود لاحقا أقوى مما كانت عليه. وبالرغم من ذلك فإن شادي يرى أن عودة عصام القريبة لن تكون في مصلحته إن لم تتغير الظروف.

قبل أن تبدأ الحفلة كان عصام يمرن صوته قليلا. وقد امتلأ ثلث القاعة بالحضور معظمهم سويديون مع بضعة أشخاص سوريين وعراقيين. جلس الجميع في القاعة بهدوء شديد ويحتد التصفيق مع نهاية كل أغنية لكن عصام يكره هدوء الحاضرين في المسرح، على العكس من المتظاهرين في ميدان التحرير الذين كانوا يملؤون الجو صخبا وضجيجا. كان عصام يحكي للحضور قصة كل أغنية ويشرح لهم معانيها بالانجليزية، وفي نهاية العرض تقدم حوالي نصف الحضور لمصافحته. وبعد الحفلة جرى عرض فيلم “فن الحرب” الذي يعرض لقطات واقعية للأيام الأكثر عنفا في ميدان التحرير.، ويظهر عصام نفسه في بعض الصور وهو يغني أو يقاتل.

رؤية الفيلم لا تجعل عصام يشعر بالحزن أو اليأس رغم أن يرى فيه بعض صور أصدقائه الذين استشهدوا أو اعتقلوا، إنه يشعر بقوة دفع إيجابية. يقول عصام “ليس من السهل أن أغني مجددا في مصر… ربما علي أن أشتري غيتارا رخيصا وأذهب إلى التظاهرات مع مكبر صوت وأغني” ثم يكمل ضاحكا “لكي أتمكن من الهرب في الوقت المناسب”.

المصدر: BuzzFeed

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.

There is one comment

  1. Sarah nasser

    الى المناضل رامي عصام ، لا تنكسر رغم انكسارنا ، صوت الشهداء لسه معاك .
    لاتستسلم الحريه مش سهله . ❤️💪🏻

    Like

Comments are closed.