حرب الإعلانات بين غوغل وآبل وفيسبوك تتصاعد وتهدد محتوى الإنترنت

لا يرغب المستهلك في تلقي إعلانات مزعجة ولا يدري أنها الممول الأساسي لإنتاج المحتوى

الإعلانات سلعة قيِّمة تُوضع أمام سلعة قيِّمة أخرى هي انتباهك

DFP جوجل أكبر مزوِّد عنبكوتي بالإعلانات.. و AdXأكبر منصة تبادل

سيطرة آبل على سوق الهواتف المحمولة منحها حق الفيتو ضد منافسها اللدود جوجل

ستتسبب هذه الحرب في دمار يكتسح صغار الناشرين وحمام دم للإعلام المستقل

 

لم يعد سرًا، احتدام المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا غوغل وفيسبوك وآبل على زعامة “وادي السليكون” الواقع بالقرب يتخذ من مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا مقرًا له كعاصمة تقنية للكرة الأرضية.. وهو التنافس الذي تحول إلى حرب ضروس محتدمة بين تلك الشركات حيث يعمل كل طرف لسحب حصة الآخر من كعكة إعلانات الإنترنت، وهي الحرب التي قد يترتب عليها فقدان محرري الانترنت الدافع لإنتاج محتوى إبداعي جديد.

وفي هذا الصدد، يظن كثيرون أن أي النقاش حول حجب الإعلانات على الانترنت يتركز بالأساس حول تجربة المستخدم المتعلقة بالمحتوى، لكننا من خلال هذا التقرير نرصد الصراع من زاوية أخرى، وهي صراع النفوذ والمال في وادي السليكون. وما قد يتسبب فيه من دمار عادةً ما يُصاحب المعارك الجسيمة بين الشركات الأضخم من نوعها في العالم.

حجب الإعلانات سينعكس سلبًا على المحتوى

في منتصف شهر أكتوبر الحالي، خرج للنور التحديث الجديد من نظام التشغيل iOS 9 الخاص بهواتف آيفون، وقد حمل هذا التحديث خاصية حجب المحتوى وهي خاصية تتوافر بالفعل في عدة تطبيقات أخرى فتمكن المستخدم من حجب الإعلانات، وقد تؤدي تجربة هذه التطبيقات إلى صنع فارقً كبير في تحسين تجربة تصفح الانترنت من خلال الهاتف، وذلك من خلال قيامها بمنع جهازك من تحميل كمٍ هائلٍ من صفحات الانترنت.

هذا الكم الهائل من الصفحات – أو الإعلانات – هو ما لا ترغب في أن تراه، فكل ما يهم المستخدم بالنهاية هو المحتوى الذي يبحث عنه، فيكون محتوى مُثيرٌ وجذاب تصل إليه ببساطة لتستمع بالتجربة وتكررها كما تشاء دون إعلانات مزعجة.

iOS-9

لكن لسوء الحظ، فإن هذه الإعلانات هي التي تدفع الأموال اللازمة لإنتاج هذا المحتوى الذي تشاهده على غالبية صفحات الإنترنت، فهو الحل الذي لجأ له كل منتجوا المحتوى بكافة الأشكال، فحتى تتمكن وسائل الإعلام من تغطية تكاليفها والاستمرار بتقديم المحتوى قامت بانتهاج فكرة الإعلان، وهو تقليد قديم بقدم وسائل الإعلام، فأصبحت تظهر إعلانات لا علاقة لها بالمحتوى المعروض، لذا ستجد أن المجلات المكونة من مائة صفحة تُستكمل مواضيعها المعروضة في الصفحات الأولى في الصفحة السادسة والتسعين، كما تقوم الصحف بوضع صفحات داخلية لتتمات أخبار الصفحة الأولى حتى تفسح مجالاً للإعلان، كما يبلغ الطول الحقيقي للمسلسلات الكوميدية “السيت كوم” ذات الثلاثين دقيقة اثنان وعشرون دقيقة فقط، بينما تخصص 8 دقائق من الـ30 دقيقة في الإعلانات، فتقوم وسائل الإعلام من خلال ذلك بوضع الإعلانات على طول مسار انتباهك. هذه الإعلانات تمثل سلعة قيمة، تُوضع أمام سلعة قيمة أخرى، وهي انتباهك.

DFP غوغل.. أكبر مزوِّد عنبكوتي بالإعلانات

doubleclick

وإذا عدنا مجددًا إلى الانترنت، وتحديدًا إعلاناته، فسنجد أن غوغل هي أكبر شركة لتزويد الإعلانات على الشبكة العنكبوتية، وتدير خادماً للإعلانات يُسمى “ضغطتين للناشرين” (DoubleClick for Publishers) واختصارًا DFP. ويعد سيرفر DFP من الضخامة أنه يزود تقريبًا جميع الناشرين الرئيسيين بالإعلانات منها فوكس ميديا Vox Media، ذا فيرج The Verge، بازفيد BuzzFeed، وESPN، إذ يستخدم جميعهم DFP. فكلما شاهدت إعلان ما بينما تقوم بتصفح الانترنت هنالك احتمال كبير أن يكون مزودًا عن طريق خدمات DFP. حتى أن الإعلانات المتوافقة مع المحتوى (Native Advertising) تُدعم أيضًا عن طريق DFP، لذا ستجد أن المساحات المخصصة لهذه الإعلانات على موقع The Verge تُدار بشكل منفصل عن المُحتوى التحريري.

وإضافة إلى DFP، تدير جوجل أكبر منصة على الانترنت لتبادل الإعلانات، وهي AdX. في الحالات المماثلة، يترك DFP للناشرين مهمة خدمة إعلاناتهم الخاصة، بينما تكون الإعلانات المبرمجة (Programmatic Ads)  التي تلاحقك عبر صفحات الانترنت تحت إدارة AdX.

هذه هي الأنواع الثلاثة لإعلانات الإنترنت: الإعلانات العادية (Premium Display Ads)، والإعلانات المتوافقة (Native Advertising)، والإعلانات المُبرمجة. ولغوغل حصة كبيرة من كل منهم.

عمليًا، لم تتمكن أي شركة من الربح من الانترنت بقدر ما فعلت غوغل خصوصًا باستخدام DFP وAdX. كان الانترنت دائمًا هو لغة غوغل الأصلية، لكن مع DFP أصبحت هذه اللغة تدر أرباحًا طائلة على الشركة لاسيما مع الاستخدام اللامتناهي من جانب الجمهور لغوغل كأكبر محرك بحث، فيرون أثناء بحثهم نتائج البحث مدفوعة الأجر، ليصلوا في النهاية إلى محتوى يدر أرباحًا على جوجل من خلال DFP و AdX. هذه هي تقريبًا الأسس التي تقوم عليها أرباح الشركة، فنصيب الأسد من هذه الأرباح يأتيها من خلال مُحرك البحث، الذي لا يعمل بدوره إذا كان الانترنت غير قابل للبحث. لذا تهتم غوغل بجعل الانترنت منصةً ربحية لشركات الإعلام، كي يوفروا المحتوى الذي سيجذب الناس للبحث عنه.

فيتو آبل يهدد غوغل

لكن وعلى الرغم من استحواذ غوغل على هذا الكم الهائل من إعلانات الشبكة العنكبوتية، أبت شركة “آبل” إلا أن تدخل المنافسة بشراسة، فما يحدث الآن هو تحول انتباه الجميع بحدة من أجهزة الكمبيوتر، حيث يهيمن متصفح غوغل كروم على المستخدمين (والذي يدعم تطبيقات حجب الإعلانات)، إلى الهواتف المحمولة، حيث يحتل متصفح شركة آبل (سافاري) قمة إحصائيات الاستخدام، فهو الوسيلة الأفضل بالنسبة لمستخدمي أجهزة الآيفون لتصفح الانترنت، وبسبب سيطرة أجهزة آيفون- وبالتالي متصفحها سافاري- على سوق أجهزة الهواتف المحمولة، أصبح لآبل حق الفيتو على الانترنت – كما يرى جون غروبر– ويعني حق الفيتو أن الإنترنت الذي كان دوما منصة غوغل للربح قد أصبح تحت سيطرة منافسها اللدود خصوصاً مع اتجاه الناس لاستخدام هواتفها في التصفح.

والآن مع iOS 9 وخاصية حجب المحتوى، فإن آبل تحاول توجيه طعنة بالغة في صدر غوغل للتأثير على أرباحها، لأنه يحتوي على خاصية البحث المتقدم التي تقترح المحتوى بشكل تلقائي، بل وقدرتها على أن تبحث بداخل التطبيقات، آخذةً المحتوى من بين أصابع جوجل، ومباعدة بين المستخدمين ومحتوى الانترنت. تقوم آبل من خلال تحديثها الأخير بمنح مستخدميها قدرة حجب الإعلانات، وفي نفس الوقت، توفر الخلاص للناشرين في صورة تطبيق “أخبار آبل” (Apple News)، حيث ستقوم بعرض إعلانات غير قابلة للحجب، بل وتقوم ببيعها نيابةً عن الناشرين في مقابل 30 بالمائة فقط من الثمن.

وإذا لم يمثل لك حل Apple News الخلاص، فبإمكانك دائمًا اللجوء لتطبيق فيسبوك “المقالات الفورية” (Instant Articles)، الذي يتعقب كل ما تفعل على الانترنت، ويقوم بعرض إعلانات غير قابلة للحجب بداخله. وهو ما سيظل نجاحًا من منظور آبل، طالما لم تذهب العوائد إلى غوغل.

هذا هو الصراع الحقيقي الذي يجب أن تدركه، خاصةً عندما تشاهد مدوني آبل – مثل جروبر- وهم يقللون من الهاجس القائل بأن قرار آبل سيؤثر على صغار الناشرين. الصراع بين آبل وغوغل لم يكن مُحتدمًا وقويًا إلى هذا الحد من قبل، وفرصة فيسبوك في أن يقدم نفسه على أنه حامي حمى وسائل الإعلام لم تكن قريبة منه إلى هذا الحد من قبل، وذلك عن طريق تطبيقه -المقالات الفورية-  الذي يُزعم أنه صُمم من أجل تجربة أسرع في التصفح فقط، إضافة إلى الخصائص المتقدمة المنتظرة في صفحته الرئيسية، وقفزته الهائلة تجاه عرض الفيديو، التي هي بمثابة هجوم مباشر ضد يوتيوب الذي ينتمي لكيان غوغل. ناهيك عن الجبهة الأخرى المفتوحة بنظام تشغيل آبل لأجهزة التلفاز tvOS، الذي يحاول جلب عالم التطبيقات إلى هذه الأجهزة حتى تسيطر آبل على نطاق جديد من نطاقات عرض محتوى الإنترنت.

الدمار القادم وحمّام دم للإعلام المستقل

الحرب الآن تتفاقم بين غوغل وفيسبوك وآبل ضد بعضهم البعض، كل منهم مدفوعًا بمجاله الربحي: فبينما تمتلك غوغل معظم أجزاء الإنترنت وتسيطر على البحث فيه، تمتلك فيسبوك تطبيقها الخاص، وتمتلك آبل هاتفها الآيفون. نحن الآن أمام الحرب الأكبر والأحدث في مجال التكنولوجيا.

وإذا نظرنا إلى الدمار الذي ستتسبب فيه هذه الحرب، وتحديدًا محاولات آبل للتعدي على مجال غوغل، سيطال جزءاً كبيراً من الإنترنت، وتحديدًا صغار الناشرين الغير القادرين على الاستثمار في منصاتهم الخاصة أو جلب الإعلانات المتوافقة أو العناصر الأخرى الإعلانية باهظة الثمن اللازمة كي يضمنوا نصيبًا لا بأس به من الانتشار لمنصاتهم. ستكون الحرب القادمة بمثابة حمام دم للإعلام المستقل.

في وقتٍ سابق من هذا العام، أعلن محرر موقع The Awl، المتخصص بالشؤون التكنولوجية، جون هيرمان أن “المرحلة القادمة من الانترنت هي التلفزة”، ولم يكن بإمكانه أن يثبت صحة رأيه مثلما قد يكون بإمكانه في الوقت الحالي، فالناشرون الكبار بفهمهم للصحافة الرقمية، والعلامات التجارية الكبيرة بجمهورها الكبير (مثل باز فييد وفوكس ميديا)، سيكونون بخير في العالم الجديد. إن هذه هي الفرصة التي يجب على شركات الإعلام الرقمي الجديدة أن تنتهزها، تمامًا كما كان هنالك وقتٌ لشركات الكيبل الناشئة (Cable Networks)، ووقتٌ آخر للمجلات الديناميكية المطبوعة الجديدة كي تقامر على الأجيال الأصغر لتستمر في تأثيرها الثقافي، فالآن هو دور الإعلام الرقمي بشكله الجديد ليخط مساره.

ad_blocking

لكن أخذ المال والاهتمام بعيدًا عن الانترنت سيؤدي لا محالة إلى إبطاء مسيرة الإبداع على الانترنت إلى حد الحبو. ففي نهاية الأمر، يميل الإبداع دائمًا إلى السعي وراء الأموال حتى يستمر. وإذا حاولت أن تسأل المواقع الصغيرة أو متوسطة الحجم عن هذه التغيرات، ستعلم أن العواقب لها باتت وخيمة. فقط انظر إلى أعداد المواقع التي أُغلقت هذا العام: أمثال غيغا أوم (GigaOm)، وذا ديسولف (The Dissolve). كتبت سابقًا كيسي جونستون مقالًا  جيدًا لموقع ذا أول عن حجب الإعلانات، ألمح من خلاله الناشر إلى أن “75%-85%” من إعلانات الموقع قابلة للحجب من قبل متصفح آبل وغيرها من المتصفحات التي تدعم الحجب. وفي ظل ذلك، لك أن تتخيل ما الذي سيحدث لشركة صغيرة عندما تقوم بحرمانها من 75%-85% من مصادر دخلها باسم الحفاظ على تجربة المستخدم؟ بالمقابل، فإن الشركات ذاتها التي تحجب الإعلانات تقوم بإنشاء تطبيقاتها الخاصة لإرغام هذه المواقع على النشر من خلالها واقتسام أموال الإعلانات وهو ما يشتت الجمهور بين أماكن عدة، لعل أهمها غوغل وفيسبوك وآبل، مما يضعف فرص هذه المواقع الصغيرة في البقاء، ويحرم ملايين الناس من محتوى جيد وتحبه بسبب سوق الإعلان التنافسي بين الشركات الكبرى.

إن التفكير في أن الناشرون الصغار حتماً سيتأقلموا لم يعد صحيحاً حتى الآن، فالصيغة الوحيدة للتأقلم حتى الآن كانت الموت.

وبالنظر إلى ما قد تسفر عنه هذه الحرب فإن ذلك يدعونا للتساؤل حول ما سيؤدي إليه ذلك بالنسبة للناشرون والمنتجون العرب الذين يقدمون محتوى على الإنترنت في ظل توزع الجمهور بين غوغل وفيسبوك وآبل وشح الموارد الإعلانية، بالمقابل فإن منصات المحتوى العربي لا تزال وليدة وليست بحجم الأسواق الأجنبية الأخرى، فهل ستتمكن المواقع العربية من النمو في ظل هذا التنافس العالمي؟

المصدر: The Verge

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.